من يتابع مآلات الأفكار وحركات التغيير والثورة والانفتاح… في العالم، من أوروبا، إلى الولايات المتحدة، فإلى عالمنا العربي اليوم، وصولاً إلى لبنان ، يتساءل: لماذا وصلت كل هذه الأمور والأحلام إلى مرحلة الانحطاط؟
في أميركا دونالد ترامب نجم “الجماهير” (الجديدة)، وفي فرنسا مارين لوبان وحزبها ضمنت بشعبيتها المتصاعدة مقعداً متقدماً في الانتخابات الرئاسية، واليسار لم يعد يساراً، واليمين جامد، والأصوات التغييرية اليسارية الراديكالية خارج التاريخ.
وها هي الموجة اليمينية المتطرفة تخترق «جدار» المانيا وتسجل انتصاراً وان محدوداً على ميركل، من دون أن ننسى المجر واليونان (يسار شعبوي)، أو حتى في السويد والدانمارك…
العالم الغربي، صاحب «التقاليد» الديموقراطية والبرلمانية والعقلانية العلمية، فَقَدَ ارثه وطموحاته وأدواره الطليعية والإبداعية والفكرية وحقوق الانسان من دون أن يكون له بدائل موازية، سوى الليبرالية الجديدة، أو الليبرالية المعولمة، فكلما تطورت التكنولوجيا تراجعت الثقافة ومستوياتها وتعابيرها وكلّما كثُر المتعلمون في المدارس والجامعات قلّ العلم والوعي، غريب!
لكن هل فوجئ المتنورون وغير المتنورين بهذه التحولات التي أصابت الطبقات الوسطى والسفلى من الشعب التي تضم مختلف المهن، والوظائف والشرائح الشعبية، الفقيرة وصولاً إلى النخب؟
وهل استشعر أحدٌ، سواء مجموعة أو أفراد مثل هذه «الهزات» التي ربما هي التي غيرت التاريخ التنويري، وليس نظرية «نهاية التاريخ»… بل لأن ما نشهده اليوم، هو «نهاية» تاريخ فوكوياما كما تصوره.
من المسؤول؟ فالآخرون صاروا أولّين، والأولون صاروا آخرين. الطبقات السفلى طافت على السطح بهشاشاتها وعفويتها وشعبويتها وزخمها وغرائزها، والنخب في الطبقات العليا انحدرت، وتساقطت أمام «خيارات الجماهير» والذين تابعوا مثل هذه المراحل الجديدة، صوّبوا على النُخب! تهاوي النخب سبق تهاوي قيمها، سواء الحزبية أو الثقافية، أو الصحافية، أو الأدبية، أو السياسية أو النقابية أو الفكرية… أين كانت تلك النخب؟ ولماذا تفتت في أيديها، وفي رؤوسها تلك النزعات «المقاوِمة» للسائد وذلك السعي إلى تجديد الخطاب الفكري والالتحام بالناس وبهمومهم ومشاكلهم وأوضاعهم وأشكال التجدد؟
لكن الأجوبة جاءت قاسية: انها المسؤولة أي النخب عن كل هذه الانهيارات، هي مسؤولة عن صعود النزعات الشعبوية والعنصرية والطائفية والانعزالية لأنها تخلت، كما يقول كثيرون عن مبادئها الأساسية وانخرطت في لعبة الاستعلاء عن الطبقات الشعبية، وركزت هواجسها على قضايا لا تهم سوى قلة من هؤلاء: الزواج المثلي (لا يهم أكثر من 2 بالمئة من الناس)، تداعي الدول أمام طوفان العولمة والشركات عابرة القارات، ومنع ارتداء الحجاب أو البوركيني… والمشاركة بخيانة أنفسها بدخولها في ما يسمى مسائل «الهوية» و»العرقية» و»اللون» والجنوب والشمال. هذه كانت اهتماماتها وكأن ارستقراطية «جديدة» تجسدت حتى في المفكرين والمبدعين والتغييريين، متمثلة بالماضي والتواريخ وحتى الجغرافيات الاثنية. فلم يعد لا من يسار ولا من يمين. لا من انتفاضات ولا من احتجاجات… إلاّ في بعض المناسبات العابرة التي تمكنت هذه «النخب» السياسية استغلالها لوصولها إلى السلطة.
وإذا انتفى اليسار واليمين التقليديان، فماذا حلّ مكانهما: لا شيء. فكلمة يمين ما عادت تنطبق على التواريخ والمحافظة والانغلاقية والقومية ولا كلمة يسار باتت تنطبق على بعض أشكال الاحتجاجات مثل احتلال ساحة «وول ستريت» أو «الليل وقوفاً» أو حتى مزايدات يساريين كما حدث في اليونان أو في فرنسا. فهل علينا ايجاد مصطلحات جديدة بدائل لتسمية «اليمين واليسار» وقد بتنا لا نفرق بينهما اليوم لا في فرنسا، ولا في أميركا، ولا في اليونان، ولا في اسبانيا؟
لبنان
هذا ما يحصل في الغرب، فماذا عنا، نحن العرب؟ والسؤال يطرح ذاته: كيف آلت الأمور إلى مثل هذه الأشكال الرهيبة من الانحدار والانحطاط؟ حتى تغزو الطائفية والمذهبية والراديكالية الدينية، الجماهير، والطبقات الشعبية، بتطرفها وعمائها، وعنفها وجنونها؟ أين هذ النخب العربية؟ هل من طريق إليها؟ إلى أي مدى ذابت في هذه الظواهر المظلمة، القاتلة، بهوياتها «المستعارة» وأصوليتها وراديكاليتها وجرائمها؟ هل صار «المثقف» النخبوي خارج النخبوية منخرطاً عن وعي (أو عن مصلحة أو جبن أو ضعف) في هذه الشعبوية الدموية؟
محمد حسن الأمين
يقول العلامة الشاعر والمفكر الكبير السيد محمد حسن الأمين: «احمِّل المجتمع اللبناني والنخب اللبنانية بصورة خاصة مسؤولية فادحة في اضفائهم الشرعية على مثل هذا الخلل السياسي وغياب أي مظهر من مظاهر الاعتراض الجدي والحقيقي بل أكاد أقول ان الكثير من هؤلاء النخب الفكرية والثقافية والاجتماعية تكاد تكون هي الأداة التي تتكئ عليها هذه الطبقة السياسية، حتى لنكاد نعجب أن عدداً كبيراً من هذه النخب الثقافية يرضون لأنفسهم الالتحاق المجاني أو حتى الالتحاق المدفوع الثمن لهذه الطبقة السياسية. وهنا دعني اوجه نقداً قاسياً لطبقة تسمى رجال الدين في لبنان تتحمل مسؤولية استثنائية في تكريس البعد الطائفي وحمايته واضفاء الشرعية عليه في الوقت الذي ترفض الأديان اعتماد هذه الصورة التي تمزق المجتمع باسم الدين والطائفة (المستقبل، يوم الأحد 25 أيلول 2016). وضع العلامة الكبير الاصبع على الجرح، ونكأه! قالها مدوية، وصارخة. نعم! «تتحمل النخب اللبنانية جزءاً أساسياً من هذا الخراب الفكري والسياسي والابداعي والثقافي«. قالها بجرأة صافية حتى وصل بها إلى النخب الدينية (رجال الدين) انه انقى وأحد نقد لما نعاني من خلل شامل.
إلى الوراء
لكن لو عدنا إلى الوراء، وطويلاً وتفحصنا وضع النخب العربية واللبنانية على امتداد مجمل الصُعد والمستويات لما فوجئنا كثيراً بما يجري حولنا اليوم. ونظن أن النقطة المحورية التي بدأت هذا الزلزال السياسي والثقافي تتركز في عام 1975، عندما، ومن دون «سابق انذار» (ربما) وعلى فُجاءَة صاعقة، انفرط ببطء أحياناً وبوتيرة متصاعدة أحياناً معظم الارث التاريخي – الثقافي الذي صنع لبنان وصَنَعه: النخب الحزبية يسارية ويمينية كأنما تساوت في انهياراتها العقائدية والأيديولوجية والقومية، تماماً كما ينهار قصر من ورق. وماذا وجدنا في تلك اللحظة القاطعة: كأن الحجرَ الفلسفي حوّل كل ما هو علماني ولبناني ووطني ومدني وتقدمي وتغييري ويميني ويساري كوماّ مذهبية. ورأينا نحن من الذين شهدوا كل الحروب التي تلت بفصولها وجنونها لظواهرها العنيفة، المجنونة ونزعاتها التقسيمية والعنصرية كيف تدحرج لبنان بوحدته وتراثه النهضوي وديموقراطيته ومناراته الفكرية والطليعية. عود على بدء 1860. فالأحزاب اليمينية تفتحت في خلاياها مذهبية انعزالية عنيفة و«قومية» لفظية مفصلة على مقاسات مذهبية. هذه النخب اليمينية تماهت بخطاب الحرب المتداول، ليس دفاعاً عن قيم بل عن مصالحها ونفوذها المتوارثة داخل النظام. «جناحا» لبنان تحطما على صخور «العنفوان» وهذا ما فعله اليمين الاسلامي الآخر الذي انضم، بقضه وقضيضه إلى شعارات المقاومة الفلسطينية بمعناها التحريضي ليغير المعادلات التاريخية؟ طبعاً، وكما عند الآخرين بتعميق النعرات المذهبية – المسيحية – الاسلامية.
النخب الحزبية اليسارية
أما نخب الأحزاب اليسارية (جديدها وقديمها) والشيوعية، فقد انخرطت «بعلمانيتها» في أتون الحرب الطائفية؛ تحت شعار المقاومة الفلسطينية، ومحاربة «العدو» يعني انها لم تحاول تذويب اللغة المذهبية أو المحافظة في حركتها، بل هي ذابت فيه. كأنها صارت «نخباً طائفية» بأقنعة يسارية وظناً منها (وعبر استراتيجية قصيرة النظر) انها يمكن ان تركب فريقاً مذهبياً ومقاومة فلسطينية لتغيير النظام اللبناني: فكيف يمكن بوسائل «دينية» أو مذهبية اقامة نظام علماني؟ وكيف يمكن عبر العنف «الثوري» المادي بناء نظام ديموقراطي؟ وكيف يمكن السعي إلى توحيد لبنان المقسم آنئذ من خلال رسم خطوط تماس وكانتونات: في المنطقة الغربية، وطنية، وفي الشرقية انعزالية!
ومتى كان التقسيم اداة توحيد والعنف أداة سلم، وخيانة الأفكار وسيلة تنوير سياسي؟ والظاهرة الفاحشة على هامش هذه النخب الحزبية، انطلاق مواسم هجرة بعض المثقفين المدنيين والعلمانيين من تربويين وعسكريين ونقابيين ومسرحيين… وسينمائيين إلى أحضان طوائفهم. خانت هذه النخب الهامشية وغير الهامشية أنفسها: ذابت كل أفكارها وتحاليلها ومعتقداتها وأيديولوجيتها واقتناعاتها كالشمع. وبدلاً من أن يكونوا آخر خطوط الدفاع عن مواقعهم لمواجهة الطوفان المذهبي ها هم يغرقون في مستنقعاتهم الآسنة: المثقف المسيحي اليساري (والمتطرف أحياناً) صار مثقفاً اما «مسيحياً» أو مسلماً. صار مثقفاً قطيعياً بعدما كان من نخبة طليعية.
وهنا اختلطت النخب بالعامة، واختلط الشعبي بالشعبوي والتاريخي باللحظة الراهنة والوطني بالغيبي والعروبي بالاستبدادي. وعلى هذا الأساس استنجدت النخب اليسارية بالأنظمة الطغيانية لتمدها بالمساعدات المالية لتعزيز قدرتها على «الصمود» في وجه الانعزالية. اما النخب الحزبية اليمينية فلجأت إلى طاغية مشهود هو حافظ الأسد الذي، وبخطابه الشهير، نصّب نفسه حامياً للمسيحيين من طغيان المقاومة الفلسطينية والمسلمين، ليكون ذلك بطاقة دخول جيشه إلى لبنان. صار الكل في قبضة الدكتاتوريين العرب، وصولاً إلى اسرائيل، وبعدما استنفد الاتفاق بين الأسد والميليشيات اليمينية، ليراهنوا على «جيش الانقاذ» الصهيوني، لا سيما عندما غزا لبنان، وظن هؤلاء «انهم انتصروا» في معركتهم «اللبنانية» بواسطة العدو.
اذاً استجلب جميع هؤلاء الطامعين للسيطرة على لبنان (كل طائفة لها مربط حميرها وخيلها عند هذه الدولة أو تلك) فغيب لبنان كلياً: بات المتصارعون الخارجيون وحدهم في الساحة اللبنانية: سلخت اسرائيل الجنوب والبقاع والبقية تقاسمتها النخب الكانتونية إلى درجة غابت فيها تسمية لبنان نفسه؛ وعلى غرار وسائل الاعلام الغربية ومنها هيئة الإذاعة البريطانية بي.بي.سي وصوت أميركا وإذاعة اسرائيل ارتجلت كل فئة صفة «شعب» لها: فبات عندنا «الشعب الماروني» و»الشعب الدرزي» و»الشعب السني» أي بات لبنان الصغير مجموعة شعوب «وافدة» تتصارع بينها كالقبائل: انه التقسيم الشعبي في ذروته. وهنا اتحفنا بعض اليساريين بنظرية عنصرية (صهيونية) سماها «الطبقة الطائفة» ليعني بذلك تفصيل الطوائف على مقام الطبقات.
واذكر هنا ان ماو تسي تونغ في ثورته الثقافية سمى «اعداء الصين» «الطبقة» وربما اقتبس هؤلاء اليساريون هذه منه. هذا التقسيم «الأيديولوجي» لم يكن جديداً. فالنخب الثقافية حاولت (بذلك) أدلجة الطائفية وعقلنتها، وتبريرها أي استخدام أدوات ماركسية مادية، تاريخية، لتطبيقها على وقائع مذهبية لشرعنتها يسارياً. أي انهم استخدموا محمولهم الأيديولوجي – الطبقي – العلماني وسيلة لتعزيز هذه الاتجاهات الطائفية.
الخضوع
ونظن ان في مجمل هذه المراحل اعلنت “النخب” المختلفة خضوعها للطغاة من جهة، ولأهل الوصاية، والاحتلال وخصوصاً لما بذره هؤلاء الطغاة من مذهبية. من جمهورية لبنانية إذاً، إلى “جماهيريات غير لبنانية”. وقد عززت اشكال التهجير والمذابح والتنكيل هذه النزعات، التهجير على الهوية، والقتل على الهوية، والسرقة والنهب على الهوية، وتدمير المدن على الهوية… كل ذلك بمشاركة هذه النخب فكأن البلاد صارت ذات “ايديولوجية” واحدة هي ايديولوجية المحو والالغاء والخضوع والهوية القاتلة.
وما يحدث منذ عام 2000 بعد تشريف “حزب الله” إلى المعركة السياسية، لا يختلف كثيراً عما جرى في السابق: الاختلاف البسيط ان الطائفة الشيعية التي لم تتكتل على امتدادها في “لعبة الطائفية” المنظمة والمتوارثة دخلت على الخط مع “حزب الله” تحت شعار «المحرومين» و»المظلومين».. وكما كانت النخب السابقة «جاليات خارجية في لبنان، هكذا بدأ الحزب انه من رُسُل إيران إلى لبنان، ومن انجازاته الأولى اثارة النعرات المذهبية بين الشيعة والسنة واسترجاع زمن السقيفة ومقتل الحسين.
ولكن اذا كانت النخب السابقة اكتفت «بكانتونات» قروية محدودة لاستقلاليتها ودويلاتها فإن هذا الحزب «التحريري» رفع سقوف «جهاده»: لبنان كله أو لا شيء! كل لبنان. صحيح انه في زمن الحروب السابقة كان وراء كل كانتون دولة خارجية، لكن الصحيح أيضاً ان «حزب الله« أراد أن يجعل من لبنان كله كانتوناً واحداً مرتبطاً بإيران.
وهنا كان على هذا الحزب ان «يجاهد» على عدة خطوط: ضرب الدولة اللبنانية وكنتنة وجوده في الضاحية والجنوب والبقاع والقيام بانقلاب شامل بأسلحته الإيرانية؛ كما انه وانسجاماً مع نهجه المتعدد كان عليه ان يطلق معركته ويوّسعها بمحورين: معاداة العرب والعروبة ومحاربة السنة. وعلى هذا الأساس بات اداة عسكرية في يد خامنئي للتوغل في بلاد العرب ونشر الفتن والخراب وتحطيم البنى السياسية: من سوريا إلى العراق، إلى اليمن، فالبحرين (وطبعاً لبنان).
انها لحظة الامبراطورية الفارسية المستعادة. وها هي النخب تنخرط في صفوفه: منها من كانوا مع المقاومة الفلسطينية والنظامين العراقي والليبي، فنقلوا البندقية من كتف إلى كتف، ومنهم من كان ضد اسرائيل فصار ضد العرب. وها هم على وسائل الاعلام، مرتزقة وعملاء، بالمال «الشرعي» و»الفارسي» يشاركون في مخططات «حزب الله« التخريبية وبين هؤلاء شيوعيون سابقون وقوميون عرب سابقون، دُعاة «رمي اسرائيل في البحر» وتدمير «النظام السوري الصهيوني» (كما كنا نقرأ في اليافطات التي علقت في شارع الحمراء. غيروا الأقنعة لكنها هذه المرة كانت حديدية ودموية ادركت بعمائمها وخضوعها ما لم تدركه النخب السابقة: التنكر للبنان، تسفيه العروبة، تدمير الدولة، تعطيل المؤسسات والدفاع عن تدخل حزب إيران في سوريا ومساندة بشار الأسد. ان ما قاله السيد محمد حسن الأمين «حقيقي» ومؤلم قاله، بلا مواربة، ولا مصانعة، بل بصراحة صافعة وشفافية جارحة: نعم! هؤلاء النخب باعوا أفكارهم ومواقعهم وضمائرهم وبلدهم!
فهل ما زالت تسميتهم “نخباً” دقيقة أو صحيحة؟
انهم نخب الخراب والعمالة والخيانــــــــــــة والانتهازيــــــــــــــة!
نعم! بات هؤلاء “رسل جهــــــنم” إلى لبنان وبلاد العرب.