
كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” – العدد 1487
هو من مناصري “القوات اللبنانية” ومنذ أُحكم الحصار على مقرّ الدكتور سمير جعجع في غدراس في العام 1994 بات من اشرس المقاتلين بسيف الحق والدفاع عن قائد وشباب المقاومة المسيحية المستهدفين. قبل أن يحزم كرامة الوطن ودم الشهداء بحقيبة وينطلق مُعتقلاً الى وزارة الدفاع سأله العبد جعجع “من سيكون مرجعنا بغيابك”؟ فأجابه فوراً “ستريدا”. أخذ هذا الجواب “دستوراً” له طيلة عشر على حد تعبيره، وبقي مع “الست” كما يسميها يتلقى تعليماتها وينفّذ كل ما تطلبه منه ستريدا حتى يعود الحق لأصحابه ويخرج الحكيم والرفاق من المعتقل سالمين. عن تلك الأعوام بحلوها ومرّها والنضال الى جانب غبطة البطريرك مار نصرلله صفير خصوصاً يروي العبد جعجع فصولاً من قصة بدأت في بشري وانتهت في الفاتيكان!!
يبدأ جعجع حديثه من الأيام التي سبقت الاعتقال: “للصدفة أن الدكتور سمير جعجع كان طلب منا قبل أن يعتقل بأسبوعين تقريباً أن نؤلف وفداً من أعيان بشري ونتوجه الى غبطة البطريرك مار نصرالله صفير، حملنا يومها رسالة اليه من الحكيم وحاولنا أن نزيل الشك الذي كانت سلطة الوصاية قد زرعته في رأسه أن “القوات” يمكن أن تفجّر كنيسة. لم تثمر الزيارة خيراً لأن قرار الاعتقال كان قد اتخذ. من تلك الزيارة بقيت وصية الدكتور جعجع ان يبقى البطريرك مرجعنا فبيده وحده كانت عوامل التأثير وكلمته مسموعة الى حد ما. اعتبرت حينذاك ان الحكيم قد وزّع “الوزنات” وأنا من الذين كلفت بوزنة النضال الى جانب البطريرك والست ستريدا وأن أبقى يدها اليمنى. حتى انني طلبت من البطريرك أن يزور الحكيم في زنزانته في وزارة الدفاع، إلا أنه وبحكمته المعهودة حيّدها عنه وأرسل المطران فرنسيس البيسري، الذي بقي يزوره شهرياً طيلة مدة الاعتقال. هذه الزيارات كانت ضرورية كي يتأكد البطريرك أن المسؤولين يكذبون عليه في ما خصّ سوء المعاملة والظروف المأساوية التي كانت تحيط بسجنه”.
كان همّه ألا يطوي النسيان اسم سمير جعجع والمقاومة السجينة. يتذكر ويكمل الرواية: “في تلك الأيام لم يكن أحد يجرؤ على ذكر اسم الحكيم وحتى أنا ما عاد حدا استرجا يجي لعندي ع البيت لأنني موضع شبهات ولو لم أكن رئيس رابطة آل جعجع وما لذلك من تمثيل لكانوا قمعوني بشدة أكبر، مع العلم أن هذا الأمر لم يثنهم عن استدعائي للتحقيق عشرات المرات. وحتى عندما اشتّد الخناق على ستريدا واستدعوها للتحقيق بتهمة ملفقة قلت يومها للبطريرك وعلى سبيل النكتة” سيّدنا ما بقا بدّا إجا دورك تنحبس. أو بتوقف ملاحقة ستريدا أو بتنحبس إنت! وإذا انحبست بتاخد شهرة سيدنا يسوع المسيح اليوم بهالشرق اللي عم يضطهدوا فيه المسيحيين. عمول معروف ضروب عصا مار مارون بالأرض وهلأ وقف هالمهزلة”. عرفت ستريدا بالحديث وكانت مدهوشة كيف بحكي مع سيدنا هيك! كانت زياراتي أسبوعية للبطريرك ومن دون موعد اتقصى من خلالها أخبار الحكيم، ووضع مشاكل الشباب والاعتقالات بين يديه وكان دائماً يلبي طلباتنا ويتصل بالرئيس إميل لحود مطالباً بالإفراج عنهم. في إحدى المرات وصلتني مذكرة صادرة عن المخابرات السورية تقضي باعتقالي على حاجز يسوع الملك، يومها أطلعني عليها ضابط المخابرات في المنطقة خلال جلسة فنجان قهوة دعاني إليها في منتزه قريب من بيتي في بشري. جوابي كان قاسياً وقلت له: “مش حرام هيدا الجيش اللي منقدسو ومنضربلو تحية ما بيقدر ينزل جيب على الزفت بلا ما ياخد موافقة السوريين. عيب تاخدوا اوامر من الاستخبارات السورية”!! فكانت اجابته: “نحنا منسمع عنك انك آدمي وخواجه عم حذرك لأنو ما بدي ياك تتبهدل وتنلقط ع الحاجز بيسوع الملك” رديت عليه ساعتها “عظيم قديش الساعة معك؟ انا هلأ نازل ع يسوع الملك ولقطوني تحت” بس أنا ضليت نازل عند سيدنا البطرك ع بكركي وخبرتو بالمذكرة، ساعتها اتصل بالمراجع المعنية وبالفعل مرقت ع بيت الحكيم بيسوع الملك وما حدا قرّب عليي”.

تولى الأستاذ العبد جعجع المهمة الأخطر في تلك الحقبة والتي كانت تهزّ الجمهورية كما قالت ستريدا يوماً “اكليل زهر في دفن باسم الدكتور سمير جعجع وزوجتو كان يهزّ الجمهورية اللبنانية”، وبقي جعجع يهتم بهذه “الواجبات” أحياناً كثيرة وقبل ان تتصل به ستريدا وتطلب منه ذلك منذ العام 1994 وحتى العام 2001. يتذكر: “عندما بدأ الخناق السوري والمخابراتي يتضاءل بعد بيان المطارنة الموارنة وقيام التيار السيادي وتجمع قرنة شهوان…. كنا كلما أرسلنا إكليلاً الى دفن في منطقة بشري باسم “القوات” والحكيم يستدعى كل من يشكّون بأمرهم، أما أنا فلم ينجحوا مرة في كشف أمري وغلبتهم عن طريق إرسال الأكليل كل مرة مع شخص لا يمكن أن تحوم حوله الشبهات من مسنين أو أولاد… وكان إصرارنا على هذا الواجب الإجتماعي كنوع من أنواع النضال ليبقى إسم سمير جعجع حياً ومتداولاً بين الناس حتى الذين يسعون لالغائه. وهكذا هزّينا الجمهورية مئات المرّات بـ “أكليل” ما يدل على سخافة سلطة الوصاية يومها”.
يتابع: “قبل النطق بالحكم على الدكتور جعجع في قضية تفجير الكنيسة لم نبارح بكركي ولم نرتح إلا بعد أن حصلنا من غبطة البطريرك على التصريح الشهير “إذا حُكم سمير جعجع في قضية الكنيسة سقط القضاء ومن ثم سقط الوطن..”، وأحدث ذاك التصريح زلزالاً يومها، أطال الله بعمره هو الذي كان يسألني كلما طلبت منه أن يتخذ موقفاً من الظلم الذي نحن فيه “شو بدي قول؟ ” فقال ما لم يتجرأ أحد في الجمهورية اللبنانية على قوله. يومها أحد النواب السابقين في المنطقة رد “البطريرك مش لازم يتدخل بعمل القضاء” فطلبت منا ستريدا أن نزوره ونعرف منه ماذا يفعل، فزرناه واستقبلنا بحفاوة، وكان العقيد “فارس”الضابط السوري المسؤول رئيس جمهورية المنطقة موجوداً فعرفوه عليي أني بخص “الست”، وقف وسلّم علي وقال لي “ما تخاف يا أستاذ بالنهاية في قانون” فأجبته “أتقصد القانون الذي يعزف عليه؟ لأن القانون بمعنى العدالة لا وجود له لا في لبنان ولا في سوريا ولا في هذا الشرق” فرد مؤكداً “ما تخاف في قانون وما رح ينحكم الحكيم بالكنيسة”. عرفت من العقيد فارس نتيجة الحكم قبل أن يصدر فيما الكل كانوا خائفين حتى ستريدا كانت الدمعة في عينها عندما قصدت البيت في يسوع الملك وأخبرتها بحديثه، كثر لم يصدقوا ما قال وحتى ستريدا ربما لم تصدق حينها”.
العبد جعجع ومجموعة الأعيان من بشري التي كانت تتولى الزيارات المكوكية الى بكركي والمرجعيات السياسية والرسمية قرّرت أن تنظّم عريضة او وثيقة تحمل أكبر عدد من التواقيع من أهالي المنطقة لإرسالها الى قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، قديسنا اليوم. يروي الأستاذ جعجع قصة الوثيقة التي بدأت فكرة مجنونة وصارت حقيقة: “أخذنا موافقة ستريدا وبدأنا، كتبت نصّ الوثيقة باللغة العربية وترجمناها الى الفرنسية وحملناها تقريبا أكثر من 35 الى 40 ألف توقيع، وسلمناها لغبطة البطريرك الذي أرسلها بدوره الى قداسة البابا مع المطران غي نجيم. يومها وبطريقتي الفجّة قليلًا عندما يكون الموضوع موضوع حق قلت لغبطته “ما ترجع سيدنا الا وبأيدك اثبات” أخذ الحديث بالمزح وقال لي ما رح نرجع إلا ومعنا إثبات!! وبالفعل هكذا حصل. ونحن كنا قد وضعنا الوثيقة في عود من خشب الأرز بعد أن فرغّناه. ولدينا صورة للمطران غي نجيم يقدمها لقداسة البابا وصورة أخرى لغبطة البطريرك صفير وهو يقرأ نص الوثيقة للبابا ومما جاء فيها: “نحن أبناء بشري وقنوبين ومناطقها نطلقها صرخة شكر مدوية من أعماق نفوسنا للالتفاتة التي خصنا بها قداسة الحبر الأعظم خصوصًا بعد أن أشرق نور السينودس وأحيا الأمل في النفوس التي تتخبط في بحور اليأس، أجل فقد عمل السينودس على وضع الأسس لإنقاذ الصيغة اللبنانية بعدما كادت تذوب وسط الاستهتار والممارسة العوجاء التي غبن فيها المسيحيون وهم عماد الوطن اللبناني الأساسي. كل القيم في لبنان اليوم تستغيث بأهل السينودس… الذي كان بمثابة البلسم الذي وضعته يد الأب الأقدس وغبطة البطريرك والكرادلة والآباء الأجلاء على جراح القضية اللبنانية والوحيد الذي يدملها لتبرأ وتستقيم. لذلك فاننا نؤكد ونلتزم توصيات السينودس ونعتبرها مقررات نؤيدها بكل جوارحنا … أملنا كبير اليوم بكم يا صاحب القداسة لتنتشل العدالة من كبوتها وتسير بنا الى الشاطئ الأمين. الحرية عندنا تستغيث بصوت من أنين والعدالة أصبحت في طور النزاع فأنقذوها وذلك ليبقى في لبنان حق وليبقى فيه مواطنون لبنانيون. إن بشري مدينة المقدمين هي اليوم تعاني أكبر نكبة عرفها التاريخ لأنها تعاني وجود ولدها الدكتور سمير جعجع في دهاليز السجون غير المخصصة للبشر ظلما صارخا وعدوانا متمادياً في حق أكبر شريحة مسيحية وهي تعلق الأمل على قداستكم”. من وقعّ الوثيقة كان جريئاً جداً. ففي ظل الاحتلال السوري كانت الخطوة جبارة. كنا نحو 6 أشخاص نتولى مهمة جمع التواقيع، لكن من عانى أكثر هو تيدي عواد في حصرون وفيروز بولس جعجع الذي صار مختار بشري اليوم. لا يمكنني الا أن أشكر هذين الإسمين لأن جمع التواقيع ترافق مع معاناة كبيرة. كان من حق الناس أن يخافوا لكن نحن صلّبنا أيدينا على وجهنا ومشينا. اجهزة المخابرات ما كان فيها تلاحق كل الشعب اللي وقّع فاستدعوني وحققوا معي على أساس أني بهالعريضة عم أجمع معلومات لاسرائيل!! فقلت للضابط “أي إسرائيل أنا عم أعمل وثيقة لقداسة البابا يا حبيبي”!!.

أيضاً يقول جعجع أنه إستغل عضويته في “لجنة جبران خليل جبران” العالمية وعمل على تنفيذ مسح إحصائي بالتعاون مع بلدية بشري واللجنة وباسم الدكتور سمير جعجع، ويشرح السبب: “لأنني أعرف أنه قبل أن يسجن كان يخطط لتوأمة بشري وتعزيز القضايا الإنمائية فيها والاجتماعية. ما عدت عرفت منين بدها تجي الضغوط عليي من أي جهاز مخابرات أو أمن دولة… حتى إنهم طلبوا من البطريرك أن يقنعني بوقف مشروع المسح. فعدت أنا وأقنعته بضرورة إكمال المشروع لأنه يعكس صورة حقيقية للوضع الاجتماعي لكل عائلة في البلدة وما تحتاج اليه فعلا من مساعدات تربوية او عينية او صحية…”.
العبد جعجع الذي كان يفلت دائماً من التحقيق لأن لا ممسك قانونياً عليه تلقى عقابه من حيث لم يخطر بباله عندما لُفِّق له ملف أفقده وظيفته في الدولة حيث كان أستاذاً في المدرسة الرسمية للصفوف التكميلية. وعندما وجد أن الخطر يطال وظيفته ولقمة عيش أولاده إستقال قبل أن يطرد من وظيفته وذلك قبل عشر سنوات من بلوغ سن التقاعد، ما أفقده أكثر من ثلث معاشه التقاعدي. فكان هذا هو الثمن للجرم الذي إقترفه في ذاك الزمن بأن يكون مؤيداً حتى الموت لـ”القوات” ومحباً لـ سمير جعجع، المعتقل مالئ الدنيا وشاغل الدولة والناس!!
*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]