
عند كل استحقاق رئاسي، يحتدم السجال، ويبدأ المرشحون الدخول في سباق للوصول الى بعبدا، ولكن خطوة الالف ميل يبدأ معها التعطيل.
صحيح أن اتفاق “الطائف” عدّل صلاحيات رئيس الجمهورية، الا ان بعضهم يريد تجريد الرئاسة الأولى من كل شيء، من خلال فرض شورط مسبقة يأتي خلالها الرئيس ليكون اسيراً مكبلاً بتفاهمات تجعله مجرّد زائر او ضيفاً يحل على القصر الجمهوري، ليستقبل ويودع فقط.
والاخطر من تلك الشروط والعراقيل، الاصوات التي علت مطالبة بمؤتمر تأسيسي لنسف “الطائف” ونسف ما تبقى من صلاحيات هزيلة بيد رئيس الجمهورية وتغيير هوية لبنان وجمهوريته.
وسط اجواء التعطيل، واوراق الاجندات التي يقرأ فيها البعض فارضاً علينا قيم وتوجهات لا تليق بوطن غني بطوائفه المتعددة، لا بد لنا ان نقرأ جميعاً في أجندة محلية ونعود الى “الدستور اللبناني”.
ربما اتفاق “الطائف” ليس هو الامثل، ولكن هذا الاتفاق اتى في مرحلة صعبة مرت على لبنان من حروب خارجية واهلية، رغم ذلك لم يطبّق، بل اتى تطبيقه بطريقة استنسابية اضعفت المسيحيين بشكل خاص وجردت الوطن من سيادته وحريته.
وفي نظرة واقعية على صلاحيات الرئيس، نرى ان ما قبل “الطائف” ليس كما بعده، اذا اضحى ملف الرئاسة سباق للوصول الى المركز الاول ولكن دون الفوز بأي جائزة.
ما هي الصلاحيات التي كان يتمتع بها رئيس الجمهورية قبل الطائف، وماذا تبقى منها بعد تعديلها؟
ـ المادة 17 قبل الطائف: كانت السلطة الاجرائية تناط برئيس الجمهورية، وهو
يتولاها بمعاونة الوزراء، وفقا لاحكام الدستور”.
وفي الطائف، عدلت هذه المادة واصبحت السلطة الاجرائية منوطة بمجلس الوزراء لا برئيس الجمهورية.
ـ المادة 18 قبل الطائف: كان لرئيس الجمهورية ومجلس النواب حق اقتراح القوانين.
وفي الطائف، سحب هذا الحق من رئيس الجمهورية، وأصبح لمجلس النواب ومجلس الوزراء حق اقتراح القوانين.
ـ المادة 33 قبل الطائف: كان لرئيس الجمهورية ان يدعو مجلس النواب الى عقود استثنائية، وفي الطائف تمت التعديلات واصبحت بالاتفاق مع رئيس الحكومة.
ـ المادة 49 قبل الطائف: وفي الفقرة المتعلقة بانتخاب رئيس الجمهورية تفيد ان ولاية الرئيس مدتها ست سنوات، ولا تجوز اعادة انتخابه الا بعد ست سنوات من انتهاء ولايته، ولا يجوز انتخاب احد لرئاسة الجمهورية ما لم يكن حائزاً الشروط التي تؤهله للنيابة وغير المانعة لأهلية الترشيح.
وفي التعديلات، أضيفت الى هذه المادة ايضا فقرة تؤكد انه لا يجوز انتخاب القضاة وموظفي الفئة الاولى، وما يعادلها في جميع الادارات العامة والمؤسسات العامة وسائر الاشخاص المعنويين في القانون العام، مدة قيامهم بوظيفتهم وخلال السنتين اللتين تليان تاريخ استقالتهم وانقطاعهم فعليا عن وظيفتهم، او تاريخ احالتهم على التقاعد.
ـ المادة 52 قبل الطائف: كان رئيس الجمهورية يتولى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وابرامها، ويطلع المجلس عليها حينما تمكنه من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة. بعد الطائف بقي رئيس الجمهورية يتولى المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وابرامها، لكن بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ولا تصبح مبرمة الا بعد موافقة مجلس الوزراء، وتطلع الحكومة مجلس النواب عليها حينما تمكنها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة.
ـ المادة 53 قبل الطائف: بعدما كان رئيس الجمهورية يعين الوزراء ويسمي منهم رئيساً ويقيلهم ويولي الموظفين مناصب الدولة، اتى تعديل هذه المادة بعد الطائف، ليسحب منه هذه الصلاحية، ويسمح له بتسمية رئيس الحكومة المكلف، بالتشاور مع رئيس مجلس النواب، استنادا الى استشارات نيابية ملزمة، بعد اطلاعه رسمياّ على نتائجها.
كذلك عليه ان “يصدر، بالاتفاق مع رئيس مجلس الوزراء، مرسوم تشكيل الحكومة ومراسيم قبول استقالة الوزراء او اقالتهم، وبعد موافقة ثلثي اعضاء الحكومة بموجب المادة 69، كما يمكنه ان “يدعو مجلس الوزراء استثنائيا، كلما رأى ذلك ضروريا، بالاتفاق مع رئيس الحكومة.
وتركت له هذه المادة ان يصدر “منفردا” مرسوم تسمية رئيس مجلس الوزراء، والمراسيم بقبول استقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة، واحالة مشاريع القوانين التي ترفع اليه من مجلس الوزراء على مجلس النواب، واعتماد السفراء وقبول اعتمادهم، وترؤس الحفلات الرسمية، ومنح الاوسمة والعفو الخاص بمرسوم، وتوجيه رسائل الى مجلس النواب عندما تقتضي الضرورة، وعرض اي امر من الامور الطارئة على مجلس الوزراء من خارج جدول الاعمال.
ـ المادة 54 قبل الطائف: كان يجب ان يشترك مع رئيس الجمهورية في التوقيع على مقرراته، الوزير او الوزراء المختصون، ما خلا تولية الوزراء واقالتهم قانونا. وبعد الطائف عدلت هذه المادة لتوجب ان يشترك مع رئيس الجمهورية في التوقيع على مقرراته رئيس الحكومة والوزير والوزراء المختصون، ما خلا مرسوم تسمية رئيس الحكومة، ومرسوم قبول استقالة الحكومة او اعتبارها مستقيلة، كما اضافت عليها وجوب اشتراك رئيس الحكومة في التوقيع على مرسوم اصدار القوانين
بموجب المادة 55 من الدستور كان يحق لرئيس الجمهورية ان يتخذ قرارا، معللا بموافقة مجلس الوزراء، بحل مجلس النواب قبل انتهاء عهد النيابة.
وجاءت تعديلات الطائف لتربطها بالحالات المنصوص عليها في المادتين 65 و77 من الدستور، ويعود لرئيس الجمهورية عندها الطلب الى مجلس الوزراء، حل مجلس النواب قبل انتهاء عهد النيابة، فاذا قرر مجلس الوزراء بناء على ذلك حل المجلس، يصدر رئيس الجمهورية مرسوم الحل. وهذا يعني ان رئيس الجمهورية يبقى رهن موافقة مجلس الوزراء على طلب حل مجلس النواب.
ـ المادة 56 بعد الطائف: اعطت بعد التعديلات المتعلقة بنشر القوانين لرئيس الجمهورية، حق الطلب الى مجلس الوزراء اعادة النظر في اي قرار من القرارات التي يتخذها المجلس، خلال 15 يوماً من تاريخ ايداعه رئاسة الجمهورية.
واذا اصر مجلس الوزراء على القرار المتخذ، او انقضت المهلة دون اصدار المرسوم او اعادته، يعتبر القرار او المرسوم نافذاً.
ـ المادة 57 بعد الطائف: نصت على حق رئيس الجمهورية طلب اعادة النظر في القانون مرة واحدة ضمن المهلة المحددة لاصداره، واضافت شراطاً وهو بعد اطلاع مجلس الوزراء عليه وفي حال انقضاء المهلة دون اصدار القانون او اعادته يعتبر نافذا حكما ووجب نشره.
ـ المادة 58 بعد الطائف: اضافت التعديلات عليها وجوب ادراج كل مشروع قانون تقرر الحكومة كونه مستعجلا في جدول اعمال جلسة عامة لمجلس النواب، وتلاوته فيها، ومضي اربعين يوما دون ان يبت به، وعندها، يمكن لرئيس الجمهورية ان يصدر مرسوماً قاضيا بتنفيذه بعد موافقة مجلس الوزراء.
ـ المادة 86 بعد الطائف: حولت التعديلات صلاحية دعوة مجلس النواب الى عقد استثنائي للبت نهائيا في شأن مشروع الموازنة، من رئيس الجمهورية منفردا باتجاه اتفاقه مع رئيس الحكومة على توجيه هذه الدعوة، بموجب النص الجديد للمادة.
وفقاً لهذه التعديلات، وما تبقى من صلاحيات لرئيس الجمهورية المسيحي الوحيد في هذا الشرق، لا بد الاتيان برئيس يحظى بدعم اقوى الفرقاء والاحزاب المسيحية التي لها ثقلها في الساحة المسيحية، وبذلك نكون قد ملأنا بعضَ من الفراغ في الصلاحيات الذي خلّفه “الطائف”.
كما على الرئيس العتيد ان يحظى بـ”غلّة” وازنة داخل مجلس النواب كما الحكومة، لتحمي ما تبقى له من صلاحيات وتكون بمثابة بدل عن ما سُلب منه في “الطائف”، لا ان يأتي عبر “سلّة بلا غلّة” تضعفه.
من الضرورة ان يأتي الاقوى على الساحة المسيحية ليعيد التوازن المفقود مقارنة برئاستي الحكومة ومجلس النواب على غرار ان من تسميه الاكثرية الشيعية فهو رئيس لمجلس النواب اليوم، كما هو الحال مع رئيس الحكومة الذي تمت تسميته من بيت الوسط.
