
لألف حجة وحجة فشلت الدولة اللبنانية منذ إستقلالها بترسيم الحدود الجغرافية مع محيطها، ولكن الاخطر أنها فشلت أيضاً بترسيم الحدود بين ولاء مواطنيها للبنان ومناصرتهم لقضايا الغير مهما سمت، فدفعت جراء ذلك ضريبة الدم والحرب والخراب على مدى عقود.
من الفورة الناصرية والتظاهرات التي كانت “تموج” ببيروت فتتخبط بازمات المنطقة وبحلفي بغداد والقاهرة الى القضية الفلسطينية و”طريق القدس التي تمر بجونية الى يومنا هذا ووهج اليمن الذي ظلّل إحياء “حزب الله” المراسم العاشورائية لهذا العام، الخطيئة بحق الوطن تتكرر.
فبيروتنا واحة تفاعل حضاري ومساحة للحريات وحق التعبير السلمي… بيروتهم صندوق بريد لرسائل إقليمية ومعسكرات تدريب لمقاتلين ومنطقة “ترانزيت” لأخرين.
بيروتنا “هايد بارك” Hyde Park حيث من حقنا طرح الافكار التي نريد ومناصرة القضايا التي نشاء ولكن تحت سقف القانون والولاء للوطن، وبيروتهم “سوق عكاظ” للتحريض وكيل الشتائم بحق الاخرين وهدر لدم فلان وعلتان على حساب علاقات ومصالح لبنان.
بيروتنا هذا الصباح لا تشبهنا، مدينة مستباحة، مخطوفة، مستعبدة، خلتها صنعاء. هدير طائفي: مبايعة لليمن وشتيمة للسعودية!!! بعيداً عن المناسبة الدينية التي أحترم، وبغض النظر عن من هو المبايع ومن هو المشتوم، مستفز هذا المنطق السياسي الذي يستبيح سيادة ومصالح الوطن ويستجلب له الخراب ويخلق له العداوات… مستفز حين يفّصل حقوق الانسان وكرامته على مقاسه، فيكيل بمكيالين، أطفال اليمن ينتهكون أما أطفال سوريا فببراميل الموت يتوّجون!!! شعب اليمن يضطهد أما شعب سوريا فيعيش بنعيم وشعب العراق معزز مكرّم!!!
مأساة الانسان مع الحروب واحدة، والتضامن يجب أن يكون مع الانسان أي إنسان تنتهك كرامته وتسفك حياته. ولكن متى تخطى هذا التضامن الموقف الانساني وتحوّل فعلاً تحريضياً يفقد حصانة “حرية الرأي”، ويصبح إستفراداً بالرأي على حساب حقوق المواطنية ومصالح الوطن.
سمعناك يا سيد، مرّة جديدة، تصادر سياسة لبنان الخارجية، وتهدد مصير آلاف اللبنانيين المقيمين في الخليج ولقمة عيشهم، تخوض مغامرات عبارة لمصالح الوطن من سوريا الى اليمن وتعلن تضامنك مع شعب هذا الاخير. ولكن ثمة شعب، هو في الاساس شعبك، شعب لبنان الذي شكل الحاضنة لأهلك واجدادك يوم كانوا مهمشين وحده سيكون الغد المشرق لأبنائك، هذا الشعب أنهكته مغامراتك العسكرية ورهاناتك السياسية وإرتباطاتك الاقليمية. فمتى ترتدعون وتتضامنون مع شعب لبنان؟!
