لقد أتى كلام الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله الأخير ليُثبتَ المُثبَتَ. فالوضع باقٍ كما هو عليه ولا تغيير في المدى المنظور بحسب بوصلة السيّد. أعلنها كالعادة. إنّه في اليمن والبحرين والعراق وسوريا يحارب حفاظًا على الوجود. ولكن، عن أيّ وجودٍ يتحدّث؟ وهل بات لبنان خارج أجنداته السياسيّة – الوجوديّة؟ وما هي طبيعة التحوّلات التي يؤيّدها للوصول إلى انتخاب رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة؟
على ما يبدو لا دستور عنده ليعترف به، وكلّما سنحت له الفرصة لضربه لا يتوانى في ذلك. وما دعوته إلى عقد تفاهمات إلا إمعاناً منه في ضرب الجمهوريّة ومؤسّساتها. وليس من الضّروريّ التّذكير بأنّ التفاهمات التي كانت تأتي برئيس في زمن الوصاية، لن تحلّ محلّ الدّستور الذي يضمن وحده كلّ حقوق اللبنانيّين. ولا يمنّنّ علينا أحدٌ بالحفاظ على حقوقنا بتفاهم من هنا أو بتسوية من هناك. فدستورنا هو ضمانتنا الوحيدة، ومن لا يحترم الدستور، هو وحده الذي يضرب حقوق اللبنانيّين. كفى تسويفاً وضحكاً على اللبنانيّين الذين قالوا كلمتهم ضدّ كلّ ما هو غير شرعي وغير دستوري عند كلّ استحقاق.
وما تصريحه بدفاعه عن وجوده خارج الحدود اللبنانيّة، إلا دليلاً واضحاً منه على أنّ لبنان بنظره قد انتهى أو أقله ليس في الحسبان، أو أنّه أنهاه وأذابه في الهلال الأكبر الذي يطمح إليه، من طهران إلى صنعاء فبغداد ودمشق حتّى بيروت.
لا يا سيد، لا يا سادة، إن أنتم أسقتطم لبنان من حساباتكم، فهذا لا يعني بأنّ باقي المكوّنات اللبنانيّة قد تخلّت عن لبنان الكيان. لا وألف لا. لبناننا باقٍ لأنّه أزليّ سرمديّ. نستمدّ حقيقة وجودنا فيه من التّاريخ وليس من الأشخاص، لأنّنا لم ننتهِ يوماً مع انتهاء الذين غابوا. فنحن باقون في هذا الشّرق لأنّنا نوره وناره، ومن دوننا لا لبنان يدوم ولا شرق يكون.
وعلى ما يبدو أيضاً، إنّ الشروط التي يضعها “حزب الله” ليحرّر لبناننا من براثن أسياده الفرس هي مستحيلة ولن نقبل بها مهما كلّف ذلك من أثمان. ولا يعتقدنَّ أحدٌ أنّ جُعَبَنَا باتت قفراً تتقاذفها رياح الذلّ والذّمّيّة في سبيل بقائنا هنا. لا يا سادة وألف لا. إنّ جُعَبَنَا مليئة بذخائر قدّيسين وبخور أرزٍ فوّاح لا حواجز تقطع طريق عبقهُ المقدّس. منها نستمدّ قوّة بقائنا وصمودنا في لبنان وهذا الشّرق. ولن نتحوّل اليوم ونصبح كما رفضنا أن نصبح طوال الـ 1400 عام. فالجمهوريّة باقية والرّئاسة آتية لا محالة. وما دعوة “حزب الله” إلى العودة إلى الحكومة إلا صوريّة، لأنّ العمل الجدّي لفتح باب مجلس النّواّب يكون بانتخاب رئيس الجمهوريّة. ولا يمنّنّ علينا نصرالله بالأمن المستتب وبالحفاظ على ثباته، فجيشنا وقوانا الأمنيّة بالمرصاد لأيّ اختلال بالأمن بالفعل وليس بالقول.
أمّا في صراعه السّرمدي مع العدوّ الإسرائيلي، فلم نسمع هدير الطّائرات فوق الضّاحية إبّان الإحتفالات العاشورائيّة وخطاباته، وهذا أمر جيد، لكن ألا تدعو هذه المسألة إلى طرح تساؤلات تمتدّ من سماء الجولان حتّى سماء موسكو؟
على ما يبدو، هنالك وجود دوليّ في المنطقة يؤمّن ديمومة وجود الحزب على خطّ الصراع الدّائر. يبقى السؤال … لماذا؟