
زياد الرحباني “عملتك مش نضيفة”. لا يمكنك أن تتوقّف عن الجنون الفنّي الفكري الإبداعي وأن تسحب نفسَك من نفسك. بعد مشاهدة “فيلم أميركي طويل” يلحّ السؤال، وتلحّ المطالبة “زياد وينك؟ إرجع”. جنون زياد بدأ باكراً منذ كتابته عام 1967 “صديقي الله”، لتتوالى أعماله الجنونية. موسيقياً كان لحنه الأوّل أغنية “سألوني الناس” لفيروز، وأيَّ محطةٍ كانت تلك المسرحية وتلك الأغنية وتلك الذكرى. مسرحيّاً ظهر جنونه عام 1971 في “سهرية”، لتزيد نسبة “الخوات” مسرحية تلوَ الأخرى. في “فيلم أميركي طويل”، كتبَ بجنون، كتبَ لمجانين، ومثّلَ دور المجنون في “عصفورية”. بقيَ الناس “مجنونين” بهذه المسرحية لغاية اليوم، و”رِجعت” المسرحية بفيلم.
مسرحية “فيلم أميركي طويل”، كتابة وإخراج زياد الرحباني “رجعت” بعد 36 عاماً بفيلم سينمائي، قُدِّم عرضه الأول مساء الاثنين في “سينما سيتي” في أسواق بيروت، في حضور عدد من الممثلين الذين شاركوا في المسرحية، وفي غياب زياد طبعاً. ويُعرض الفيلم ابتداءً من 20 تشرين الأول 2016 في معظم صالات السينما اللبنانية.
البلد “العصفورية”
أن تُقدَّم مسرحية بفيلم بعد 36 سنة، وكأنّ أفكارَها ومضمونَها تتناول الواقعَ القائم اليوم في لبنان، أمرٌ لا يدلّ فقط على رؤيوية زياد الرحباني وعبقريته، إنّما يدلّ وبالتأكيد على أنّ الاختلافات بين المجتمعات في لبنان ما زالت قائمة ولم تتغيّر، لأنّ أياً مِن المشكلات لم تُعالج ولأنّ الأفكار المسبَقة والهواجس وحتى فكرة “المؤامرة” يتمّ توارُثها من جيل إلى آخر “عالعمياني”.
المميّز في هذه المسرحية بالتحديد لزياد الرحباني، الطرح الصريح لمشكلة “الطائفية” في لبنان، ولكلّ وجهات نظر الأطراف المتقاتلة آنذاك خلال الحرب اللبنانية. وجهات النظر التي ما زالت تُطرَح لغاية اليوم.
عُرضت مسرحية “فيلم أميركي طويل” عام 1980 في بيروت بعد 5 سنوات على اندلاع الحرب اللبنانية “رسمياً”، وشاركَ فيها تمثيلاً: جوزيف صقر، زياد الرحباني، رفيق نجم، بطرس فرح، بيار جمجيان، إضافةً إلى عدد من الممثّلين.
تتناول المسرحية الحربَ الأهلية اللبنانية العبثية، وتعكس صورةَ الوضع القائم آنذاك وتداعيات الحرب على الذين عايَشوها. 9 أشخاص يعانون اضطرابات عصبية “مجموعين” في غرفة واحدة في مستشفى للأمراض العقلية في “الضاحية الجنوبية” لبيروت حيث يُسمع صوت الطيران المدني، والرصاص والقذائف والانفجارات.
7 من “المرضى” يعانون انفصام الشخصية، الصدمة النفسية، الطائفية المفرطة، رُهاب الميليشيات والفلتان الأمني… بالإضافة إلى شخصين يعالجان من الإدمان على المخدّرات. تفشل جميع طرق العلاج التقليدية، ومحاولة معالجة “المرضى” من خلال جلسة حوار ونقاش مع الممرّضين تؤدّي إلى “قتال طائفي” بين الممرّضين أنفسهم.
“عالم… مقسومين”
في ختام المسرحية، يظهر أنّ المرضى قد شُفوا بقدرة ساحر! بـ”جلسات كهربا؟” أحدهم يَرتعب من كلمة “محمود”، هو المسيحي الذي يجسّد خوف المسيحيين من “أنّهم متروكون” ولديه حُكم واحد على المسلمين كافة “محمودات كلن”. “رشيد” (زياد الرحباني) طائفتُه غير معروفة، إلّا أنّه يريد دائماً أن “يدَعوس الجميع”.
جوزيف صقر في دور المدمن على المخدّرات، يسأل “ما زال في نبتة بتقضي عالطائفية لَي منَعوها”؟
الذي يَبحث عن حقيقة “المؤامرة” كي “يفلشها” في مختلف المناطق ويفضحَها، تشوّش تفكيرَه الآراء الكثيرة ويصيبه عارض جنون كلّما لا يستطيع أحد أن يخبره حقيقتها (لربّما عنوان المسرحية يدلّ على شيء).
بطرس فرح يلعب دور شخص يتحكّم فيه الخوف من تعرّضِه لأيّ حادث أو انفجار، ولا يتنقل من مكان إلى آخر. الممثّل غازاروس ألطونيان يلعب دور الأرمني الذي يفتح “ستيريو” في “الشرقية” و”الغربية”، فتقوم الجهتين بتفجيره. مريض آخر يخاف ولا يقول إلّا “بأمركن اللي بتريدوا” جرّاء الأفعال التي كانت تُرتكب على الحواجز.
وآخر ينتمي إلى “الحركة الوطنية” وهو “الأستاذ” المحلّل الذي جُنّ لأنّه لم يعُد يصيب في تحليلاته وأصبح مثله مثل الجميع يقول “مش معروف شي من مشي”، فيسأل “أنا شو شغلتي؟ ما أنا شغلتي أعرف”، ما يدلّ على فوضوية ما كان يَحدث وتشابُكِ الأحداث والأطراف ببعضها البعض.
“فيلم أميركي طويل” ليس إلّا لبنان بمجتمعاته المتعددة “المقسومين…”، لبنان “اللحم بعجين” و”أبو جواهر”. لبنان الذي ما صار بلداً، ومِن حينها نَعاه الرحباني “قوم فوت نام وصير احلم إنّو بلدنا صارت بلد…”
ما يُظهره هذا الفيلم المسرحية، ولا يعرفه من سَمعها من دون مشاهدتها، أنّ لزياد الرحباني قدرات تمثيلية هائلة ومجنونة. كما أنّ جوزيف صقر الممثّل مميّز كما جوزيف صقر المغنّي. صوت جوزيف صقر يخفّف صوتَ الوجع والخوف من أن “تنعاد” تلك الحرب، إذ إنّ بذورَها ما زالت تُزرَع ورمادها ممكن أن يشتعل مع أيّ “نسمة”.
بصوته المتّشِح ببعض من الحزن وكأنه غياب، غنّى “راجعة بإذن الله”، “يا زمان الطائفية” و”قوم فوت نام”، أغنيات تعبّر عن الوضع “الستاتيكو” المستمر من العام 1975 (وما قبل) لغاية الـ 2016! (وما بعد).
القصة مع زياد… لم تنتهِ
تحوَّلت مسرحية “فيلم أميركي طويل” كما مسرحية “بالنسبة لبكرا، شو؟” إلى شريط سينمائي من إنتاج Mercury وبمبادرة من M m.media، بعد موافقة زياد الرحباني عام 2012 على ذلك شرط ألّا تؤثّر التكنولوجيا الحديثة في أصالة التسجيلات.
تشوب الفيلمين بعضُ الثغرات، فهذه المشاهد قامت شقيقة زياد الراحلة ليال الرحباني بتصويرها آنذاك مستخدمةً كاميرا Super 8 ، ولم يكن مقرّراً عرضُها أبداً. ولكن أن تُعرض المشاهد المقتَطعة من عروض عدة للمسرحيتين في فيلم أفضلُ من أن لا تبصر نور الشاشة، ويبصرها جمهور كبير.
طُرح فيلم مسرحية “بالنسبة لبكرا شو” في صالات السينما، في شهر كانون الثاني الفائت، وبقيَ 3 أشهر في الصالات، حيث حقّق 155 ألف مشاهدة، واحتلّ المرتبة الأولى في صالات السينما بين الأفلام المحلية المعروضة عام 2016.
وقال مدير البرامج في شركة “M.MEDIA”، محمد حمزة لـ”الجمهورية” إنّ “زياد تابَع العمل على الفيلمين، وهو موافق على نسختهما النهائية، وإلّا لَما تمّ عرضُهما”، معلناً أنّ “بالنسبة لبكرا شو” يُعرَض خلال جولة حول كندا وأميركا وأستراليا، وسيتوافر كلّ من الفيلمين على الموقع الإلكتروني لـ MM وبعدها على أقراص مدمجة DVD”.
ولفتَ إلى أنّ “الفرق بين الفيلمين أنّ وقت العمل على “فيلم أميركي طويل” كان أطول، كما أنّ صوت وصورة التصوير لهذه المسرحية أفضل”.
وكشف أنّ القصة مع زياد لم تنتهِ وأنّ “مِن الممكن أن يتعامل مجدداً مع الشركة إنْ لم يكن من خلال إعادة عمل قديم فلربّما بعمل جديد، وكلّ الاحتمالات واردة”.
زياد الرحباني “رجع وما رجع”، فعادت مسرحيتان من أعماله إلى شاشة السينما، لكنّه ما زال بعيداً من تقديم أيّ جديد، إنْ على صعيد الألحان أو المسرح أو حتى الحفلات. مؤسف أن يجد اليأس مكاناً له في نفس المجنون صاحب “إيه… في أمل”!