تكاد سوريا تصبح تفصيلاً في رقعة الأداء الروسي المتوتر، بل الواصل في توتره إلى حدود قريبة جداً من الهستيريا!
جملة المواقف التي خرجت من موسكو الخميس (فقط)، إزاء الشؤون والسياسات والعلاقات الخارجية والتي لم يسبق لها مثيل (يُذكر) امتدت من الإعلان عن تزويد الهند منظومة صواريخ “أس – 400” والاقتراب من إكمال تزويد إيران صواريخ “أس – 300” وصولاً إلى “ملاحقة” كل كلمة ينطق بها مسؤول أميركي أو أوروبي وآخرهم وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون، ثم التشديد مجدداً، على أن موسكو لن تترك أي استهداف لقواتها في سوريا من دون “ردّ! ثم متابعة الاستعراضات البحرية في حوض المتوسط بعد أيام على الإعلان عن التوجه إلى إقامة قاعدة بحرية دائمة في ميناء طرطوس السوري”..
إضافة إلى ذلك وفي سياقه، كان الإعلان عن مرور بارجة تجسس روسية قبالة الشواطئ الشمالية اللبنانية و”رسوّها” فوق كابل بحري خاص بالإنترنت وموصول بقبرص.. وبـ”الصدفة” تزامن ذلك أو أدى إلى عطل في ذلك الخط وإلى خفض كبير في سرعة الإنترنت في لبنان، على ما أعلنت وزارة الاتصالات في بيروت.
سهل الافتراض بأن الإنترنت اللبناني هو ضحية عرضية وغير مقصودة! لكن الأمر في كل حال، واحد من دلائل ومؤشرات مدى الاستنفار الروسي في هذه الأيام، والذي اشتمل أيضاً، على خطوتين غريبتين، الأولى طلب فلاديمير بوتين عودة عائلات الديبلوماسيين في الخارج إلى روسيا! والثانية الكشف عن تحريك بعض الأسلحة الاستراتيجية (النووية!) باتجاه أكثر قرباً من الحدود البولندية والألمانية!
وذلك في جملته لا يكفي وحده لتجميع مقوّمات الافتراض بإصابة زعيم الكرملين بنوبة هستيرية، من دون إضافة حلب إلى الصورة! حيث استأنف الطيران الحربي الروسي غاراته على شرق المدينة وبالوتيرة الشيشانية ذاتها، بعد أن كانت هذه قد تراجعت في الأيام القليلة الماضية!.. وأحدث محصّلة لذلك، بلغت يوم أمس أكثر من 150 شهيداً جلّهم من المدنيين!
اللافت، في أداء بوتين الإجمالي هذا هو أنه لا يأتي “رداً” (كان يمكن أن يكون طبيعياً) على خطوات غربية أو أطلسية ملموسة، بل “رداً” على بداية مقاربة أوروبية – أميركية مختلفة، إزاء النكبة السورية تحديداً! وتلك تمحورت ولاتزال تتمحور حول مقولة أن إدارة مستر أوباما عادت للبحث في “كل الخيارات” بما فيها توجيه ضربات عسكرية “محدودة” لمواقع بقايا قوات الرئيس السابق بشار الأسد!! ثم إبلاغ وزير الخارجية البريطاني جونسون لجنة برلمانية من مجلس العموم أمس تحديداً أنه من “الصواب الآن البحث عن الخيارات الأكثر تحريكاً للأمور.. أي الخيارات العسكرية”!
واضح أن البلطجي الروسي يناور بصخب! ويحاول قدر الإمكان تكبير المشكلة مع الغربيين، لكن بحثاً عن حل لها وليس عن تفجيرها! وأداؤه “الشامل” الأكبر من النكبة السورية يقول بذلك: همومه تبدأ بالعقوبات القاسية التي فرضت عليه نتيجة أوكرانيا والقرم، ولا تنتهي عند منعه من إسقاط حلب الشرقية! وخشيته الكبرى، تكمن في وصول طموحه الاحيائي إلى حائط مسدود واكتشافه تالياً، أن وضع بشار الأسد والإيرانيين في كفة مقابل ثلاثة أرباع الكرة الأرضية في كفة أخرى، هو أمر لا يدلّ سوى على قصور عقلي خطير.. لا يوصل سوى إلى حالة هستيرية مثل التي يشهدها العالم اليوم!