#adsense

حلب والحرب الروسية – الأميركية… حرب باردة أم وهم انتصار؟

حجم الخط

حلب في قلب الأمم المتحدة. حصارها اليوم بمثابة حصار برلين التاريخي أو حصار كوبا، وغيرها من الأزمات الدولية التي وضعت العالم على حافة الإنفجار في ظلّ السلاح النووي. إستغاثات أطفالها الجرحى والخائفين تهزُّ مشاعر قادة العالم الحرّ. المواجهة الدولية حاصلة حتماً، بين أولئك المستثمرين في دماء أطفال حلب، وبين بعض الذين لا يزالون يؤمنون بحقوق الإنسان. فهل يقف العالم اليوم على أبواب حربٍ باردة، أم أن القتلة يتوهمون نصراً في حلب؟

منذ ثلاث سنوات، وقبل أن تدخل روسيا بجيشها إلى سوريا، كان جون كيري، وزير الخارجية الأميركية يسوِّق لدى حلفائه الأطلسيين نظرية “علينا التعاون مع روسيا لحلِّ الأزمة السورية”. وبالفعل نشطت الدبلوماسية الدولية ووصلت إلى عقد مؤتمر في جنيف عام 2012 تمت خلاله صياغة اتفاق سُمي جنيف واحد، وقد نص الإتفاق في حينه على “أن الأسد لن يكون جزءاً من السلطة في سوريا الجديدة”، ووافقت روسيا في حينه على هذا الإتفاق. لكن نجاح الأسد، في إطلاق إرهابييه من سجونه، لإضفاء اللون الإرهابي على المعارضة السورية، وتخاذل رعاة المعارضة المعتدلة وتراجعهم عن دعمها، جعل الإرهاب والمنظمات الإرهابية تطفو على مسرح الأحداث في سوريا، على حساب المعارضة المعتدلة وتراجعها عن ساحات عديدة.

قرّر دخل بوتين التدخل العسكري في سوريا في أيلول 2015، لم تكن واشنطن ممانعة، بدليل أن بوتين ونتنياهو التقيا عدة مرات لتنسيق العمليات وتوزيع الأدوار وصولاً إلى تقاسم الأجواء السورية. فلو كانت واشنطن ضدّ هذا التدخل العسكري، لما أقدم نتنياهو على تقاسم السماء السورية مع بوتين. وهكذا اتفق الجانبان على وقف تدهور النظام قبل الإطاحة به ودخول سوريا في فوضى يصعب لاحقاً ضبطها كما حصل في ليبيا، ومن ثم تجديد المفاوضات لحلّ الأزمة وفقاً لاتفاق جنيف واحد. وبعد شهرين من دخولها العسكري، طلبت موسكو عقد جنيف 3 للبحث في الأزمة. لكن الأسد ذهب إلى جنيف 3 بعضلات روسية، مقرراً سلفاً عدم التراجع عن استعادة سوريا بالكامل. وهكذا فشلت جنيف 3 في حلِّ الأزمة، خصوصاً عندما تأكد لبوتين تراخي الدور الأميركي وتراجعه في المنطقة، وبدأ الإتفاق السرّي الروسي- الأميركي بالتحلُّل.

في البدء، أظهرت الإدارة الأميركية ضعفاً واضحاً في معالجة الأزمة السورية، وإلاّ لما كانت وصلت إلى التنسيق، أو غضِّ الطرف عن دخول الجيش الروسي إلى سوريا. فاستفاد بوتين من هذا التراجع الأميركي عن معظم الساحات الشرق أوسطية، بعد أن سبر أعماق ضعف هذه الإدارة، في جورجيا ثم في أوكرانيا، في شبه جزيرة القرم أو على حدودها الشرقية مع روسيا. بوتين، موظف ال”ك.ج.ب.” سابقاً، الذي كان يمارس نوعاً من “القيصرية” في زمن الإتحاد السوفياتي، لا يزال يعاني من عقدة إسقاط هذا الإتحاد فوق مسارح العالم، وصولاً إلى إسقاطه في عقر داره “أوروبا الشرقية”، وبلوغاً إلى تفكيكه وتشرذمه هو إلى خمسة عشر دولة طامحة إلى أن تكون جزءاً من حلف شمالي الأطلسي، لحماية نفسها من هيمنة روسية جديدة. فهل هو يخطط لحربٍ باردة جديدة تحلُّ له عقدة تفكُّك الإتحاد السوفياتي، إنطلاقاً من قتل الأطفال في حلب، ليستعيد شيئاً من المجد السوفياتي الضائع؟!

حلب، المأساة التي حركّت الرأي العام الدولي، هي الحدث اليوم. لكن حلب عادت وحركت الإدارة الأميركية المتخاذلة لتقول لموسكو بصوت عالٍ: “ما تقومين به في حلب هو جريمة حربٍ موصوفة”. وهكذا انتفضت الإدارة الأميركية بوجه روسيا، خصوصاً بعد أن تعرَّضت هذه الإدارة إلى الإنتقادات والإحتجاجات من الداخل الأميركي بالذات، من قبل الرأي العام الأميركي، والكونغرس، وانتهاء برئاسة الأركان في الجيوش الأميركية عما سمّته “إذلال بوتين للهيبة الأميركية”. فتحرّكت واشنطن لإعادة التوازن فوق الساحة السورية، وهددت بإعادة تسليح المعارضة المعتدلة، بسلاحٍ نوعيّ متطور، قد يُفقد جيش النظام، ومعه الجيش الروسي، حرية المناورة في سوريا. وكانت القذائف التي سقطت، ولأول مرة في حرم السفارة الروسية في دمشق، أبلغ هذه الرسائل بالتصعيد، ما أدى إلى تراجع الطلعات الجوية الروسية فوق حلب.

موسكو ردّت بنشر صواريخ “أرض – جو 300S و400S” لحماية قاعدتها البحرية في طرطوس، كما عززت أسطولها البحري في شرقي المتوسط، ببارجتين عبرتا المضائق التركية إلى طرطوس، في عملية استعراض للعضلات. لكن هذا العرض المظهري للعضلات، لايخيف ولا يؤثر في موازين القوى مع الأميركيين، بقدر ما يهدف إلى شدِّ عصب حلفاءها في المنطقة لإبهارهم، وعلى رأسهم النظام في سوريا، وإيران وعراق العبادي. إنها عملية إستعراضية كان يتقنها الإتحاد السوفياتي، وانتهت باستسلامه عام 1989 دون قيد أو شرط.

أما إذا كان يريد بهذه العملية التأثير على المعارضة السورية، فالمعارضة السورية ليست في مواجهة مع بحرية الجيش الأحمر، ولا مع صواريخه المضادة للطائرات. لذا يتأكد للمراقبين أن هذه العملية الدفاعية لا تؤثر بمجرى الأحداث فوق الساحة السورية. الخلاف اليوم بين واشنطن وموسكو يدور اليوم حول نقاط ثلاث. النقطة الأولى مصير الأسد، فبحسب اتفاق جنيف واحد “لا مكان للأسد في مستقبل سوريا” (وقد وافقت موسكو على الإتفاق)، ولكن بعد دخولها بجيشها إلى سوريا، وتأكدها من الإستقالة الطوعية للدور الأميركي في سوريا، ها هي موسكو من جديد، تُصِرُّ على الحفاظ على الأسد على رأس الدولة كحليف أساسي لها خلافاً للإتفاق.

النقطة الخلافية الثانية بين العاصمتين، هي حول تشكيل وفد المعارضة إلى جنيف. فبينما تُصِّرُّ واشنطن على المعارضة المعتدلة كفريق مفاوض مع النظام، تردُّ موسكو بالقول، بعد أن ضربت المعارضة المعتدلة أكثر مما ضربت “داعش”، (75 في المئة من قصفها الجوي استهدف المعارضة المعتدلة و 25 في المئة منه استهدف “داعش”)  أن لاوجود لمعارضة معتدلة، خارج تلك المعارضة التي نسجتها ورعتها مع النظام، وتضم أشخاصًا مثل هيثم المنّاع ورندا قسيس… بهذه المعارضة، تعتبر واشنطن أن النظام يحاور نفسه.

النقطة الخلافية الثالثة، هي ما تدعو إليه واشنطن من تقاسم للسلطة في سوريا الجديدة، وفقاً لحجم مكوناتها، وضمان حقوق جميع هذه المكونات في الدولة. بينما تفضّل موسكو نظاماً يقوده بشّار الأسد، يضمن فيه هذا الأخير بشخصه حقوق الأقليات والأكثريات في سوريا.

وهكذا برز الإختلاف الجوهري بين أوباما وبوتين، بعد أن اشتدّ ساعد هذا الأخير في سوريا. وإصراره على تدمير حلب، قبل أن تلتقط واشنطن أنفاسها من معركتها الإنتخابية، لدليل قاطع على استعجال بوتين الحلول قبل الإستحقاق الأميركي، وتدمير حلب يشكل الحلقة الضاغطة لبلوغ هدفه كما يعتقد. لكن حلب ليست “غروزني”، وسوريا ليست بلاد الشيشان الروسية، والشرق الأوسط ليس بلاد القوقاز.

يعتقد بوتين أن من يسيطر على حلب يسيطر على سوريا، ومن يسيطر على سوريا يسيطر على الشرق الأوسط، ومن يسيطر على الشرق الأوسط يصبح دولة عظمى. نظرية استمدّها بوتين من الإتحاد السوفياتي، الذي استفاد كثيراً من خدمات نظام الأسد الأب، في استغلال الإرهاب حول العالم. فهل يعتقد بوتين أن معركة حلب وتدميرها بشكل منهجي وقتل أطفالها ونسائها بهذه الوحشية… سوف تقوده إلى فرض التوازن العسكري والسياسي والدبلوماسي، وبالتالي الردع المتبادل السوفياتي، مع الولايات المتحدة الأميركية، لفرض نفسه كشريك مع هذه الأخيرة في إدارة العالم في حربٍ باردة يحلم بها؟!

في الأصل، لامصلحة لبوتين في حرب باردة جديدة مع أميركا. فالحرب الباردة تجربة سوفياتية فاشلة، ألحقت بروسيا هزيمة تاريخية قاسية عندما كانت في عزّ سطوتها. فروسيا التي كانت تهيمن على نصف جغرافية وديموغرافية الكرة الأرضية، أسقطتها الحرب الباردة دون أن يعلن أحد الحرب عليها. وروسيا التي كانت تحتل وتسيطر على أكثر من نصف مساحة أوروبا (في أوروبا الوسطى والشرقية)، هزمتها الحرب الباردة دون إطلاق رصاصة واحدة. وروسيا التي كانت أربعة عشر جمهورية في آسيا وأوروبا تشكل جزءاُ من أراضيها تحت عنوان “الإتحاد السوفياتي ” هزمتها مطالب الشعوب في هذه الجمهوريات، من دون أن تضطر حتى للتظاهر ضد سيطرتها. هذه الهزائم الخارجية والداخلية، أصيبت بها روسيا قبل أن تستخدم ترسانتها العسكرية، أو تحارب بصواريخها، إنما بانتصار الدولار الأميركي على الروبل الروسي. وبعد انكفاء روسيا إلى ما هي عليه اليوم من جغرافيا أضيق وطاقات أندر وتخلف تقني… فإن وضعها الجديد لا يسمح لها حتى بحلم العودة إلى الحرب الباردة، لأنها ستخسرها سلفاً بعد أن تكون كارثية عليها.

حلب ليست نقطة التحوُّل في المواجهة الأميركية-الروسية وصولاً إلى الحرب الباردة التي تضرُّ بمصالح روسيا، لكنها قد تكون نقطة التحوُّل الأميركي في الدخول الإيجابي لمعالجة الأزمة السورية، ودائماً لغير مصلحة موسكو، لأن هذه الأخيرة تستنفد زخم طاقاتها قبل الإدارة الجديدة في البيت الأبيض.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل