كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1581
شربل أبي عقل(1): تاريخ مقاومة محفور في الذاكرة
المهمة المستحيلة في زحلة مع د. جعجع
المعركة الفاصلة في سوق الغرب
ثمة رجالات يصنعون التاريخ من دون أن يدونوا احداثه على صفحات عمرهم. قد يكونوا اختاروا الصمت طوعا. لكن حتى في صمتهم ثمة الكثير الكثير من الكلام والذكريات التي شقعت محطات وجع وانتصارات وبطولات في سيرة من مسيرة نضال طويل.
وثمة تاريخ يكتب عن رجال جعلوا من المقاومة والدفاع عن وجودهم إنجيلا يقرأون في صفحاته مع كل طلعة شمس ولو كانت هذه الشمس تشرق في سماء وطن صمتت فيه لغة المدفع. فالنضال الذي تسلل في مسامهم وعبّد طريق حياتهم منذ عمر الرابعة عشرة لا يعترف بمكان وزمان لترجمة فعل المقاومة وفعل العيش بكرامة في وطن دفع ثمن وجوده آلاف الشهداء.
نعم من عمر الرابعة عشر حمل شربل أبي عقل البندقية ومشى إلى الجبهات عن قناعة بأن القضية، قضية الوطن والشهداء تستحق. يوم ترك البيت يافعا لم ينسَ أنه “كبير البيت” لكن ثمة خيارات في الحياة وأولويات. شربل أبي عقل تلقفها من اول الطريق. أخذ بركة الأب والأم وذهب إلى حيث كان مقتنعا أن يكون هناك. ومن “هناك” يبدأ الكلام عن تاريخ نضال لم ولن يرتاح.
في ذاكرته شريط عمر من الذكريات عن معارك خاضها مع الرفاق على الجبهات. في مخيلته محطات يأبى إلا أن يتوقف عنها ويسرد تفاصيلها، وفي أرشيفه صور دوّن عليها التواريخ والأمكنة والأسماء لتبقى علامة تحفر في تاريخ العمر والذاكرة والقضية، وإنجيلا يقرأ في صفحاته ذات يوم مع ولديه هو الذي لم ولن يتردد يوما على ان يكون حارسا لقضية “القوات اللبنانية”. ومنها ما فضّل أن تبقى في الذاكرة لتعيش معه في المكان والزمان المناسبين.
قبل ان يبدأ شربل أبي عقل في سرد محطات من عمر مشاه ولا يزال في خط المقاومة اللبنانية يصر على استحضار التاريخ بمنهجية ودقة، والبداية من البيت الذي ولد فيه في بلدة جدايل في جبيل ونشأ وترعرع مع إخوته الثلاثة وشقيقته. “فتحت عيوني ببيت مش بعيد عن مبدأ الإلتزام والإهتمام بالشأن العام. كنت الولد البكر والوالد كان عضو إختياري بأكتر من دورة وكان منتسب بحزب “الكتائب اللبنانية” ورئيس قسم، بالإضافة إلى مسؤولياته في الهيئة المركزية في الحزب”. ضمن هذا الجو وهذه البيئة نشأ شربل أبي عقل وبدأ ينهل من كتاب الإلتزام السياسي المقاوم ويقرأ في صفحاته خط اليمين المدافع عن الدولة السيدة والحرة والمستقلة ومؤسساتها. لكن العائلة وتحديدا الوالد كان يصر على إبعاد أولاده عن أجواء السياسة والعمل الحزبي خصوصا أنه وزوجته كانا يعوّلان كثيرا على “كبير البيت” لينهي علومه ويتخصص ويكون السند الأول لوالده الذي كان يعمل بصفة موظف لمساعدته في إعالة أفراد العائلة. لكن روح النضال التي تربى عليها التلميذ المجتهد والذكي الذي كان يتابع تحصيله العلمي في ثانوية راهبات العائلة المقدسة في جبيل كانت تتعزز مع مراقبته ومتابعته للأحداث التي كانت تتنقل من منطقة إلى أخرى منذرة بالإنفجار الكبير الذي حصل في 13 نيسان 1975. وفي حزيران 1977 كان شربل ابي عقل يقسم اليمين في صفوف حزب الكتائب في ميناء جبيل في حضور رئيس الحزب ومؤسسه الشيخ بيار الجميل وكان لا يتجاوز ال14 عاما.
إنخراط شربل أبي عقل في الحياة الحزبية لم يحل دون استكمال علومه وصار يتنقل بين جبهتي الكتاب والتدريب في المخيمات التي أسسها الرئيس الراحل بشير الجميل. وأولى المحطات كانت في مخيم قهمز حيث تلقى هناك مع رفاقه تدريباته الأولية على حمل السلاح “خلال أيام الدراسة كنا نتوجه إلى مخيمات التدريب في عطلة نهاية الأسبوع وهناك التقيت للمرة الأولى بالدكتور سمير جعجع في أحد مخيمات التدريب واستمر الوضع على هذه الحال حتى العام 1980. في أثنائها بدأ ابي عقل يتمرس أكثر في روح العسكر خصوصا بعدما توسع هامش الخدمة العسكرية ليشمل إلى جانب التدريبات، الخدمة العسكرية في قسم الكتائب في الضيعة وعلى حاجز عين كفاع الذي كان يفصل منطقة جبيل الوسطى عن منطقة الشمال الوسطى بالإضافة إلى مشاركته في دوريات راجلة ومؤللة. لكن التجربة القتالية الأولى والمباشرة كانت في قرية شموت. ويروي شربل بصوته الهادئ الذي يعكس حكمته ودقته في اختيار المحطات والذكريات: “كنا عم نخدم على حاجز عين كفاع. فجأة بتوصل برقية وبيبلغونا إنو في حادثة وقعت بضيعة شموت وهناك عدد من الضحايا وبتوجه مع مجموعة عسكرية بقيادة جوزف سعادة. منوصل لهونيك وبتفاجأ بمشهد الضحايا والجرحى وهونيك بيخبرونا إنو كان في احتفال بعيد ميلاد أحد الأشخاص وبتتعرض لهجوم مسلح من مجموعة تابعة لـ”المردة”. فتحت علين النار وسقط 5 ضحايا وعدد كبير من الجرحى. المشهد كان مبكي ومروِّع وما بخفي عليك إنو تأثرت كتير خصوصا إنو كانت المرة الأولى اللي بشوف فيا ضحايا وجرحى عن قرب. ومن لحظتا بقدّر إني انخرطت بالحياة العسكرية بشكل فعلي ومباشر”.
التجربة كانت مريرة لكنها كانت مفصلية. وعلى رغم القرار الذي كان اتخذه شربل أبي عقل في استكمال دروسه إلا أن الرغبة في تحصيل ثقافة العسكر لخدمة التوجه السائد آنذاك بدأت تتضاعف خصوصا أن الحرب كانت في بداياتها والجبهات التي تستحدث بين يوم وآخر كانت كفيلة في إعادة النظر بكل الحسابات والتوقعات. وهنا بدأ الصراع الداخلي بين إعطاء الأولوية للدراسة أو التوجه إلى مخيمات التدريب والإلتحاق بالثكنات على حساب ساعات التدريس. فكان القرار: “كملت دراستي بس إيام العطل المدرسية والأعياد وساعات الفراغ كنت روح مع الشباب على مخيمات التدريب أو كون عم بخدم على أحد الحواجز أو بالثكنة”.
كل هذا كان يحصل بخلاف رغبة الوالدين اللذين ألحا على “كبير البيت” أن يكمل تحصيله العلمي ويتخرج من الجامعة خصوصا انه كان من الطلاب المتفوقين ويبشر بمستقبل واعد. وتعاظم الصراع الداخلي في نفس المناضل خصوصا أنه كان حريصا على ان يلبي نداء القضية من دون حصول شرخ مع والديه. “كنت قول بيني وبين حالي إذا كل واحد منا قرر يقعد بالبيت ما راح يكون عنا مقاومة وإذا كل أهل فكروا إنو روح إبنن غالية، وهيدا مش غلط، راح يفوت المحتل وياخذ ارضنا ونصير إما أهل ذمة أو مهجرين من ضيعنا وبلداتنا وأكيد من الوطن. وبهيديك الفترة بدأ شعار “طريق فلسطين تمر من جونيه” فكان من المستحيل فكر إنو اقعد بالبيت أو اتراجع عن قرار القسم ولو كلفنا الأمر حياتنا”. وبدأت التحديات وكان القرار النهائي والحاسم الذي ارضى قناعاته ونال رضى الوالدين. “رحت نحو التزامي بالقضية من دون ما شكل حالة صدامية مع أهلي. وكنت كل مرة خبرن إنو رايح إدرس عند خالتي بس كون رايح ع الثكنة أو بالخدمة على احد الحواجز أو بالثكنات. بس الواضح إنو ما كانوا مقتنعين حتى لو كانوا يوهموني إنو عم يصدقوا الكذبة البيضا”. إلى أن جاء اليوم الذي واجه فيه والدا شربل أبي عقل الحقيقة كما هي فسلما أمرهما الى الله ولقناعاته ومنحاه رضى الوالدين.
يروي شربل: “في العام 1981 كنت لا أزال أتابع دراستي الثانوية في السنة الأخيرة في الثانوية فاستدعينا كقوى نظامية في حزب الكتائب التي كنت ضمن وحداتها وتم جمعنا في ملعب الثانوية وأبلغونا أنه تم استدعاء الدكتور سمير جعجع للتوجه إلى زحلة، والمطلوب تأمين المساندة من قبلنا كقوى نظامية عدة وعديدا. توجهت إلى المنزل وأبلغت أهلي بالأمر. أذكريومها أن أخي الأصغر بيار أصر أن يتوجه معي فصرخ والدي”خيك الكبير بس بيروح ع الجبهة إنت بتبقى بالبيت”. حاول ان يعارض رغبة والدي فكان الأخير أكثر حسما معه. تلك كانت المرة الأولى التي اذهب فيها إلى الجبهة بمباركة والديّ وكان عمري 17 عاما.
عدنا إلى الثانوية وهناك تم تجميع الصفوف وإعطائنا التوجيهات عن طبيعة المهمة وصعوبتها خصوصا انها تدور على ارض مكسوة بالثلج وعلينا ان نمشي مسافات في ظل ظروف مناخية وطبيعية صعبة جدا وهناك احتمال ان نتعرض للقصف لذا يجب أن نكون متيقظين ومتكاتفين. مساء وصلت حافلات من نوع “بولمان” وأقلتنا إلى نقطة “التيليسياج”. كنا حوالى 200 شاب. أذكر أن حمولة كل عنصر كانت توازي ضعف وزنه لأننا كنا على علم مسبق أن مهمتنا تقضي بفك الحصار وعلينا أن نكون مزودين بالعتاد والذخيرة والطعام لمساندة الشباب. وصلنا عند منتصف الليل وكان معنا عباس الدالول وحنا سابيوس. الدكتور جعجع يتقدم القافلة. مشهد لن أنساه أبدا. كان يحمل بندقية M16 ويلبس قفازا في يده المصابة. السير على الثلج كان شاقا خصوصا أننا لم نتعود على مهمات مماثلة. مع انبلاج الفجر كنا قد وصلنا إلى مشارف زحلة ولم يبق امامنا إلا نحو 5 ساعات للدخول إلى المدينة. لكن الأمر يتطلب اجتياز معبر الشير وهو كناية عن منحدر قوي بطول كيلومتر ونيف وكان مكسوا بكامله بالثلج الأبيض. أما الممرات الأخرى فمكشوفة على مواقع جيش الإحتلال السوري. نزلنا صفا واحدا يتقدمنا د جعجع كانت المهمة شاقة جدا بسبب انحدار الشير وعدم وجود كميات كافية من الثلج المرصوص فكانت أقدامنا تغرز فيه بعمق، مما اعاق عملية السير والوصول في الوقت المحدد.
فجأة عندما وصلنا إلى منتصف الشير بدأت تنهمر علينا القذائف من الراجمات وكنا نرى مصدر انطلاقها من جهة تمركز مواقع جيش الإحتلال السوري. حاولنا أن نسرع خطواتنا لكن عبثا بسبب وعورة الأرض. عندها قررنا ان ننزل بوضعية الجلوس والتزحيط حتى نبتعد عن مرمى نيرانهم. لكن القصف كان ينهمر علينا مثل المطر فاستشهد قائد ثكنة اللقلوق نجا خوري ومرافق الدكتور جعجع نبيل رحمة. وحدها العناية الإلهية انقذت الدكتور جعجع لأن نبيل كان يسير إلى جانبه وكان مثل ظله. بعد استشهاد نجا انسحب شباب ثكنة اللقلوق وآخرون بسبب عدم قدرتهم على تحمل البرد وإصابتهم بحالات إغماء هذا عدا عن حال الضياع والتشتت الذي اصاب الشباب بعد استشهاد قائد ثكنتهم. ومن اصل 200 شاب اكمل حوالى 120.
شريط الذكريات طويل وطويل جدا. اليوم يسرده شربل بتفاصيله الموجعة. يحكي ويتوقف ليعود إلى تفصيل، إلى مشهد عالق في ثنايا الذاكرة إلى واقعة: “كنت مفكر إنو الذاكرة راح بتخوني، بس الظاهر إنو التاريخ المحفور بذاكرتنا راح يضل حتى يصير عبرة لأجيال المستقبل”. يرتشف من فنجان القهوة، رأسه بين كفيه ويتابع: “أكملنا السير مع عباس الدالول ووصلنا إلى نهاية الشير حيث توجد تلة احتمينا بها لأن القصف استمر حتى ساعات الليل. كان هدف الجيش السوري إعاقة تحركنا وعدم وصولنا إلى زحلة لفك الحصار ومساندة الشباب. وبهدف الوصول بسرعة عمد بعض الشباب إلى إفراغ حمولة جعبهم لتخفيف الحمل.
عند هبوط الليل جمعنا الحكيم وخاطبنا قائلا: “الطريق طويلة وشاقة بس بدنا نمشيا للآخر وراح نعتمد استراتيجية جديدة. بدنا نترك مسافة بين مجموعة وأخرى للحد من الخسائر البشرية في حال استمر القصف علينا وبدنا نكون أكثر يقظة وإنتباه”. وما أن انطلقنا حتى بدأت القذائف المضيئة تضيء السماء وتكشف تحركاتنا فكنا نأخذ وضعية النوم للإحتماء وعدم انكشافنا. وبعد ساعات من السير على الثلج والماء الموحلة وصلنا إلى زحلة ومكثنا في إحدى مدارس منطقة وادي العرايش. وهناك أبلغنا أنه تم سحب جثتي نجا ونبيل ليلا بواسطة الحبال. جمعنا الحكيم وطلب منا أن نرتاح قليلا بعدما كان أبلغ القيادة بوصولنا إلى زحلة وانطلق في جولة مع الشباب لتفقد المجموعات على الجبهات. بعد عودته طلب منا ان نتجمع في باحة المدرسة وأبلغنا أنه تلقى برقية من قائد “القوات اللبنانية” بشير الجميل تتضمن معلومات موثقة عن قيام القوات السورية بإنزال على جبهة الشمال لإحداث خرق ويطلب فيها من المجموعة التي توجهت إلى زحلة بقيادة سمير جعجع العودة فورا قبل تنفيذ العملية وإقفال الطرق ومحاصرتنا.
طريق العودة لم تكن أسهل وأقل وعورة. فالصعود على منحدر الشير المكسو بالثلج كان اكثر صعوبة على رغم الحماية الطبيعة التي وفرها الضباب الكثيف واستغرق الوقت حوالى الساعتين لاجتيازه. وبسبب صعوبة السير والتعب تشتتت المجموعة وضاع بعض الشباب ولم نجد أثرا لهم إلا بعد وقت طويل ومنهم بسام أبو سليمان وشكري نجم اللذين ناما على الطريق بسبب التعب. وعند وصولهم إلى نقطة التيليسياج اقلتهم الباصات إلى جبيل فكان الإختبار الأول لشربل أبي عقل على المستويين الإنساني والعسكري: “هيدي التجربة القاسية خلتني إكتشف ذاتي وعطيتني القوة تا كفي بالقرار اللي اخدتو على مستوى خيار المقاومة وما إتراجع خصوصا بعد ما لمست صلابة وتصميم وبطولات الشباب. والأهم إنو كانت المرة الأولى اللي بتعرف فيا على سمير جعجع صاحب القرار والإيمان بالمقاومة. وهيك أخذت القرار بإنو كمل من دون ما اتطلع لورا”.
في مخيمات التدريب على جبهة الشمال التي توزعت بين مهنية دوما ودير مار يوحنا وميفوق في القطارة اختبر شربل أبي عقل الرابط بين الحياة العسكرية والثقافية هذا الرابط الذي كان يشدد عليه سمير جعجع في دوراته مع الشباب لتعزيز معرفتهم وثقافتهم بتاريخ المقاومة في كل المحطات وعبر كل العصور ويروي: “عندما فكر بشير الجميل في استحداث مخيمات التجنيد الإجباري قرر تسليم المهمة إلى الدكتور سمير جعجع وطلب منه أن ينطلق بالتجربة مع طلاب الصفوف الثانوية في جبيل فانطلقت التدريبات في مخيمات الشمال لتصل لاحقا إلى مخيمات دوما ودير مار يوحنا ولاحقا الدون بوسكو”. ويتابع: “هون بلشت إتعرف اكتر على سمير جعجع لأنو الإحتكاك معو صار مباشر. كان مصر يعرفنا على تاريخ المقاومة وكيفية استكمالا ضمن مشروع فكري متكامل وكان يقلنا إنو المقاومة ما بتتحقق فقط بالبارودة والمدفع والرصاص، والجبهات مش بس عسكرية إنما أيضا فكرية وثقافية وإجتماعية. ولازم نركز على كل هالمحاور لبناء مجتمع مقاوم. من هون كان تركيزو على المحاضرات الفكرية والثقافية والعلمية والعلوم وكل ما يتعلق بالإنسان ببعديه الماورائي والإجتماعي لنتعرف اكتر على قضيتنا بعمقها الحقيقي ونصبح بالتالي مؤهلين لنتخرج ككوادر مش بس مقاتلين وكان يخبرنا عن الخطط الإستراتيجية لبناء المؤسسات الجدية والفعلية للوصول إلى مجتمع فاعل”.
دورات التأهيل الفكرية والعسكرية في الشمال عرفت أبي عقل أكثر على استراتيجية الدكتور جعجع الفكرية والقتالية وايضا على قوة تركيزه: “مرة كنا بإحدى الجلسات الفكرية عم نناقش نص من كتاب “LE GOELAND”. فجأة بيدخل الدكتور جعجع على المجموعة. بيطرح سؤال وبيدل بإصبعو عليي وبيقللي جاوب وحلل. أول الأمر افترضت إنو عم بيدل على شخص تاني. اطلع فيي ورجع أشار بإصبعو عليي وقللي مش إنت إسمك شربل؟ نقزت، وما عرفت شو بدي جاوب، وحاولت انا وعم بقطع المسافة للوصول إلى المنصة إنو فكر بالجواب لأنو ما كنت مركز ع السؤال. بس وصلت حدو سألتو كيف عرفت إسمي من بين مئات الشباب؟ قللي هلق جاوب ع السؤال حتى ما نضيع وقت الشباب ونشتتلن أفكارن. بس تخلص الحصة بجاوبك. وعرفت لاحقا إنو كان يمرق وياخذ إضبارات الطلاب. وكل شب يشوفو متفوق او عندو علامة فارقة بمكان ما يحفظ إسمو”.
من أصل نحو 700 شاب خضعوا للتدريبات العسكرية والفكرية والثقافية تخرج 85 مقاتلا وأطلق على الفوج إسم السرية 85 بقيادة فرنسوا معراوي ويروي شربل أبي عقل أنه بعد تخرجهم تم تقسيمهم بناء على تعليمات من د. سمير جعجع إلى فئات توزعت بين آمري حضائر وآمري فصائل وخضعت المجموعات لتدريبات متقدمة بهدف التدرج وتسلم مسؤوليات عسكرية على الجبهات. “أذكر في إحدى المرات أننا كنا في دورة آمري حضيرة ومشينا مسافة 120 كلم من دوما وصولا إلى الجرد وأنهينا الدورة بمناورة بالذخيرة الحية باللقلوق وكان يتقدمنا د. سمير جعجع وفرنسوا معراوي ولاحقا بدأنا نخدم على الجبهات”.
بعد معركة توحيد البندقية كان شربل أبي عقل من اول المنتسبين إلى “القوات اللبنانية” واستحق البطاقة رقم 134. وبعدما أثبتت مخيمات التدريب نجاحها على المستويين الفكري والعسكري انسحبت الفكرة على باقي المناطق فكان مخيم الدون بوسكو وكان شربل أبي عقل في عداد المدربين بعدما استحق تنويها على كفاءاته العسكرية والفكرية خلال فترة التدريب في مخيمات الشمال. فجأة يصمت يبتسم ويقول: “بس كان الشيخ بشير عم يخاطب الشباب تحت المطر وكان لابس البانشو، كنت فوق بين الشباب عم درب وعيش تجربة القضية بكل تفاصيلا”. ويضيف أبي عقل “عندما انتخب بشير الجميل رئيسا للجمهورية قلنا الحلم بلش يتحقق عبر مؤسسات الدولة اللي انتظمت متل الساعة. وبس استشهد عرفنا إنو القصة كبيرة والخسارة أكبر بس بالمقابل كان لازم نفكر كيف بدنا نلملم هالجرح الكبير حتى ما نروح على خسارة أكبر خسارة بيصعب تعويضا”.
في العام 1983 تسجل شربل ابي عقل في الجامعة اللبنانية الفرع الثاني وكان همه ان يتخصص في مجال الإلكترونيك. لكن في تلك السنة هبت رياح حرب الجبل. “بذكر إنو الحكيم جمعنا بثكنة القطارة وقلنا إنو الوضعية بالجبل غير مطمئنة. المسيحيين عم يتعرضوا للقتل وبدنا نطلع لفوق لمساندة الشباب وحماية ابناء الجبل. من هون بطلب منكن تجهزوا حالكن لساعة الصفر لتسلم هالجبهة”. وعلى ذكر ثكنة القطارة كان اللافت إنو مكتب الحكيم يضل مضوي لساعات متأخرة وأحيانا أوعا مع ساعات الفجر ولاقي بعدو مضوي.وعرفت بعدين إنو كان يقضي الليل هوي وعم يقرا أو يصلي…”
1983 دقت ساعة الصفر. اندلعت حرب الجبل. تعليمات القيادة كانت تقضي بتوجه المجموعات لمساندة أهالي الجبل وتحصين وجودهم في أرضهم لأن الهدف كان إما التهجير أو القتل. أكثر من درس، أكثر من عبرة حفر في ذاكرة أبي عقل يختصرها اليوم بالتالي: “لولا الإلتزام بالقضية والإيمان بالدفاع عن الوجود المسيحي لما تمكن اي شاب في المقاومة اللبنانية من الصمود فوق ولو ما كنت عم بتحرك من هالخلفية عملانيا ما كنت راح اقدر اصمد وخلي مسيحيي الجبل يصمدوا بقراهن وأرزاقن”.
المحطات التي تنقّل فيها شربل ابي عقل في الجبل مع السرية التي كان من ضمنها حفرت في ذاكرته الكثير من الصور. مجرد أن يعود إليها يشعّ بريقا ما من عينيه. أتراه الفرح بالعودة حيا من جبهة كانت الحرب فيها على المستويين القتالي والإنساني مدمرة؟ “بس طلعنا ع الجبل كانت الجبهة بقيادة بول عنداري وسريتنا اللي توجهت ع بحمدون بقيادة فرنسوا معراوي. بس وصلنا ما كان في شي إسمو جبهة يعني لا متراس نحتمي في، لا خندق… وكانت تحركاتنا مقتصرة على الليل لضرورات لوجستية. كنا نحفرالخنادق بإيدينا ونصب الباطون لنبني السواتر. أكثر من مرة كنا ننكشف امام المسلحين ويبلش القصف علينا. وبإحدى الجولات انصاب معنا رفيق من آل الخويري وميلاد عساف إصابات غير خطيرة وطلبنا مساندة وبس كانت تخلص جولة القصف نرجع نكمل. وهيك قدرنا نبني جبهة متراصة وجدية”. يصمت قليلا ويتذكر بعد: “بمعركة المشرف وعين الحور كانت الأمور متأزمة لأنها تزامنت مع انقسام اللواء الرابع. انطلقنا بحرا عبر مرفأ الجية وتمركزت مع فصيلتي بأحد المواقع. صحيح إن المعارك كانت متقطعة بس وقت تبلش المعركة جريحنا يصير شهيد لأنو كنا محاصرين. وبتذكر إنو بقيت 3 أيام وحدي بمتراس الدبشة بعين الحور وبلشت تخلص مونة المعلبات والمي. وبمتراس القنازيح كان في الرفيقين ميلاد عساف وروجيه ضرغام. بقيوا كمان 3 أيام وحدن حتى وصلت مجموعة الدعم وحصل التبديل وتسلمت الجبهة”.
بإحدى المرات بيطلب منا الحكيم التوجه إلى عين تراز وخلال الإجتماع طلب منا مغادرة بحمدون والتوجه نحو دير مار عبدا في دير القمر لتدريب شباب الجبل وتجهيزن كمجموعات إحتياط تا يكونو جاهزين للمعركة. وهيك صرنا نخرّج أفواج وبنفس الوقت نخدم ع الجبهات. صيف العام 1983 كلّف الحكيم فصيلة من 28 مقاتل التوجه نحو سوق الغرب لمساندة الجبهة، وكنت من ضمنها. تمركزنا بالنقاط المحددة بالمدرسة الفلسطينية وبنايتي الكمال والحجار. كانت المعارك متنقلة والإيام تمر ببطء أحيانا. بتلة الـ888 صار معنا حادثة. كنا مجموعة متمركزة وبلشت المناوشات. طلبنا أنو يساندونا بمدفع مضاد 23 لنرد على المسلحين. فجأة بيحضر شاب إسمو أنيبال مع شاب من آل عياش من سوق الغرب مهمتو تلقيم المدفع. بس أنهى مهمتو وقف بين الآلية والحيط . فجأة بلش القصف ينزل علينا بقوة. بيدور أنيبال الآلية وبيرجع فيا لورا بسرعة جنونية لتفادي تعرضا لقذيفة مباشرة. ما كان بيعرف إنو رفيقو من آل عياش كان واقف بالجهة الخلفية.وكانت الكارثة. مات الشاب دهسا. هالحادثة ما راح إنساها بحياتي تماما متل اللحظة اللي بلشنا ندق فيا الأجراس ل نجمع شباب الإحتياط ونتوجه نحو سوق الغرب. يومها كانت الأوامر من القيادة بتقضي إنو ممنوع يطلع الضو قبل ما نسترد مواقعنا بسوق الغرب لأنها بتشكل نقطة استراتيجية وبتذكر الكلام اللي قالولنا اياه: “إذا سقطت سوق الغرب لا رئيس الجمهورية راح يقدر يوصل ع قصر بعبدا ولا حتى الشباب راح يقدروا يوصلوا ع المجلس الحربي بالكرنتينا. هلقد كانت نقطة سوق الغرب وتلة 888 استراتيجية. بقينا نقاوم ليلة بكاملا حتى طلع الضو علينا ووصلنا على تلة 888. صحيح إنو العملية كلفتنا عدد كبير من شهدا القوات والجيش اللبناني بس بالنهاية استردينا مواقعنا ع التلة وما طلع الضو إلا وكانت أجراس الكنائس عم تدق”.
(يتبع)
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
