
لم تنجح الثنائيات في لبنان، فكان قدرها دوما الفشل في بناء تجربة ثابتة وإدارة التناقضات وترسيخ الاستقرار وتوفير ديمومته. هذا شأن الثنائية المارونية-الدرزية التي انفجرت في ثلاث محطات. وهذا شأن أيضاً الثنائية المارونية-السنية التي انتهت بحرب أهلية. وهذا شأن أيضاً وأيضاً الثنائية السنية-الشيعية التي صحيح انها لم تنزلق إلى حرب ولكنها لم تنجح بإخراج لبنان من الحرب.
والفارق الأساس بين تلك الثنائيات يكمن في ثلاثة عوامل:
العامل الأول، الثنائية المارونية-الدرزية كانت نتيجة طبيعية لجغرافية الجبل وديموغرافيته، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الثنائية المارونية-السنية على رغم انها أخطأت بعدم تصحيح التوازنات على البارد وتجاهلت الوزن الدرزي وتأخرت بتصحيح التمثيل الشيعي، ولكن الثنائية السنية-الشيعية قامت على استبعاد المكون المسيحي عن سابق تصور وتصميم.
العامل الثاني، لا يمكن اختصار العلاقة المارونية-الدرزية والمارونية-السنية بما خلصت إليه، كونها نجحت في حقبات معينة في بناء تجربة تعايشية فعلية، كما بناء دولة، فيما لا يمكن الكلام في التجربة السنية-الشيعية عن اي حقبة مضيئة، من العلاقات بين الطوائف التي ظلت في حرب باردة، إلى ممارسة السلطة التي شكلت أسوأ تجربة عرفها لبنان.
العامل الثالث، لا يمكن تجاهل ان الثنائية المارونية-الدرزية نقلت التجربة التعايشية من لبنان الصغير إلى لبنان الكبير، كما لا يمكن تجاهل ان الثنائية المارونية-السنية نقلت التجربة التعايشية من البعد الثنائي إلى العيش المشترك الفعلي مع اتفاق الطائف في نصوصه لا تطبيقاته، هذه النصوص التي أعادت وانصفت الشيعة والدروز، فيما الثنائية السنية-الشيعية قادت البلد وما تزال إلى المجهول.
وقد شكلت وثيقة التفاهم بين “التيار الوطني الحر” و”حزب الله” محاولة لقيام ثنائية مارونية-شيعية، ولكنها فشلت في مهدها لجملة عوامل، كما فشلت تجربة ٨ آذار بفعل ارتكازها على ثنائية شيعية-مسيحية، وفشلت تجربة ١٤ آذار بفعل ارتكازها على ثنائية سنية-مسيحية بعد خروج الدرزية السياسية.
وانطلاقا مما تقدم أثبتت التجربة ان الثنائيات الطائفية غير قادرة على إرساء صيغة مستقرة، فضلا عن ان الثنائيات تشكل استبعادا لمكونات أخرى، وبالتالي الحل الأكيد هو عبر صيغة العيش المشترك المنصوص عنها في اتفاق الطائف، فيما استذكار ثنائية بشارة الخوري ورياض الصلح يجب ان يكون الهدف منه الكلام حصرا عن تعاون نموذجي بين رأسي السلطة التنفيذية وليس اختصار البلد بالزعيمين الماروني والسني.
وعلى رغم استحالة فصل لبنان عن أزمة المنطقة، وان أقصى ما يمكن ان يطمح إليه اللبناني اليوم لا يخرج عن سياق إدارة الأزمة، إلا ان إدارة عن إدارة قد تختلف جذريا، ولكن من الثابت في كل هذا المشهد ان انتخاب عون سيؤرخ لنهاية الثنائية السنية-الشيعية وعودة المسيحية السياسية إلى السلطة، وهذه العودة ستفضي إلى تصحيح الخلل التمثيلي وإطلاق دينامية وطنية جديدة من الصعب التكهن بمؤدياتها أكانت إيجابية أم سلبية، إنما الأكيد انها ستنقل لبنان إلى ستاتيكو سياسي جديد.
ولا خلاف مبدئيا بان الثنائية السنية-الشيعية وصلت إلى نهاياتها، وان اي صدمة جديدة تشكل مصلحة للجميع، وان التمسك بالتوازنات التي أرساها النظام السوري في لبنان سيفاقم من تدهور الأوضاع ويسرِّع في انهيارها، خصوصا ان الحفاظ على الاستقرار بانتظار التسوية الكبرى تمهيدا لمقاربة الإشكالية السيادية بات يحتاج إلى عاملين أساسيين: تصحيح التمثيل المسيحي ومكافحة الفساد.