بين رحيل مفاجئ وآخر يتعايش مع انتظار ما تبقى من الأيام والساعات وحتى اللحظات، الألم واحد. ألمٌ يشربه الإنسان جرعة واحدة ويسكن في خبايا الذاكرة. ألمٌ ينضج ولا يموت. هذا الألم هو نفسه الذي عاشته عائلة مناسا لحظة تلقيها خبر وقوع حادث سير لابنها إدي إبن الخامسة والعشرين ربيعًا أثناء قيادة دراجته النارية على جسر أنطلياس. في 13 كانون الثاني 2015 تجمدت اللحظة. لكن الزمن أكمل مساره. 27 يومًا أمضاها كل من الوالدة ميرنا وشقيقته ليا وشقيقه إيلي عند باب غرفة العناية الفائقة في انتظار أن يفتح إدي عينيه من جديد على الحياة. 27 يومًا وهم يصلّون ويطلبون من والدهم الذي انتقل قبل عام واحد من تاريخ الحادث الى جوار يسوع أن يرافقهم في صلواته ليعود إدي الى البيت ويملأه ضحكات وحياة. لكن إدي استعجل لقاء والده. وفي يوم عيد مار مارون في 9 شباط توقف قلب إدي ليعود وينبض بعد عام في “جمعية إدي” للتوعية ضد حوادث السير على الدراجات النارية والـATV. وفي عامها الثاني كان الموعد مع إطلاق اليوم الوطني للدراج اللبناني آخر أحد من كل شهر أيلول… من قال إن إيدي رحل من دون موعد ولقاء جديد؟
تأسست جمعية “Education dedicated to you- EDY” للتوعية من حوادث السير، خصوصًا حوادث الدراجات النارية والـATV التي تخطف شباباً في عمر الورود، كان ذلك بتاريخ 3 آب 2015. وأخذت على عاتقها مسؤولية نشر التوعية بين الشباب فيما خصّ هذه الحوادث. لكن لحظة الولادة لم تأتِ إلا من وجع كبير وكبير جدًا. فبتاريخ 13 كانون الثاني 2015، وفي ما كان إدي مناسا يقود دراجته النارية على جسر أنطلياس، حاول سائق أحد الباصات تخطيه فاصطدم بالدراجة وأصيب إدي ونقل على أثر الحادث إلى المستشفى حيث أدخل الى العناية الفائقة وتوفي في 9 شباط 2015 يوم عيد مار مارون. عامان تقريبًا على رحيله ولا تزال عائلته تعيش وجعها وإشتياقها لضحكته التي كانت تملأ المنزل، فالوقت لم يكن كفيلاً بجعلهم ينسون وهم الذين كانو فقدوا ربّ العائلة قبل اشهر قليلة من رحيل “إدي”.

في منزل آل مناسا الغارق بصور إدي ووالده في ساحل علما كان اللقاء مع والدته ورئيسة جمعية “EDY” ميرنا مناسا. عند المدخل تستقبلك صورة لـ إدي وضعتها الوالدة على طاولة السفرة ليكون أول من يستقبلها عندما تجتاز عتبة المنزل. شاب يضج بالحياة، ولكنها مسيّجة بإطار باردٍ يشبه صقيع الموت. ميرنا لا تنسى اللحظة التي أخبروها فيها عن تعرّض إدي لحادث سير في منطقة انطلياس وإصابته، وهي التي كانت تصلي في كتاب للقديس مار أنطونيوس. الكتاب لا يزال في مكانه منذ تلك اللحظة حتى اليوم ولن يتغيّر.
“أصعب أيام عشتها في تلك المرحلة الفاصلة بين الأمل بعودة إدي ورحيله”، تقول ميرنا. كنت أرى ابني يموت أمام عيني ولا شيء يمكن فعله سوى الصلاة والطلب من العذراء مساعدتي على تحمّل ما أمرّ به، خصوصًا ان أحداً من الطاقم الطبي لم يمنحني ولو جرعة قليلة من الأمل. يوم الدفن كنت أحمل صورته كل الوقت وأردد “إدي لن يموت وسيبقى حاضرًا حتى بعدما يبتعد عنا بالجسد، ولكنني لم اكن اعرف كيف سأحقق هذا الوعد.
بعد انتهاء مراسم الدفن والتعازي بقيت حوالى الشهر في غرفتي وأنا أبكي وجعي وحرقة قلبي. شعرت بأن حياتي انتهت مع رحيل إدي، ولكن في الوقت نفسه كنت أفكر كيف سأنفذ وعدي له. عندها خطرت في بالي فكرة إنشاء جمعية للدرّاجين وطرحتها على ولديّ إيلي وليا، وتفاجآ بأهدافها، خصوصًا أنني لم أكن أحب الدراجات”. تصمت وتعود الى إدي: “عندما اشترى إدي دراجته قلت له “لقد قتلت والدك مرة ثانية”. قلب الأم كان دليلها.
وتتابع ميرنا: “بدأنا العمل على إنشاء الجمعية وإطلاقها في ذكرى أربعين إدي، وصادف في يوم عيد الأم، فأهديته إياها بعدما كان يقدم لي الورود كهدية. وأصبحت هذه رسالتي في الحياة. لا توجد كلمات تستطيع وصف وجع الأم عندما يصلها خبر موت ابنها في حادث سير. ذكرى ترافقها حتى آخر لحظة من حياتها ولو كان لديها عشرة أولاد. الى اليوم لا أزال أبكي كل ليلة غياب إدي ومستعدة ان أدفع عمري كله كي أراه وأسمع ضحكته وأغمره من جديد، لكن لم يبقَ لي سوى الذكريات ومجموعة من الصور أعزي بها نفسي. هذا الأمر حمّلني مسؤولية كبيرة جداً، لتوعية الجميع على مسوؤلياتهم وتوجيه رسالة للدرّاجين مفادها “انتبهوا على أنفسكم. هناك أهل ينتظرون عودتكم لا تحرقوا قلوبهم”، ورسالة ثانية للسائقين: “إنتبهوا عندما يمرّ درّاج الى جانبكم هو ليس من فئة “الزعران” كما تقولون عنه، هو شاب يهوى ركوب الدراجات النارية”.
تضيف ميرنا: “الجمعية بدأت تكبر وتلقى تجاوباً من جميع الجهات الأمنية والمجتمع الأهلي والمدني والصليب الأحمر والدفاع المدني ونوادي الدرّاجين الذين ابدوا استعدادهم وحماسهم للتعاون ونشر التوعية وهم من جميع الطوائف والمناطق. وهنا لا بد لي من ان أشكر الجميع من دون استثناء على الجهد والدعم اللذين يقدمانهما”.
وتهدف جمعية “EDY” الى دعم وتعزيز مختلف مؤسسات المجتمع المدني والأهلي، والتوعية من مخاطر الحياة، والسعي الى تطوير وتحسين عمل المستشفيات لا سيما غرف الطوارئ والعناية الفائقة التي تعاني من إهمال شديد وغياب المعدات اللازمة، والقيام بأعمال خيرية، والسعي لحسن تطبيق قانون السير والعمل على سد الثغرات الموجودة فيه. وعلى من يريد الانتساب إليها التقدم بطلب يصرّح فيه عن رغبته بالانضمام الى الجمعية مرفقاً بسجل عدلي حديث التاريخ وصورة عن الهوية.

وفي عامها الثاني نظمت الجمعية في أيلول الماضي مهرجانا بعنوان “كن مسؤولا” في مجمع فؤاد شهاب الرياضي-جونية، لنشر ثقافة التوعية من مخاطر حوادث السير والدراجات. وفي المناسبة أعلنت الجمعية عن إطلاق “اليوم العالمي للدراج اللبناني” وحددت تاريخه في الأحد الأخير من شهر أيلول، بالإضافة الى دورتي إسعافات أولية واحدة في بعبدا اشترك فيها حوالى 70 درّاجاً والثانية في بلدية جونيه اشترك فيها حوالى الـ100 شخص أهلتهم لتقديم المساعدة عند حصول أي حادث الى حين وصول الصليب الأحمر.
وتختم ميرنا: “التوعية هي الدواء لداء الموت وروح الجماعة يمكنها ان تصنع المعجزات”، لذلك تسعى اليوم الى نشر هذه الثقافة بين الطلاب في المدارس، كما تسعى للعمل مع رؤساء البلديات على إنشاء محطات خاصة للباصات تقف عندها وتحسين الطرقات، وتطلب من الجميع مساعدتها لإيصال رسالتها لتوعية هؤلاء الشباب. “الحياة قصيرة جداً أيها الشباب عيشوها بوعي وتذكروا أن وراءكم أهل يحبونكم وينتظرون عودتكم بلهفة وشوق، لا تحرقوا قلوبهم”، تقول قبل أن تعود الى صورة إدي.