.jpg)
لا يمكن بعد االيوم تجاهل أيّ موقف سياسي أو أيّ تسريبات قد تصدر من هنا أو من هناك، لا سيّما وإن كان هذا المرجع، الصمّام الذي حكم آمان مرحلة الوصاية وما بعدها طوال ربع قرن. فهل يمكن أن يتحوّل هذا المصدر إلى منفّذ لأجندة فارسيّة ما؟
كلّ الإحتمالات باتت اليوم مفتوحة، لا سيّما بعد مصالحة معراب التي أعادت خلط كلّ أوراق التّحالفات، وأجبرت الكلّ على اتّخاذ المواقف الصارمة وليس المواقف الرّماديّة. من هنا، صار التّبادل بالأدوار داخل الثنائيّة الشيّعيّة، السير بالنّائب ميشال عون كمرشّح “حزب الله” لرئاسة الجمهوريّة، ليتمّ بعدها وضع الفيتو عليه من قبل رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي.
لذلك، قام برّي اليوم باستنهاض الماضي من خلال إحياء مبدأ ميثاق 43، الذي قام على ثنائيّة رياض الصّلح وبشارة الخوري، ونسف بذلك ما توصّل إليه لبنان بعد سنينه القاسية من الحرب الأهليّة، إلى اتّفاق كرّس الوفاق الوطني في العام 1990، ليحكم لبنان بتوافق جميع أبنائه. إلا أنّ هذا التوافق بمفهوم الشيعيّة السياسيّة هو مرفقٌ بقوّة السلاح غير الشّرعي بيد “حزب الله”، وبهيمنة محسوبيّات الرّئيس برّي على كلّ مقوّمات الدّولة اللبنانيّة حتّى أصغر وظيفة في الوزارة أو الإدارة الأقلّ أهميّة.
وما توزيع الأدوار هذا إلا لتمكين القبضة الشيعيّة على كلّ مقدّرات الدّولة وسياستها، فالدّاخل محكوم من برّي، والخارج محكوم بسلاح “حزب الله”. وفيما لو تمّ التّعاطي مع ملفّ رئاسة الجمهوريّة وفق الأصول الدّيمقراطيّة، سيفقد برّي هذه الهالة لأنّه أعلن عدم سيره بانتخاب العماد عون متحوّلاً إلى المعارضة. ومن المؤكّد أيضاً أنّ “حزب الله” سيفقد غطاءه في الخارج في المرحلة الأولى، على أن يعود ويدخله الرئيس العتيد تحت عباءة الدّولة، وليس تشريع سلاحه كما كان في العهود السّابقة، والثلاثيّة المعهودة بين جيش وشعب ومقاومة دفنت إلى غير رجعة في العهد الجديد.
“حزب الله” لم يعد قادراً على تنفيذ ما هو مطلوب منه في الدّاخل اللبناني، فهو أدّى قسطه حتّى المنتهى. فهذه المهمّة اليوم باتت بعهدة الرّئيس برّي. وبالنّسبة إلى دولة الرّئيس، إنّ اتّفاق الطّائف لم يمنح طائفته التّوقيع الثالث على مراسيم الدّولة. من هنا، نفهم استماتته وقتاله في فترة تشكيل الحكومة السابقة لانتزاع وزارة الماليّة. ونجح في معركته هذه. لهذه الغاية، برّي سيتابع نسف الوفاق لصالح صيغة جديدة تحدّث عنها “حزب الله” في الماضي القريب وعرفت بالمثالثة. لكن، كما اعتدنا على “الأرانب” التي تخرج دوماً من قبّعة دولة الرّئيس، فهذه المرّة قد تكون موافقة برّي على تسيير هذا الملفّ العالق منذ أكثر من سنتين مشروطةً بصيغةٍ جديدة قد يطرحها هو شخصياً.
أمّا تهويل مصادره بأنّ العودة إلى ثنائيّة 43 قد تنتج حرباً جديدة، فما هو إلا لتذكير اللبنانيّين بفائض قوّة سلاح شريكه بالمخطّط، أي “حزب الله”. بين الميثاق الذي سقط بالوفاق نترقّب اليوم بحذر شديد جدًّا الصيغة التي قد يطرحها برّي، والتي لن تكون مقبولة إلا إذا انطلقت من الوفاق الذي دفعنا ثمنه كلّنا كلبنانيّين عامّة وكمسيحيّين خاصّةً. ولن ننسى الإقصاء الذي مورس بحقّنا من قبل من تولّى الحكم طيلة فترة الوصاية القديمة والجديدة. ولن نرضى بأقلّ من رئيس يملك ويحكم بكامل صلاحيّاته التي سنسعى لتكون هي الصيغة التي سنطرحها مع قانون انتخابٍ يؤمّن لنا ولكلّ اللبنانيّين التّمثيل الصّحيح. وإذا كان الرّئيس برّي حسن النّوايا فالمفتاح الآن بيده، فليتفضّل.