#adsense

التهويل بالحرب الأهلية يسيء إلى صورة بري ودوره

حجم الخط

الكلام الملِّوح بالحرب الأهلية الصادر عن مصادر رئيس مجلس النواب نبيه بري في الزميلة “الأخبار” اليوم غير مقبول على الإطلاق، وعدا عن كونه لا يخيف أحدا يدين بالدرجة الأولى الرئيس بري وتجربته وموقعه، ويدل على هشاشة ما يسمى المصالحة الوطنية، ويظهر ان هناك فريقا لا يؤمن بالديموقراطية وما زال على استعداد لتوسل العنف ليس للدفاع عن حقوق وجودية، إنما عن مصالح شخصية يشعر ان انتخاب العماد عون يشكل تهديدا لهذه المصالح.
وكل الكلام الصادر عن تلك المصادر لا يمت إلى العقلانية والموضوعية والصدقية بصلة، إنما ينم عن تعبير غرائزي وغددي وذاتي، خصوصا ان انتخاب عون، لو حصل، يكون نتيجة ترشيحه من قبل “حزب الله” وتمسكه بهذا الترشيح بالدرجة الأولى، وبالتالي وصف انتخابه بانه يشكل انقلابا على اتفاق الطائف واستهدافا للشيعية السياسية وعودة إلى ميثاق العام ٤٣ يعبر عن مبالغات لا اساس لها ولا تخرج عن سياق التحريض والتوتير وصفّ الكلام الفارغ.
وكان الأولى بهذه المصادر الحريصة، ونحن معها وإلى جانبها وحتى أمامها، على عدم العودة إلى ما قبل اتفاق الطائف ان تكون حريصة بالقدر نفسه على حسن تطبيق هذا الاتفاق، بدلا من ان تكرس الانطباع السائد بانها موكلة السهر على منع تطبيق هذا الاتفاق وتثبيت صيغته السورية التي أدت إلى شطب المكون المسيحي عن سابق تصور وتصميم.
وكان الأولى بهذه المصادر أيضاً التي تقول، ونحن معها وإلى جانبها وحتى أمامها، ان العودة إلى صيغة العام ٤٣ تستهدف الشيعية السياسية ان تكون بالقدر نفسه ضد استهداف المارونية السياسية، خصوصا انها ذاقت طعم الاستهداف، علما ان صيغة ٤٣ لم تكن تستهدف الشيعة إطلاقا، إنما قامت على توازنات تلك المرحلة التي كان الدور الشيعي فيها متواضعا، وذلك خلافا لاتفاق الطائف بنسخته السورية وتنفيذه اللبناني من قبل الرئيس بري الذي حرم المارونية السياسية من حقها في الشراكة السياسية في النظام.
وإذا كان من شيء ملح ومطلوب اليوم فهو إحياء اتفاق الطائف وليس التحريض السياسي من قبيل الكلام عن إحياء صيغة العام ٤٣، علما ان مصادر بري تحدثت عن ميثاق ٤٣ وليس صيغة ٤٣، وذلك إنما عن جهل وعدم فهم معنى الصيغة والميثاق وبالتالي التمييز بينهما، أو عن علم ووعي وإدراك برفض العودة إلى الشراكة السياسية التي يجسدها الميثاق ببعدين: التوافق على تحييد لبنان، وتبدية العيش المشترك على أي أولية أخرى.
فلا العودة إلى صيغة ٤٣ مقبولة، وسنكون في طليعة من سيواجه هذه العودة، ولا الصيغة السورية لاتفاق الطائف مقبولة أيضاً، واستذكار ثنائية الرئيس بشارة الخوري والشهيد رياض الصلح جاءت في سياق تطمين الطائفة السنية ان انتخاب عون حليف “حزب الله” والشيعية السياسية لن يشكل استهدافا للسنية السياسية، وأعاد من ذكّر في هذه المعادلة التأكيد على رفض الثنائيات والثلاثيات والرباعيات، وبالتالي من المعيب تحميل ذاك الكلام أكثر مما يحتمل، بل استغلاله من أجل رفض عودة الشراكة الحقيقية على مستوى النظام.
فالاعتراض الذي تحدثت عنه مصادر الرئيس بري محوره الأساس يتركز على رفض “تنصيب رئيس “القوات اللبنانية سمير جعجع ولياً للعهد لقيادة الأكثرية المسيحية”، ورفض “منح “القوات” وزارة سيادية”، ورفض ان “تكون كافة الوزارات المسيحية في حكومة ما بعد الانتخابات من حصة “القوات” و”التيار الوطني الحر”.
ولكن السؤال الأساس من نصّب الرئيس بري ان يكون غازي كنعان ما بعد الانسحاب السوري من لبنان يضع الفيتوات على هذا الفريق ويوزع من كيس غيره الوزارات والحقائب؟ فهل من يتدخل أساسا بالحصة الشيعية، ولو افترضنا ان ما قالته المصادر صحيحا، فهل يحق لمن يصادر المواقع داخل طائفته ان يمنع غيره ليس بان يحذو حذوه، إنما من ان يصحح الخلل المقصود باستهداف المكون المسيحي التمثيلي بفعل الاحتلال السوري للبنان؟
وإن دل كلام المصادر على شيء، فعلى انه ممنوع على المسيحيين استعادة شراكتهم وحضورهم ودورهم في النظام السياسي، وهذا الكلام لا يمكن ان يفهم منه غير ذلك. ومن ثم عن اي سلطة تتحدث المصادر في ظل إمساك “حزب الله” بالقرار الاستراتيجي للبلد، هذه السلطة التي تحولت إلى مجرد إدارة محلية ومحدودة الصلاحيات؟
ويبقى كل الأمل ان يتبرأ الرئيس بري من كلام مصادره وينفيه جملة وتفصيلا، لانه يسيء إلى صورة رئيس المجلس ودوره الوطني المعوّل عليه من كل الجهات وفي طليعتها “القوات اللبنانية”، فمن حقه الطبيعي الاعتراض على انتخاب عون ومواجهة انتخابه بالطرق الديموقراطية، ولكن ليس من حقه ولا من حق غيره التهويل بالحرب الأهلية، ولا وضع الفيتوات على هذا الفريق السياسي او ذاك، ولا التحريض المذهبي.
ولكن ما تجدر ملاحظته ان “حزب الله” يتساهل في كل ما هو داخلي ويتشدد في كل ما هو خارجي، فيما بري يتساهل في كل ما هو خارجي ويتشدد في كل ما هو داخلي، فهل هذا التباين يشكل تعبيرا عن توزيع أدوار بين بري و”حزب الله”، ام يؤشر إلى تباين فعلي؟
اعتقد، وهذه وجهة نظر شخصية، انه ينم عن تمايز فعلي وليس عن توزيع أدوار، ويجب ان يبنى على الشيء مقتضاه…
المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل