
تمسك “حزب الله” بترشيح العماد ميشال عون أدى إلى أربع نتائج عملية من طبيعة استراتيجية:
النتيجة الأولى، ترشيح الدكتور سمير جعجع للعماد عون، هذا الترشيح الذي أدى إلى ترسيخ المصالحة القواتية-العونية، لأن المصالحة لا تتم بالشعارات والقرارات، إنما بخطوات عملية وفي طليعتها تأييد الهدف الأساس لعون وهو الوصول إلى رئاسة الجمهورية، ولولا هذا الترشيح لكانت مصالحة باردة من دون حرارة وأفق سياسي.
فلو لم يتمسك “حزب الله” بعون لكانت اي شخصية توافقية في القصر الجمهوري اليوم انعكاسا لميزان القوى القائم في البلد، وهذا كان من البديهيات السياسية، ولكان الانقسام القواتي-العوني بقي على حاله، واستطرادا الاصطفاف بين ٨ و ١٤ آذار، ولكن دينامية اللعبة السياسية دفعت جعجع في نهاية المطاف إلى ترشيح عون، الأمر الذي لم يكن مطروحا في السابق، وبالتالي على رغم كل الاعتبارات المتصلة بنظرة الفريقين إلى ضرورة التقاطع السياسي بينهما، لا يمكن إهمال العنصر المتمثل بتمسك “حزب الله” بعون الذي أدى إلى تحالف قواتي-عوني، هذا التحالف الذي يفترض ان يتناقض مع مصلحة الحزب وأهدافه.
النتيجة الثانية، ترشيح الرئيس سعد الحريري للعماد عون، هذا الترشيح الذي سيطوي صفحة خلافية بين فريق مسيحي وازن والشارع السني الذي يمثله تيار “المستقبل”، هذه الصفحة الخلافية التي كانت تشكل هما لدى “حكيم” معراب الذي كان وما زال حريصا على عمق لبنان العربي، ورفض استخدام فئة من المسيحيين لشيطنة السنة لأهداف مكشوفة، او استخدامهم لإسقاط اتفاق الطائف.
وهذه المصالحة بين الفريقين ستعيد العلاقة بين الشارعين المسيحي والسني إلى ما كانت عليه في بدايات انتفاضة الاستقلال، الأمر الذي يشكل مكسبا وطنيا، لان اي وحدة داخلية هي مكسب وطني.
وما يفترض تكراره انه لولا تمسك “حزب الله” بعون لما تحققت هذه المصالحة، خصوصا ان الانقسام العوني-المستقبلي كان من ابرز عناوين مرحلة ما بعد العام ٢٠٠٦، فضلا عن ان هذه المصالحة يفترض ان تتناقض مع مصلحة الحزب وأهدافه.
النتيجة الثالثة، ترشيح الحريري لعون أدى إلى طي الصفحة الخلافية الرئاسية بين سمير جعجع وسعد الحريري، وأعاد الاعتبار لمعادلة الـ”سين-سين” التي شكلت الركيزة الأساسية لحركة ١٤ آذار، هذه المعادلة التي تحولت إلى الرافعة الأساسية لوصول عون إلى القصر الجمهوري، وستتحول إلى ركيزة العهد العوني.
والعلاقة بين الحريري وجعجع ليست مسألة تفصيلية، إنما تشكل الضمانة الأساسية للخط الوطني السيادي، ويفترض ان تكون مصلحة “حزب الله” في التفريق بين الحريري وجعجع لا جمعهما في خيار رئاسي واحد، علما انه لو انتخب النائب سليمان فرنجية لكانا افترقا رئاسيا.
النتيجة الرابعة، تقاطع النائب وليد جنبلاط مع “القوات” و”التيار الوطني الحر” في خيار رئاسي واحد، وهذا التقاطع لم يكن ليتحقق لولا تمسك “حزب الله” بعون وترشيحه من قبل جعجع وحرص جنبلاط على عدم التناقض مع الحيثية التمثيلية للتيار و”القوات”. وعلى رغم ثبات العلاقة بين “القوات” و”الاشتراكي” إلا ان خطوة جنبلاط أعادت تزخيم مناخات المصالحة في الجبل، فهل من مصلحة “حزب الله” تطمين جنبلاط مسيحيا وترسيخ المصالحة في الجبل.
وانطلاقا مما تقدم، وبمعزل عن الأحكام المسبقة من “حزب الله” او نياته، فإنه لا يمكن التقليل إطلاقا من الدينامية السياسية التي ولّدها تمسكه بترشيح العماد عون والذي قاد إلى نتائج وطنية توحيدية مسيحية-مسيحية ومسيحية-إسلامية يفترض ان تتناقض مع استراتيجية الحزب إذا كانت قائمة على سياسة “فرق تسد” التي اعتمدها النظام السوري وورثها عنه “حزب الله”.
ويبقى السؤال، هل هذا ما أراده “حزب الله” فعلا؟ ولماذا؟