#adsense

عون رئيساً…

حجم الخط

إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1582

إنها مسألة وقت فقط. قضي الأمر. في 31 تشرين الأول الحالي العماد ميشال عون سيكون رئيساً للجمهورية. إنها مسألة أيام إلا إذا حصل ما ليس متوقعاً من باب أن الله وحده يعلم ماذا يخبئ المستقبل. لم يكن من السهل أن تمر طريق الجنرال إلى بعبدا عبر معراب. في 18 كانون الثاني الماضي اتخذ رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع القرار وأطلق المسار. انتظر الرئيس سعد الحريري عشرة أشهر حتى انضم إلى هذا الخيار. مع التقاء عون وجعجع والحريري باتت المسألة مسألة وقت فقط. ليست مسألة بسيطة أن يصير العماد عون مرشح أكبر مكوّنين من مكوّنات قوى 14 آذار وأن تعارضه مكوّنات أساسية في قوى 8 آذار. فهل ستكون رئاسة عون انقلاباً على التوازنات التي كانت؟ وهل ستشكل محاور تحالفات جديدة؟ الأهم أنها ستطلق مسارا يبدأ من جلسة 31 تشرين الأول التي ستكون تاريخية ويمر بتكشيل حكومة العهد الأولى ويصل إلى انتخابات الربيع المقبل. فهل سيكون ربيعًا للبنان؟

لم يصدق كثيرون أن المسار الذي أطلقه سمير جعجع من معراب سيمكِّن العماد ميشال عون من الوصول إلى قصر بعبدا. اعتقدوا أن كل ما يفعله لا يعدو كونه مناورة سياسية لن تكون لها نهاية. بعد عشرة أشهر بدا كأن اللعبة وصلت إلى نهايتها وبات من المطلوب أن يحدد المعنيون مواقفهم: مع العماد عون أم ضده.

في البداية لم يكن التفاهم بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” شاملاً موضوع الرئاسة. عندما زار الدكتور جعجع العماد عون في الرابية في 2 حزيران 2015 لإعلان النوايا كان لا يزال مرشحاً لرئاسة الجمهورية وكان العماد ميشال عون عند موقفه بأنه لا يقبل المنافسة إلا مع الدكتور جعجع.

لقد أرسى التفاهم الذي انطلق من معراب أسساً جديدة للعلاقات السياسية في لبنان. الذين قرأوا سطوره جيدًا أدركوا أنه بمثابة انقلاب في الحياة السياسية وعملوا على هذا الأساس من أجل تطويقه ومحاربته وإسقاطه. استطاع تحالف معراب أن يثبت دعائم التوازن الداخلي تحت عنوان عدم السماح بعد اليوم بتجاوز الأكثرية المسيحية وبأن ما كان يصح في عهد الوصاية السورية لم يعد جائزاً أن يستمر.

لم يكن من السهل إقناع الرئيس سعد الحريري بملاقاة الدكتور جعجع والعماد ميشال عون إلى خيار عون رئيسًا للجمهورية. كان الرئيس الحريري متمسكاً بخيار النائب سليمان فرنجية ومتخوفاً من التخلي عنه. تجربة الإنتخابات البلدية كانت قاسية عليه خصوصًا في طرابلس وبيروت. خاف أن يخسر أكثر إذا رشح العماد عون. ولكن في الواقع كان هناك من يعمل على منعه من اتخاذ هذا الخيار بالتهويل عليه من أنه سيفقد شعبيته وأنه سيكون خاضعاً لقرار “حزب الله” وأن المملكة العربية السعودية لن تقبل ولن تسمح بذلك وأن شارعه سينتفض عليه.

ولكن في النهاية كان لا بد من القرار. عندما أدرك المعارضون الحقيقيون لخيار الجنرال عون رئيساً أن الحريري سيفعلها ويرشح عون أخذوا يعملون على منعه من ذلك. الرئيس نبيه بري أعلن أنه لن ينتخب عون مهما كان حتى لو بقي وحيدًا في كتلته. النائب سليمان فرنجية أعلن أنه مستمر في ترشحه حتى لو لم يبقى معه إلا نائب واحد. “حزب الله” لم يحسم موقفه. أمينه العام قال إنه بعد أن يعلن الرئيس الحريري تبنيه خيار عون يكون الإمتحان وطلب من العماد عون أن يتفاهم مع الرئيس بري ومع فرنجية في ما بدا أنه تعقيد لانتخاب عون وإلقاء المسؤولية عليه حصرًا. بعد ذلك تصاعدت حدة الإعتراضات. رسائل كثيرة أتت من دمشق مباشرة وبالواسطة. لم يكن بالإمكان القول إن النظام السوري لا يريد عون ولكن كان ممكناً أن يقول إنه لا يقبل بالحريري في السراي. اتفاق عون ـ الحريري يتضمن أن يكون عون في بعبدا والحريري في السراي. الفيتو على الحريري كان يهدف إلى تعطيل تفاهمه مع عون وامتناعه بالتالي عن الإعلان عن قرار تبني ترشيحه. لم تنجح هذه اللعبة.

ذهب الوزير علي حسن خليل إلى باريس ليلتقي الرئيس سعد الحريري في مكان عام ليبلغه أن الرئيس بري يرفض قطعياً خيار عون ويطلب منه أن يتمهل في اتخاذ القرار وأن يبعد هذه الكأس عنه. ولكن الحريري كان صار في مكان آخر. أتته إشارات إيجابية من باريس ومن المملكة العربية السعودية ومن العماد ميشال عون. كلام الجنرال في إطلالته التلفزيونية وفي مسيرة تياره على طريق بعبدا في 16 تشرين الأول الحالي كانت مشجعة وكذلك كلمة رئيس التيار الوزير جبران باسيل خصوصًا عندما تحدث عن الميثاقية التي يؤمنها الحريري وعون معًا مذكرًا بتلك التي كان يؤمنها بشارة الخوري ورياض الصلح. لقد بدا واضحًا أن هناك صفحة جديدة يتم فتحها مع “تيار المستقبل” وأن هناك صفحة يتم إقفالها مع الذين استمروا في معارضة انتخاب العماد عون.

يوم الثلاثاء 18 تشرين الأول الحالي كان يوم القرار. جمع الرئيس سعد الحريري كتلته النيابية وأبلغهم بالأمر. كان بيت الوسط كخلية نحل. معظم المعترضين حاولوا أن يثنوا الرئيس الحريري عن خطوته. ولكن ما كتب كان قد كتب. عشرة دقائق مع الوزير علي حسن خليل لم تكن كافية لتغيير القرار. الكلام الكبير الذي نسب إلى الرئيس نبيه بري قلب المقاييس. تحدث عن عودة الثنائية المسيحية ـ السنية التي تريد عزل المكوّن الشيعي، وعن أنه سيكون معارضًا طوال العهد. وتحدى الرئيس سعد الحريري إذا كان سيتمكن من تأليف حكومة العهد الأولى التي لن يشارك فيها، وتحدى “حزب الله” في القبول بأن يكون في الحكومة من دونه، وذكّر بأن العرض العسكري الذي نظمته حركة “أمل” في النبطية في ذكرى عاشوراء ليس إلى البداية محذرًا من عودة الحرب الأهلية. ولكن ما كتب كان قد كتب.

مسار الرابية ـ معراب ـ بعبدا بات يمر أيضاً عبر بيت الوسط. “حزب الله” في موقف حرج. ماذا يمكنه أن يفعل أكثر تجاه السقف الذي رفعه الرئيس نبيه بري والنائب سليمان فرنجية. إنه يدرك أن العماد ميشال عون يكاد يصير مرشح 14 آذار وهو يخشى أن يصير العماد عون في 14 آذار. عرقلة وصول العماد عون إلى قصر بعبدا بعدما أيده الرئيس سعد الحريري لن تكون بلا ثمن. لم يدفع “حزب الله” ثمناً مقابل تفاهمه مع العماد ميشال عون في 6 شباط 2006. وبالتالي لا يريد أن يدفع اليوم ثمن عودة العماد عون إلى ما قبل ذلك التفاهم مدركاً بطبيعة الحال أن الجنرال كان في ساحة 14 آذار في العام 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

لقد تجاوز ترشيح العماد عون سلة الشروط والتفاهمات التي تكبله قبل أن يصل إلى قصر بعبدا والتي كانت تهدف في شكل أساسي الى وضع فيتو على تمثيل “القوات اللبنانية” مع اعتبار أن الدكتور سمير جعجع سيكون عراب عهد “الرئيس” عون وستكون لديه القوة المسيحية الأكبر بعد تفاهمه مع الجنرال وأنه سيكون بطبيعة الحال مرشحًا طبيعيًا للرئاسة وفق القاعدة التي أرساها مسار ترشيح العماد عون. ولكن هذه المحاولات أيضاً فشلت بحيث أن هذا المسار يخرج عن إطار الثنائيات والسلال ليضع الرئاسة والجمهورية على طريق مسار الديمقرطية الصحيح أي خطوة خطوة.

على هذا الطريق بعد انتخاب العماد عون ستتم تسمية الرئيس سعد الحريري لتشكيل حكومة العهد الأولى. هذه الحكومة ستكون حكومة انتخابات وستكون حكومة وحدة وطنية وسياسية شاملة باستثناء من وضعوا أنفسهم من اليوم في صفوف المعارضة. هذه الحكومة ستذهب إلى انتخابات نيابية في أيار المقبل وهذه الإنتخابات ستفرز التوازنات الجديدة وعلى أساسها سيتم تحديد مسار العهد الرئاسي الذي لن يبدأ فعليًا إلا بعدها.

على أي أساس ستحصل هذه الإنتخابات؟ هل يمكن أن تكون خارج سياق بعبدا ـ معراب ـ بيت الوسط؟

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل