عن أسطورة اسميناها… سمير جعجع

هناك في تلك الجبال التّي لا تسكنها سوى النسور، بخطىً ثابتة وإيمان لا تزعزعه التجارب يخطّ سيّد معراب حروف ملحمةٍ أشبه بتلك التّي نعرفها من التاريخ الإغريقي والعصور الغابرة.

هناك في حنايا تلك القلعة، تاريخٌ يُكتَب في رجلٍ أبى أن يسير لبنان بعكس مسار التاريخ.

بعيداً عن تأليه قائدٍ وتمجيد زعيم، أكتب سطوراً لا يعرف عمق أغوارها سوى من عايش و يعايش تلك الأحداث عن قرب.

لم يبدأ لغز سمير جعجع وقضيّته برسم علامات الاستفهام لدى المراقبين منذ زمن قريب، بل كان قبلة أنظار الكثيرين منذ سطع نجمه أيّام الحرب اللبنانيّة، تنوّعت الآراء حوله بين الإعجاب والإقتناع والخوف والإتّهام، فهو رجلٌ امتهن المهمّات الصعبة والمواقف الحرجة فكان المبادر حيث لا يجرؤ آخرون.

رجلٌ أضحى قضيّةً، علمه قضيّةٌ، حربه قضيّة، ثورته قضيّة، مشروعه قضيّة، سجنه قضيّة، تحريره قضيّة وسياسته أيضاً قضيّة.

لم يقطف سمير جعجع كغيره من أمراء الحرب ثمار القتال، بل ابتلع وحده زؤان تلك السنين السوداء وحمل أوزارها و يوم أضحى حرّاً تحت سماء الوطن رفض الدخول في لعبة السلطة لتقاسم المقدّرات المقدّسة لشعبٍ عانى الأمرّين من سياسات أكلة الجبنة واللاهثين خلف الحصص.

يسأل المراقبون كلّ يومٍ عن سرّ اجتذاب شخصيّة سمير جعجع لانتباه الرأي العام و بشكل خاص الأجيال الشّابة التّي دأب الكارهون على زرع صورة سوداء قاتمة في أذهانها عن “القوّات اللبنانيّة” وقائدها.

لكن، فات أولئك السائلون أنّ سمير جعجع في مسيرته رسم في ذهن كلّ شابٍّ أملاً أن يصل إلى القيادة يوماً، كسر سمير جعجع بثورته كلّ التقاليد، فاقتنع كلّ شابٍ أنّ القيادة لم ولن تكون حكراً على فئة ترث المقدّرات من الآباء إلى الأبناء، وأن السلطة ليست وقفاً على العائلات الثريّة والتقليدية فأضحى كلّ شابٍ تربّى في أزقّة البلدات الفقيرة مشروع قائد وسياسيّ ومفكّر ورؤيويّ.

أراد المحتلّ لسمير جعجع صورة السجين المجرم، فأضحى لجيل الشباب القائد الذي لم يترك رفاقه في الصعاب وقاوم بشخصه وعائلته وسنين حياته قبل أن يطلب منهم أن يقاوموا، ذاق عذاب السجون أكثر منهم وعانى الترغيب والتهريب ولم يسقط في التجربة.

ها هو اليوم، كما الأمس وغداّ، يعلي مصلحة مجتمعٍ يحمل إرث شهداء وقدّيسين ومقاومين في بقعةٍ مشتعلة من العالم فوق أيّ مصلحة أخرى. يدقّ بحنكة النحّات المسمار تلو الآخر في نعش أساليب الحكم البائدة، يقود بتجرّد معركة إعادة القرار المسيحيّ لأصحابه، يسطّر بإتقان الخطّاط أسس قيام الوطن النهائي لجميع أبنائه. في عبوره للطوائف يحفظ لكلّ ذي حقٍّ حقّه وفي استعادة حقوق مجتمعه يعيد كلّ ذي حجم إلى حجمه الطبيعيّ.

هو هو، كما دائماً أمّ الصبيّ في كلّ زمان وعند كلّ استحقاق، رئاسة الجمهوريّة التّي يصبو إليها كلّ مارونيّ، في قاموسه تفصيلٌ في مسيرة استعادة الحضور وتحقيق التوازن.

لم يقبل سمير جعجع أن تبقى الرئاسة كرةً يتقاذفها المتخاصمون فيبقى بذلك الوطن في مهبّ عواصف المنطقة ضعيفاً فكان “الحكيم”، الذي أجرى العمليّة الموضعيّة الأدقّ لتسقط من بعدها الأقنعة عن كلّ من يدّعي البراءة ويتّهم سواه بتعطيل الاستحقاق. راهن سمير جعجع على ترشيح العماد ميشال عون إلى رئاسة الجمهوريّة وكسب رهان الحفاظ على الجمهوريّة.

لم يترك سمير جعجع حلفاءه يوماً فهو القائل “مع الحلفاء حلفاء شرفاء، و مع الأصدقاء أصدقاء شرفاء ومع الأعداء أعداء شرفاء”. قدّم سمير جعجع لحليفه سعد الحريري ما لم يقدّمه للحريري أقرب المقرّبين إليه.

فمع تبنيّ الحريري لترشيح عون، تسقط عنه عباءة إضعاف المسيحييّن عبر منع وصول الرئيس القوّي ليلبسها من كان في أساس هذه العمليّة. ظهرت النوايا المبيّتة لدى كلّ الأفرقاء وأضحى الجميع أمام الامتحان الأخير.

وحده مرتاح الضمير، لأنّه كما دائماً حارس المجتمع الّذي لا ينام، الذيّ يتجرّأ حيث لا يجرؤ الآخرون، القويّ وصانع الأقوياء. وحده لم يلن و لم يهادن، وحده ضحّى بالتكتيك ليربح بالاستراتيجيا، وحده مقاوم في الحاضر حفاظاً على التاريخ وصوناً للمستقبل لتستمر فصول أسطورة “القوّات اللبنانيّة” التّي أسميناها سمير جعجع.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل