#adsense

شربل أبي عقل: معهد غوسطا ودورة شهداء “القوات” (2)

حجم الخط

كتبت جومانا نصر في “المسيرة” – العدد 1582

شربل أبي عقل: معهد غوسطا ودورة شهداء “القوات” (2)

قال لنا الحكيم: السلم الحقيقي يحتاج قوة حقيقية

  

ما كان شربل أبي عقل ليطأ عتبة معهد بشير الجميل في غوسطا لو لم يؤمن بأن النضال بالبندقية لا يحقق الهدف المنشود لتلك القضية التي آمن بها وهو لا يزال تلميذا على مقاعد الدراسة إلا إذا اقترن بنضال فكري وزوادة ثقافية. وفي الأول من تموز عام 1985 التحق ابي عقل بالمعهد ليرسم بقرار منه وقناعة خطوة إضافية في تاريخ مسيرته العسكرية. بل قل خطوة متقدمة على طريق الإحتراف. وبين الدورات الفكرية والعسكرية التي كان يتنقل فيها بين أقبية الدير العتيق الذي تجاوز عمره الألف عام والجبهات، أقسم شربل ورفاق الدورة الأولى ال21  النذر الرابع بعدما شهدت جدرانه وأقبيته على نذورات الرهبان الثلاثة العفة والفقر والطاعة. هناك كان النذر الرابع والقسم: المقاومة في سبيل القضية المسيحية وأن يكونوا أمناء على الأرض والوطن وأوفياء لدماء الشهداء. وفي 28 كانون الأول 1985 تعمد شربل ورفاق الدورة الأولى بالسيف وبإشارة الصليب المقدس والتزموا بالقضية لينقلوها لاحقا إلى دفعات جديدة مؤمنة بحق الشعب المسيحي العيش بكرامة. في اليوم نفسه كان رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية إيلي حبيقة يوقع الاتفاق الثلاثي في دمشق. وفي 15 كانون الثاني 1986 أي بعد أسبوعين أسقط سمير جعجع الاتفاق الثلاثي وكان “محترفو الحرب للسلم” ينفذون اول خطوة من قسم العهد. شربل أبي عقل ورفاق الدورة كانوا هناك.  

قبل أن يستدعي سمير جعجع شربل أبي عقل إلى مكتبه ذاك الصباح في المجلس الحربي في الكرنتينا ليطلب منه تسجيل إسمه للإلتحاق بمعهد بشير الجميل في غوسطا، كانت انتفاضة 12 آذار 1985 التي شارك فيها أبي عقل. ومع أنه يرفض الخوض في تفاصيلها على رغم أهميتها على مستوى ترتيب المؤسسة العسكرية التي هيأت الخطوات نحو هيكلية “القوات” وخلق مفهوم التراتبية من خلال معهد الكوادر في غوسطا إلا أن المشاهد التي تعبر في ذاكرة أبي عقل تأبى إلا أن تخرج ولو في الخطوط العريضة” “بتذكر كان الحكيم بالفيدار وكانت الحواجز على طول الخط الساحلي لمحاصرة سمير جعجع وبالتالي عزله. عملنا موكب عسكري كبير وكان الحكيم على رأس هالموكب. انطلقنا من الشمال وبلشنا عملية إسقاط الحواجز وصولا حتى البيت المركزي. هونيك اكتملت الاتصالات مع كريم بقرادوني وإيلي حبيقة واتفق يومها على تشكيل الهيئة التنفيذية كقيادة اجتماعية، ولكن بعد 9 أيار عمل حبيقة شبه انقلاب داخلي وصار رئيس الهيئة التنفيذية، وتسلم الحكيم رئاسة هيئة الأركان العامة بـ”القوات اللبنانية”. ومن يومها بلش الحكيم التحضير لترتيب المؤسسة العسكرية على مستوى الهيكلية والتراتبية من خلال معهد بشير الجميل”.

عام 1985 اختير دير مار شليطا القديم المشيد قبل 1300 عام والذي تهدم ثلاث مرات بفعل مرور الزمن، ليشهد على ولادة مدرسة الكوادر في القوات اللبنانية. وقبل استقبال تلامذة الدورة الأولى خضع الدير لعملية ترميم وصيانة استغرقت نحو الشهرين فصار شاهدا على نواة قادة عسكريين التزموا الشهادة والخبرة  بأن القيادة ليست منصبا بل مسؤولية، والرئيس خادم مرؤوسيه.

“عم بترجعيني كتير لورا”. يقول شربل أبي عقل الذي يصر أن يكون دقيقا في استعادة تلك الصفحات التي شكلت محطة مفصلية في مسيرته العسكرية. ويضيف: “كان الحكيم بلش يحضر للدورات بمعهد بشير الجميل مع مجموعة من مصلحة الطلاب بـ”القوات اللبنانية”. وبأحد الإيام بيوصلني خبر إنو الحكيم طالب يشوفني بمكتبو بالمجلس الحربي بالكرنتينا. بنزل عالموعد مع الرفيق سيزار المجبّر. بس فوت ع المكتب بيقللي الحكيم إنو بدنا نبلش بدورات لتخريج الكوادر بمعهد بشير الجميل بغوسطا وإنت راح تلتحق بالمعهد. هلق بتروح عا المكتب المحاذي لمكتبي وبتقللو ل سامي الشدياق إنو الحكيم باعتني حتى سجل إسمي وإلتحق بالدورة الأولى”.

لم يكن شربل أبي عقل قد تعرف سابقا إلى سامي الشدياق ولم يكن يدرك انه آت من خلفية عسكرية وتحديدا من مؤسسة الجيش اللبناني. عندما دخل مكتبه كان هناك ريمون ناضر والشهيد سليم معيكي وكانا سبقاه لتسجيل إسميهما للإلتحاق بالدورة. “فتت أنا وسيزار وكان سامي عم يدخن الغليون. ما بنسى هاللحظة طول ما انا عم بتنفس. طلب مني سجل إسمي وبلش يسألني عن وضعيتي العسكرية. خبرتو إني آمر فصيلة بثكنة القطارة مع الحكيم وبالسرية 85. حاول يفهّمني إنو النمط اللي بدنا نعيشو بالمعهد مختلف تماما عن حياة العسكر اللي عشناها سابقا. وكرر السؤال إذا كان عندي فكرة عن مفهوم دورة الكادرات والشروط المطلوبة… هون حسيت إنو مطرحي مش هون. استأذنت وفلّيت. استغرب رفيقي سيزار تصرفي. جاوبتو: “أنا مش زعيم عصابة. أنا جايي من خلفية نضال تا إستكمل القضية. وقبل ما فل تركت خبر عند سكرتيرة الحكيم إنو فليت وما سجلت إسمي. ما بلحق أوصل ع مدخل المجلس الحربي بيعيطولي الشباب تا إرجع لأنو الحكيم طالبني ضروري. رجعت ع مكتبو. بس فتت كان عم يبتسم وكأنو عارف بالتفاصيل كاملة. بس أصريت خبرو حتى إنقللو وجهة نظري. لقط التلفون واتصل ب سامي الشدياق وقللو: “راح إبعت لعندك شربل أبي عقل للمرة التانية ما تطرح عليه ولا سؤال. سجلّو إسمو وبس. وفسرلو مين بكون ومن أيا خلفية عسكرية وثقافية. وقبل ما يسكر الخط كرر سجلو إسمو وبس. رجعت ع مكتب الشدياق سجلت إسمي وهيك بلشت المسيرة بالمعهد اللي شكلت محطة مفصلية بحياتي”.

1 تموز 1895 اجتاز شربل أبي عقل بوابة معهد بشير الجميل في غوسطا مع 20 شابا. كانت المرة الأولى التي يتعرف فيها إلى الدير. وعلى رغم الرهبة التي فرضت نفسها في تلك اللحظات إلا ان مشاعر شربل كانت موجهة نحو تلك المرحلة التي وصفها ب”المتقدمة”: “كان كل تفكيري ومشاعري موجهين نحو القضية لأنو كنت عارف إنو في مرحلة جديدة راح بلشا من هاللحظة. مرحلة متقدمة مقارنة مع مسيرتي العسكرية السابقة ، وخطوة إضافية بتاريخي ومسيرتي العسكرية”.

الساعات الأولى اقتصرت على تعريف تلاميذ الدورة على قائد المعهد العميد أسعد أبو جودة وآمر الدورة جوزف سعادة ومساعده الرائد سمعان يعقوب. “كنا 21 شب. قسم منن كان من مصلحة الطلاب بـ”القوات” ومنن عسكر ورفاق خدموا وقاتلوا ع الجبهات. أنا ما كنت بعرف إلا الشهيد سمير وديع بحكم علاقتي الشخصية مع شقيقيه مارون والمرحوم جورج والرفيق ميشال ضومط. كنا نخدم سوا بثكنة القطارة مع الحكيم. وفي قسم كان من مركز “غاما زيرو” وقسم من فوج المدفعية”. بعد التعرف إلى أقسام المعهد والغرف والشروط الواجب الإلتزام بها بدأت مرحلة الإنخراط الفعلي بالمعهد: “أول شي حلقولنا شعرنا عالزيرو وعطيونا كل التعليمات والنظام الواجب اتباعو وهوي أشبه بنظام المدارس الحربية المعتمد بغالبية دول العالم. كان النهار يبلش الساعة 6. نوعا نبلش الحلاقة وننتقل لاحقا لدورات التدريب القتالية والتثقيفية”.

يصمت شربل أبي عقل ليعود إلى تلك المرحلة، إلى ذاك المعهد الذي لم يطأ عتبته بعدما صدر قرار بحل حزب “القوات اللبنانية” وتحويله إلى ثكنة عسكرية تابعة للجيش اللبناني.” خلينا هلق بإيام المعهد. بتذكر إنو بلشنا نتدرب كأنو مش خايضين معارك ولامنعرف شو يعني جبهات. وكانت الدورات القتالية بتشمل قتال فردي وحضيرة وفصيلة ومؤلل ومدرعات… رجعنا نتدرب من جديد. بس ما كنا نتذمر او نعترض على شي لأنو كان الهدف خدمة القضية وانتظار اللحظة اللي راح نتخرج فيا تا نكون قدوة للمجتمع وحراس للقضية “.

إلى جانب الدورات القتالية التي كان يتولاها ضباط في الجيش اللبناني كان يتلقى تلامذة معهد بشير الجميل دروسا في الفكر والفلسفة والثقافة. “أحيانا كان يطلع سمير جعجع ع المعهد بنص الليل ليشرحلنا أهمية الخطوة اللي عم نقوم فيا وقديش لازم نكون جديين خصوصا إنو نحنا كنا تلاميذ الدورة الأولى وبمثابة الإختبار يللي على أساسو راح يستكمل مشروع الكادرات بـ”القوات اللبنانية”. كان حاطت آمال كتيرة علينا ورهاناتو كانت بمحلا متل ما عرفنا لاحقا. لهيك كنا حاسين برهبة الخطوة ومعتبرين إنو هيدا استحقاق وما لازم نستخف ولا بلحظة”.

صحيح أن بعض أسماء الأساتذة الذين كانو يتولون إعطاء دورات في الفكر والفلسفة غابت من ذاكرة شربل أبي عقل لكن الصورة في الغرف والقاعات الحجرية العتيقة لا تزال حاضرة وكذلك أسماء الأساتذة المحاضرين “كأنو مبارح. بتذكر الدكتور إدوار البستاني اللي كان يعطينا محاضرات بتاريخ الحضارات والإستاذ أنطوان نجم بالعلوم السياسية والفكرية والدكتور ميشال عواد بالإجتماع والأديان والدكتور قنبر عن التكيف والإنسجام داخل الجماعة”. وعلى رغم التحاقه بعدد من الدورات الفكرية والقتالية إلا أن النمط كان مختلفا في معهد بشير الجميل: “هون كان التركيز متوازن بين العلوم الفكرية والثقافية والدورات القتالية وكلو بهدف خدمة القضية. حتى تعاطي تلاميذ الضباط والتفاعل كان مختلف لأنو الأفق كان أكثر وضوح ورايح باتجاه تخرج كادرات لتتسلم مهام من ضمن تركيبة عسكرية واضحة المعالم ذات تراتبية معينة. وهون بقول إنو فعليا بلشنا نبني المؤسسة العسكرية على قاعدة صلبة بعد ما كنا موزعين على ثكنات ومن دون تراتبية وهيكلية واضحة”.

بعد 11 عاما من المقاومة المسيحية وللمرة الأولى تنشأ “مؤسسة المؤسسات” في “القوات اللبنانية”. فمدرسة الكوادر لم تخرج قادة عسكريين وحسب إنما مقاومين ملتزمين ومتمرسين في مفهوم الإنضباط وعظمة التزام الشهادة. هناك أيقنوا بأن القيادة خبرة ومسؤولية وليست منصبا، وأن الرئيس خادم مرؤوسيه. من هناك تخرجوا “محترفي حرب للسلم” كما أشار رئيس هيئة الأركان العامة سمير جعجع في حفل تخريج الدورة الأولى عندما توجه إليهم قائلا: “السلام الحقيقي يلزمه توازن حقيقي والتوازن يحتم وجود قوة عسكرية”. شربل أبي عقل الذي كان مع رفاقه يتابع الدورات فهم ذلك من الأسابيع الأولى “من البداية فهمنا إنو الدورات بمعهد بشير الجميل ما بتشبه أي دورة خضعنالا سابقا لا على المستوى القتالي ولا الفكري. كان المعهد بمثابة حجر الأساس لبناء المؤسسة العسكرية الفعلية، ومفصل بتاريخ “القوات اللبنانية” بيوازي مرحلة توحيد البندقية بمرحلة الثمانينات خصوصا إنو غيرّ مفهوم الجسم العسكري اللي كان منتشر على كافة أراضي المنطقة الشرقية من دون تراتبية ولا هرمية فعلية على جسم مؤسساتي بيدور بفلك آمر ومأمور”.

من تلك اللحظة بدأت المؤسسة العسكرية في “القوات اللبنانية” تسير وفق تدرجها العسكري وتجلى ذلك في الدورات القتالية التي خاضها تلامذة المعهد على الجبهات وعندما استدعاهم الواجب للخروج من المعهد وهذه المرة بصفة مقاتل دفاعا عن الوجود والقضية. “كنا مخلصين دورة الجحيم اللي استمرت 40 يوم. ومعروف إنو خلال هالدورة المأذونيات ممنوعة والعمل بيمتد لمدة 18 ساعة يوميا بين دروس في فن القتال والفكر والفلسفة والإجتماع بالإضافة لتحضير الدروس. بهدف اختبار قدراتنا على المستويين النفسي والجسدي بالإضافة لانفصالنا عن العالم الخارجي. بس خلصت الدورة أخدنا مأذونية لمدة 48 ساعة. كان نهار سبت 10 آب 1988. بهيديك الليلة كنت قاعد بالبيت. فجأة بتلقى إتصال من قيادة المعهد بيطلبوا مني الإلتحاق بأقرب ثكنة. ما عرفت شو الموضوع. توجهت على حاجز البربارة وكان هونيك بول عنداري والشباب وخبروني إنو عم تصير حركة إنتفاضة داخلية وبلشت من الثكنة 77 بمنطقة زوق مصبح. اتصلت بقائد معهد غوسطا وطلب مني كون مع الشباب بمنطقة الشمال. رحنا ع ثكنة مستيتا وكان الحكيم مع كريم بقرادوني بس شافني قللي بدك تتوجه انت والشباب عا الثكنة 77 وبلغوني شو بيصير معكن لحظة بلحظة. توجهنا بول عنداري وحكمت حبشي وأنا مع مجموعة من الشباب. نحنا وفايتين منشوف ملالات عم تضهر من الثكنة وبحال تأهب. على أساس بول كان رايح تا يفاوض الشباب بس لما شاف الوضع عسكري على هالشكل عرفنا إنو القصة سبقتنا. بتذكر إنو تعرضنا لإطلاق نار كثيف بس كملنا نحو مبنى “المؤسسة اللبنانية للإرسال” القديم على أوتوستراد جونية وتبلغنا إنن واصلين علينا بالملالات لاحتلال الثكنات التابعة للقوات اللبنانية بعد ما دخلوا مبنى إذاعة لبنان الحر وكان المقرر إنو يفوتوا ويحتلوا مبنى ال إل بي سي ليعلنوا من هونيك نجاح حركة الإنقلاب. بتذكر إنو حصلت معركة وكان معنا نبيل أبو النصر وبول عنداري والشهيد زياد حبشي واستمرت مدة ساعة تقريبا. بعد ساعتين وصل الحكيم بموكب أمني على مبنى دار المعلمين وطلب مني التوجه نحو معهد بشير الجميل لإحضار مجموعة من تلامذة الضباط لمساندة الشباب. يومها طلعت مشي من جهة الحرش وبس وصلت ع المعهد بلغت اسعد ابو جودة بطلب الحكيم بس رفض وجاوبني”ما فيني ابعت معك ولا عسكري”. وبعد اتصال مباشر مع الحكيم نزلت مع مجموعة من الشباب على مبنى دار المعلمين وامنا المساندة للشباب وبهالوقت كانت بلشت المفاوضات والإتصالات وانتهت العملية بانتصار قرار القضية وسقوط عدد من الشهدا والجرحى بكل أسف”.

عندما اتخذ سمير جعجع قرار إعادة ترتيب هيكلية مؤسسة المؤسسات من خلال معهد بشير الجميل كان على قناعة بأن حبة الحنطة التي زرعها ستثمر. حبوب الحنطة لم تخذله وهو كما العادة لم يخطئ في رهاناته على الزرع ولا على الحصاد. في 28 كانون الأول 1985 وفيما كان رئيس الهيئة التنفيذية في القوات إيلي حبيقة يوقع على الاتفاق الثلاثي في دمشق كان سمير جعجع رئيس هيئة الأركان العامة في القوات يعمد 21 ضابطا بالسيف والشرف. يغرق شربل في الماضي في تاريخ الشرف في تلك اللحظات التي كان يتم التحضير فيها لحفل التخرج الذي أقيم في مطبخ الدير بسبب رداءة الطقس. افتتح الحفل بقداس شارك فيه إلى سمير جعجع ورئيس المعهد العقيد أسعد أبو جودة عدد من القادة العسكريين في “القوات” وأهالي المتخرجين. ورأس الذبيحة الإلهية المدبر طانيوس الصيفي وخدمها تلامذة المعهد. وبعد القداس أنشدوا النشيد اللبناني وسلم تلامذة الدورة الأولى علم القوات لتلامذة الدورة الثانية واختار المتخرجون لدورتهم إسم “دورة شهداء القوات اللبنانية” ويروي شربل: “بعد تسمية الدورة أقسمنا يمين الدفاع عن القضية المسيحية وكنا نتقدم بحال التأهب ونتسلم الشهادة من قائد المعهد ونتعمد بالسيف بيمين رئيس هيئة الأركان العامة ويباركنا الكاهن بإشارة الصليب المقدس ومنرجع ع مطارحنا حاملين التزامنا لننقلوا لدفعات جديدة مؤمنة بحق الشعب المسيحي والعيش بكرامة”.

خطاب جعجع في ذاك الإحتفال لا يزال يحفر في ذاكرة ابي عقل. يستطرد: “يا ريت فينا نرجع للخطاب كل كلمة كان عم يرسم من خلالا خارطة طريق لمؤسسة “القوات” واللي بلشت بإسقاط الاتفاق الثلاثي ب 15 كانون الثاني 1986. هيدي المؤسسة نفسا اللي رفضت الإنصياع لاتفاق الذل والخضوع للمحتل السوري أسقطت الاتفاق الثلاثي. كان كلامو بمثابة ايقونة وشهادة للتاريخ.

نعود إلى مجلة “المسيرة” وتحديدا عدد 28 كانون الأول 1985، العدد العاشر الذي ورد فيه تحقيق عن حفل تخريج ضباط الدورة الأولى من معهد بشير الجميل. نقرأ في خطاب سمير جعجع ومما ورد فيه: “… يعتقد البعض أننا هواة حرب للحرب، ونحن في الحقيقة محترفو حرب للسلم. ولا يعتقد أحد في لحظة من اللحظات أن الوصول إلى سلام حقيقي ممكن من دون توازن حقيقي، مما يوجب قوة عسكرية وهذا ما نحن فاعلون… السلام الحقيقي لا يصنع في الإجتماعات ولا في عواصم الدول الأجنبية بل على أرض الواقع وحينئذ قد يعلن من قاعات الإجتماعات. وإذا كنا نسعى إلى سلام حقيقي علينا السعي إلى توازن حقيقي بل قل لقوة عسكرية حقيقية. وما دمتم موجودين لن نخاف على حدود البلاد ولا على حريتنا وكرامتنا ولن نخاف على صيغة التعايش الفعلي بين اللبنانيين المتجسدة بالدستور اللبناني… مع هذه التطلعات أدعوكم إلى أن تكونوا قادة فعليين . فالمهمة الملقاة على عاتقكم أكثر من عسكرية نظرا على الفساد المستشري في المجتمع. وكما كنتم قدوة وأفسحتم في المجال أمام الآتين بعدكم في المعهد، ستكونون القدوة وتفتحون الطريق للذين سيكونون معكم في الحياة”.

النجمة التي علقت على كتف كل ضابط حملته مسؤولية أكبر مما كان يتصورها البعض. “شخصيا حسيت إنو ما عدت المقاتل اللي بيحمل بارودة وبيلبس البدلة تا يقاتل وبس، مع انو ولا مرة حملنا البارودة إلا دفاعا عن كرامتنا والعيش ودفاعا عن اهلنا وشعبنا. صرت حس إني مسؤول عن تصرفاتي الذهنية عن كل حركة عن كل رد فعل ضمن مجتمعي القواتي والعائلي والوطني. وفكرت إنو إذا ما قدرت ترجم الفكرة اللي على أساسا أسس الحكيم معهد بشير الجميل ما راح فيني جسد المشروع تا وظفو بقضية “القوات اللبنانية” وقضية الشهدا. كل هالأفكار كانت عم تمرق ببالي بس طلعت من المعهد برتبة ضابط . وهون بلش الصراع الجدي بين وجدان القضية المتجذرة والخطوة اللي عم نمشي فيا منذ اللحظة نحو المؤسسة اللي عم نسعى لبناءها”.

بعد التخرج تسلم شربل أبي عقل قيادة دورة الكادرات الثالثة في معهد بشير الجميل وكان اول ضابط يتسلم هذه المسؤولية. عن هذه المهمة يروي: “طبقت على تلاميذ الضباط الخبرات الفكرية والقتالية التي اكتسبتا من ثكنة القطارة وسرية ال 85 وسوق الغرب والجبل وصولا إلى معهد غوسطا وكانت خلفية تلامذة الدورة وعددهم 31 موزعة بين أكاديميين ومقاتلين لكن كان يفترض على الجميع الخضوع لامتحان دخول نفسي وثقافي وبيتخلل الدورة تدريبات ميدانية على الثلج ودورات قتالية على الجبهات وداخل الثكنات والمراكز العسكرية بالإضافة إلى دورات الغطس”.

بعد الثالثة تسلم ابي عقل الدورة السادسة وفي هذه المرحلة بدأ يستقطب المعهد دورات إعادة التأهيل التي جمعت عددا من الشباب النخبة بهدف تأهيلهم ليكونوا قادة ثكنات وفصائل وآمري سرية على مستوى قائد ميداني فعلي بحسب تعليمات الحكيم. الإختبار أثبت نجاحه وبدأت أفواج التخرج وصولا إلى حفل التخرج الكبير في مطار حالات عام 1988 الذي شكل محطة فاصلة في تاريخ “القوات” ورسخ مشروع تركيبة المؤسسة العسكرية وأظهر للرأي العام حجم انضباط عديد “القوات” ضباطا ورتباء وأفراد “في هذه المرحلة أطلق سمير جعجع مشروع صندوق التعاضد الإجتماعي وعمليات القلب المفتوح والنقل المشترك وكان شعاره “كل قرش منجبيه نصفه للقوات والنصف الآخر للمواطن… حتى نظرة الناس تغيرت تجاه “القوات” وتحولت إلى نظرة احترام وتقدير لتضحيات الشباب والخدمات الإجتماعية التي تقدمها المؤسسة”.

عام 1987 تسلم ابي عقل مهام حماية المجلس الحربي من ضمن الوحدات المؤهلة ولاحقا قيادة معهد ضبيه لتخريج رتباء وأفراد “القوات اللبنانية” (دورات إختصاص) واستمر في هذه المهمة حتى العام 1988. وفي نهايته تسلم قيادة جبهة اللقلوق لكن لعنة حرب الإلغاء التي اندلعت شرارتها في 14 شباط من العام نفسه خطفت منه 3  ضباط من رفاق دورته هم  سليم معيكي وغسان أبو الياس وسمير وديع” ليلتا كنت بعين الرمانة. فجأة بسمع صوت رصاص. ما اهتميت للأمر ع أساس المنطقة على خط جبهة نار. شوي بيصير صوت الرصاص يلعلع بتوجه نحو ثكنة قصارجيان وبعرف إنو الجيش تحرك وأخذ مراكزنا المتواجدة بالمنطقة وما عدت قادر إطلع من المنطقة… كانت حرب قاسية وموجعة شباب كتير استشهدوا بس حزني على غسان وسمير وسليم كان كبير وحفر حتى العضم…”.

حرب التحرير لم تكن أقل وجعا ودمارا على المستويين النفسي والبشري لكن السلاح الموجه نحو العدو السوري حول مسار نمط القتال “كنت على جبهتي الممتدة من جرد فتوح كسروان وصولا إلى الحدث-الجبة – أرز تنورين. وكانت مهمتنا مساندة الجيش اللبناني بسلاح المدفعية”.

عندما أصيب شربل ابي عقل في حرب الإلغاء عام 1990 كان يتحضر لدورة اجتياز رتبة من  ملازم اول الى رتبة نقيب “صار في مواجهة قدام معمل السجاد على أوتوستراد الصفرا. كنت وحدي بنص الأوتوستراد بلش ينزل عليي الرصاص.. انصبت بإجري وراسي وضهري وفجأة بتوقع قذيفة ب7 خلف الجيب اللي كنت فيه. بطير من السيارة وبصير بنص الأوتوستراد وصار الرصاص ينزل عليي متل الشتي. بتمرق سيارة من نوع مرسيدس وبيحاول السائق يخلصني بس ما قدر بسبب قوة الرصاص. بقيت شي نص ساعة ع الطريق. بهالوقت ربطت إجري تا وقف النزيف. فجأة بتوصل سيارة من نوع بيجو 404 لون بصلي. بتوقّف على الفاصل الترابي بمحاذاتي. بستدرك الوضع. بفتح الباب وبكب حالي بالسيارة. بيبلش الرصاص ينزل علينا  بس الحمدالله ظمطنا. بسأل الشب عن إسمو بيقللي جهاد بشراوي وكان رايح مع أختو على جامعة LAU. هون بلشت حس إنو راح غيب عن الوعي وضغطي بلش ينزل لأنو كنت عم بنزف بقوة والدم وصل لمقعد أختو الأمامي وبلشت تصرخ. طلبت منو يوصلني ع مستشفى سيدة مارتين. سألتو إذا بيعرف حدا من الشباب. كان همي تعرف القيادة إني أنصبت. وبس وصلت ع المستشفى طلب دكتور خليل جرمانوس يوقفولي النزيف قبل ما فوت ع العملية… وأنا ممدد ع الحمالة صرت شوف القتلى والجرحى… صليت كتير لأنو كان ممكن كون واحد من هالشهدا لأنو الكمين كان محكم وبس ضهرت من المستشفى بعد 3 ايام رجعت ع مبنى الأوبرلي واستأنفت الخدمة”.

هي العناية الإلهية التي أنقذت شربل من ذاك الكمين وقبله مرات ومرات كاد أن يكون شهيدا ولم يسأل. دائما اتكل على شفيعه شربل وعلى الله ورضى الوالدين. وفي الحلقة المقبلة والأخيرة يروي شربل محطات الظلم والإضطهاد وصولا إلى الزواج الذي كان مطعما بالوجع والفراق والدمع بسبب اعتقاله مرات عديدة لكنه بقي إبن القضية وحارسها وسيبقى.

(يتبع)

شربل أبي عقل(1): تاريخ مقاومة محفور في الذاكرة

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل