
دولة ودويلة فوق الأرض نفسها. واقع غير طبيعي وغير قابل للحياة. الدويلة تتجذّر والدولة تتحلّل. واقع أشبه بالظلمة والنور؛ فحيث توجد الظلمة، لا مكان للنور. وحيث يوجد الضوء لا مكان للعتمة. هكذا هو وضع الدولة والدويلة في لبنان. من يكسب هذه المواجهة؟ بأية كلفة؟ ومتى؟
ولبنان الرسالة الإنسانية والنموذج؛ لبنان الحضارة الأعرق في التاريخ والأغنى؛ لبنان المكتبة والكتاب؛ لبنان ملتقى ومختبر وتفاعل الحضارات والثقافات… هذا اللبنان تحكمه اليوم دولة فاشلة، تكاد أن تطيح بكل معالمه الحضارية والإنسانية. إنه الوطن الذي يضمحل على البطيء، بينما تُفرِّخ على كعب تحلُّلِه، دويلة غريبة بمفهومها الثقافي والحضاري، تصرُّ على عزله عن محيطه التاريخي، واختطافه لوضعه بعيداً في مكان آخر. إنها الدولة الهرمة والمهترئة في لبنان، ودويلة فتيّة تنمو بذور انحلالاته، تتعاظم وتقوى كل يوم على حساب تراجع الدولة وتخاذل رجالاتها؛ إنها دويلة “حزب الله”.
عند استعراض أوضاع دول العالم، وبنية الدولة في كلٍّ منها، اليوم أو عبر التاريخ، يستحيل العثور على وضع مماثل لما عليه لبنان اليوم: دولة ودويلة على أرض واحدة. دويلة فتيّة في لبنان، إسمها “حزب الله”، لا تعدو كونها ذراعاً عسكرياً لإيران الفارسية فوق الأرض اللبنانية؛ هي بمثابة جيش احتلال إيراني بهوية لبنانية للبنان. لأن “قائد” هذا الجيش، السيد حسن نصرالله، يجاهر دائماً ويفخر بالقول “إنه جندي في ولاية الفقيه (الإيرانية)”. والخطأ الأكبر، عندما يقارن البعض وضع “حزب الله” في لبنان، بالحرس الثوري الإيراني. فهذا الأخير (أي الحرس الثوري الإيراني) يشكل جزءاً من القوى الإيرانية العسكرية المسلحة، ويخضع لمؤسسات الدولة، وعلى رأسها الولي الفقيه. بينما يشكل “حزب الله” في لبنان، دويلة مستقلة متفلّتة عن سلطة الدولة، له نظامه الخاص وسلاحه الخارج عن القانون، ومصادره المالية الخارجة عن رقابة الدولة، وقضاؤه الديني واستراتيجيته الإيرانية… التي تتعارض كلها مع وجود الدولة في لبنان. كما لا يمكن مقارنته، حتى مع الحشد الشعبي العراقي المذهبي، لأن هذا الأخير أصبح جزءاً من القوى المسلحة العراقية (وإن كان وضعه موضع نقاش حاد على المستويين الإقليمي والدولي)، ويتلقى أوامره من السلطة العراقية. بينما في لبنان، يُعتبر “حزب الله” ميليشيا خارجة عن القانون، تمثل الذراع العسكري للإحتلال الإيراني للبنان.
الدويلة تتجذّر والدولة تتفكّك. وفي لبنان نظريتان لمواجهة الحزب ودويلته. المتخاذلون عن مواجهته (بالدولة طبعاً) في لبنان، أو الطوباويون، يسوّقون ويبرّرون تخاذل الدولة بالقول: “دعوه يقاتل في سوريا وفوق الساحات، وهو يضعف بخسارة مقاتلين يومياً؛ وعندما يعود إلى لبنان يكون منهكاً، وتُحلُّ الأزمة التي يسببها للدولة تلقائيّاً”. بينما الفريق الآخر يقول: “على الدولة مواجهة الحزب وهو منشغل فوق الساحات الإقليمية؛ لأن انشغاله فوق تلك الساحات يضعفه فوق قاعدته الخلفية (لبنان)؛ وبالتالي، يسهل فرض الشروط عليه وهو منهمك فوق تلك الساحات”.
أصحاب نظرية التخاذل يعتقدون، أن قوة الحزب الأساسية تكمن في عديده وعتاده؛ ويعتبرون أن خسائره بالرجال والعتاد، سوف تضعف وضعه في لبنان؛ بينما الحقيقة أن الحزب لا يستمد قوته وطاقاته الاستراتيجية من الرجال والسلاح فقط إنما أيضاً من عقيدته المذهبية (وهي العنصر الأهم)، التي ترعاها وتغذيها إيران القادرة على تعبئة القواعد الشيعية في لبنان تحت راية “حزب الله”.
فالقول إن الحزب سيضعف فوق الساحة اللبنانية، بعد انتهاء الأزمة في سوريا، خصوصاً إذا قضى الحلّ (وهو الأغلب) برحيل الأسد عن السلطة، فيه كثير من المغالاة. صحيح أن تواصله البري مع المحيط العراقي والإيراني، قد ينعدم برحيل الأسد (أفضل الحلول)؛ لكن النشاط العسكري للحزب في لبنان، وتفلُّته من الإقتصاد الوطني لحساب اقتصاد رديف، وخلاياه حول العالم، والأخطر من ذلك فكره الديني الذي لا يؤمن بلبنان الوطن بقدر ما يعتبره محافظة في خدمة الجمهورية الإسلامية الإيرانية… كلها عوامل لن تتأثر بحلّ الأزمة السورية، حتى لو جاء هذا الحل لغير مصلحته؛ وسيبقى مصمماً على تطبيق استراتيجيته في إضعاف الدولة والحلول مكانها في الوقت المناسب؛ أو على الأقلّ متابعة رهنها لصالح الدولة الفارسية.
أما أصحاب نظرية المواجهة المبكرة بين الدولة والدويلة، ومع إقرارهم بالتداعيات المبكرة على الوضع اللبناني في مختلف الميادين الإقتصادية والأمنية والإجتماعية، إلاّ أنهم يسوّقون لنظريتهم بحتمية المواجهة التي لا بد منها يوماً. وبما أن هذه المواجهة ستبقى حتمية بين نقيضين: دولة ودويلة، فالأفضل أن تحصل على السريع لحسم الأمور لصالح الدولة، قبل أن يستفحل وضع الحزب بشكل أكبر، وخلال انشغاله فوق بقية الساحات، ما يضعفه بالطبع فوق قاعدته الخلفية (لبنان)، أثناء انشغاله فوق الساحات البعيدة.
طبعاً أصحاب هذه النظرية، لا يدعون أبداً إلى المواجهة العسكرية والأمنية بين الدولة والدويلة؛ ولا بين أي فريق لبناني والدويلة، بل يدعون إلى مواجهة الدويلة بجميع اللبنانيين عبر دولتهم وحكومتهم؛ وليس عبر قواهم الأمنية. لأن التراخي والتأخير في المواجهة الحتمية سوف يكلف الدولة أثماناً أغلى؛ خصوصاً أن الدويلة أخذت تبتكر مؤخراً ميليشيات فئوية، تدعمها وتساندها في تقويض الدولة وتفكيكها: من سرايا المقاومة، إلى سرايا التوحيد؛ وقد نصحو غداً على سرايا الجهاد وسرايا الدعم وسرايا القدس… وكلها ميليشيات تردف عمل الدويلة في تخريب الدولة وتقويضها، تمهيداً للإنقضاض عليها وابتلاعها، عندما تسنح الفرصة التاريخية بذلك.
الصراع الوجودي بين الدولة والدويلة مستمر منذ عقود. نتائجه حتى اليوم، تنامي غلبة الدويلة على الدولة. ولكن من يكسب الرهان الأخير في هذا الصراع؟ ومتى؟
في بلد كلبنان يستحيل انتصار الدويلة التي تمثل فئة أقلية، على الدولة التي تمثل الأغلبية بجميع الفئات، وحتى مهما طال الزمن، لأسباب عديدة أهمها: أن لكلٍّ من تلك الفئات، المنضوية تحت سقف الدولة، طاقاتها واستراتيجيتها التي تؤمن لها مجتمعة استمرار الدولة، ومنفصلة قواها الإحتياطية التي قد تضاهي حتى قوة الدويلة. لذا يمكن التأكيد أن انتصار الدويلة على الدولة في نهاية المطاف، أمر مستحيل؛ خصوصاً أن قوة الدويلة الحالية، غير مستندة إلى طاقات ذاتية غير قابلة للنضب؛ إنما إلى قوة خارجية إقليمية، قد تضعف أو تتراجع أو يتبدّل نظامها ومشروعها… فتتغيّر استراتيجيتها؛ وبالتالي تفقد الدويلة منهل قوتها وزخمها، وتعود إلى نقطة الإنطلاق؛ وفي أفضل الأحوال لها، إلى التسليم بالمساواة مع بقية المكوّنات الوطنية. لذا يمكن أن نستنتج، بأن المسار الطبيعي للتاريخ، سوف يسجّل انتصار الدولة على الدويلة في هذه المواجهة. ولكن متى؟ وبأية كلفة؟
هذه المتى، يحددها اللبنانيون مجتمعين عبر دولتهم؛ إما بالمواجهة، أو بانتظار الظروف وقتل الزمن. ففي الحالتين، المواجهة مكلفة للغاية سواء كانت سريعة أو بطيئة؛ كذلك هي عدم المواجهة. وأكبر دليل على الكلفة الباهظة لانكفاء الدولة، هو تدهور الإقتصاد اللبناني منذ عشر سنوات حتى اليوم، لدرجة أن الخبراء الإقتصاديين يخشون القول، بأننا أصبحنا على شفير هاوية الإفلاس في الدولة. ومردُّ ذلك عائد بكل تأكيد، إلى الممارسات الأمنية والسياسية والعسكرية والدينية… للدويلة، التي تكبل الدولة وتقودها نحو إعلان الفشل.
متى ينتهي هذا الصراع، ولصالح الدولة حتماً؟ عندما يقرر اللبنانيون مجتمعين، وبواسطة دولتهم، مواجهة الدويلة. وإلاّ فالنزف مستمر على كل المستويات، الإقتصادية والثقافية والديموغرافية… وبالأثمان الأغلى.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]