
كتب الأب فادي روحانا من الولايات المتحدة الاميركية
غداً سيعود المهاجر الأول من لبنان انطونيوس البشعلاني الذي ترك وطنه عام 1854، يعود بعد 162 سنة الى رحم ولادته “لبنان”.
ولكن انطونيوس! غداً ستأتي ولا أطلب منك إلا الصفح!
سامح من أرغمك على الرحيل الى الوحدة الملونة بالمال الأجنبي، الى ضياع في حضارة ناطحات السحاب التي لم تعنِ يوماً لك شيئاً، وانت هناك تحنٌّ الى زهور بخور مريم، ونبع ماء الضيعة، تحنُّ الى ” منقوشة” الى سماع جرس الكنيسة، والجارة تنادي على “السطيحة” الى فنجان ضحك وقصص وردية تغردها العصافير على أغصان صنوبرة البيت القديم…
غداً تأتي وعذراً، زعماؤنا زرعوا بيروت حجارة. حضارة الباطون زحفت الى جبال خضراء، سقطت الجبال تحت مدافع الإسمنت والتلوث… سنديانة المئتي سنة قبضوا عليها وأعدموها لأنها سألت عن ضميرهم.
غداً تأتي وعذراً، زعماؤنا لوّنوا وجهي، لوّنوا وجوهنا قبائل. حسين في الجنوب، إبن وطني البطل أصبح لونه أصفر. البارحة تصافحنا ببرودة وجفَّ نهر الليطاني…
غداً تأتي وعذراً، زعماؤنا لوّنوا وجوهنا قبائل. أحمد في بيروت، أبن وطني الشَهم، أصبح لونه أزرق، البارحة إلتقينا كغرباء وبكى شارع: “بيت بيوت” حيث لعبنا معاً لعبة السلام والاخوّة.
غداً تأتي وعذراً زعماؤنا لوّنوا وجوهنا في كسروان والبترون وطرابلس ألواناً ألواناً. أصبحت أسماؤنا ألواناً. قضيتنا ألوان، الى أن تشوّه لبنان.اللون قبل الوطن. ألوان مستوردة، برّاقة بطلّتها، سمّ أفاعي عند دهنها. ألوان حجبت عن عيوننا الحقيقة، والحقيقة هي أنّ حسين وأحمد وكل أهل شارع “بيت بيوت” هم منذرون جميعهم للارز، هم جميعهم منذرون منذ القديم لقمح البقاع، وكروم عكار، يسأل تراب الوطن كل صباح عن كل واحد منهم فرداً فرداً يسألُ عن أحواله وأحلامه.
غداً تأتي وعذراً، زعماؤنا تقاتلوا في الليل، على نفايات الشارع وأطلّ الزعيم في الصباح يقدم لي زهرة اصطناعية لأصمت دهراً جديداً، ولا أفضحه!
غداً تأتي وعذراً، زعماؤنا وأنا معهم، قطعنا أغصان الارز الاخضر وأشعلناه على اتوستراد الثورة واسمها: “زعيمي على حق”. في المساء رأيت الكنيسة والجامع يبكيان وهاجر الحمام من على قببهما.
غداً تأتي وعذراً، زعماؤنا وأنا معهم، أحرقنا مكتبة جبران، وأقمنا مسلخاً للحيوانات. قتلنا من اعترضنا وصبغنا بدمائه نهر قاديشا ونهر الدامور فنبتت اشواك الحقد على الضفاف…
غداً تأتي وعذراً، لا كهرباء لـ10452 متراً مربعاً لأنّ زعمائي قدّموا لي شمعة مع علبة كبريت. فاكتفيت.
غدا تأتي وعذراً، لن تجدني في بيتي فلقد طلب مني زعيمي أن أنزل الى الساحة باسم الحرية كي أغتصب معه كرسياً ليحكم عليه.
بعد مئة واثنين وستين سنة تعود. تعود وكم اشتقت إليك أيها المهاجر الاول انطونيوس. عندما ألتقيك سأعانقك طويلاً، في عناقك سأعانق الماضي الذهبي، سأشمُّ زهور الياسمين، سأرى في عينيك نظرات الارز، في يديك دبكة المحبة، في صوتك هدير الانهار. سوف نذهب معاً الى صخرة “وطى الزيتون” هناك ستخبرني طويلاً عن لبنان الذي هاجرت. ويسقط من السماء شهب نار وننعس على صخرة تعانق ندى الليل. الاب فادي روحانا