
الاستحقاق الرئاسي صنع في لبنان، وهذه المسألة ليست وجهة نظر، إنما مبنية على وقائع سياسية، وهذه الوقائع لا يمكن طمسها بمواقف سياسية لا تقُّر باللبننة لاعتبارات محض شخصية تتصل برهانات خاطئة او لتبرير مواقف معينة، بل من المهم التوقف أمام هذا التطور الذي يؤكد ان العامل الخارجي هو مجرد عامل ثانوي متى توافق الداخل على قضية معينة، ولا حاجة إلى التذكير ان الاتفاق الثلاثي سقط محليا، وان اتفاق مورفي-الأسد حول مخايل الضاهر او الفوضى سقط محليا أيضا.
وما حصل رئاسيا اليوم لا يعني انه تحول إلى قاعدة في ظل الانقسام السياسي اللبناني، إلا ان خمسة عوامل أساسية أدت إلى لبننة الاستحقاق الرئاسي:
العامل الأول، الدينامية الداخلية التي فرضت نفسها بقوة وشكلت عاملا حاسما، والمقصود بالدينامية الداخلية انتقال الدكتور سمير جعجع من المنافسة الرئاسية إلى ترشيح العماد ميشال عون الذي يتمسك “حزب الله” بترشيحه، الأمر الذي دفع الرئيس سعد الحريري إلى التخلي عن ترشيح النائب سليمان فرنجية لتبني خيار عون لاعتبار وطني يتصل بخشيته على اتفاق الطائف، واعتبار سياسي يتصل بدوره السياسي، فاكتمل المشهد الوطني الذي يؤمن انتخاب عون رئيسا.
وهذه الدينامية الداخلية تحققت بفعل ثلاث قوى أساسية: “حزب الله” و”القوات اللبنانية” و”المستقبل”، وبالتالي غياب دور هذا الفريق او ذاك عن التسوية، وليس الصفقة التي كان يُعد لها في أقبية أخرى، لا يعني ان الانتخابات الرئاسية لم تصنع في لبنان.
العامل الثاني، انتهاء الدور الإقليمي السوري الذي حال تدخله المتواصل في لبنان إلى حدود احتلاله كليا دون اللبننة، وبالتالي من العوامل الأساسية المساعدة للبننة انتفاء الدور السوري.
العامل الثالث، رفض المملكة العربية السعودية ان تلعب الدور الذي لعبته سوريا في لبنان، وكل ما حكي عن فيتوات لا أساس له من الصحة، فيما كل همها يتركز على ثلاثة عناصر أساسية: احترام اتفاق الطائف، احترام التمثيل المسيحي وترسيخ الاستقرار.
العامل الرابع، وضع طهران الملف اللبناني بيد “حزب الله” الذي يقرر ما هو الأنسب من دون العودة إليها، فيما قرارات من نوع دخوله إلى الحرب السورية لا تتم إلا بقرار إيراني.
العامل الخامس، لا يمكن التقليل من انشغال العالم الخارجي بأولوياته وحرصه على مسألة واحدة محددة في لبنان وتتصل بالاستقرار إلى درجة انه غير معني في كيفية تأمين هذا الاستقرار، حيث ان السبب الأوحد لاهتمامه بلبنان الحفاظ على الاستقرار بمعزل عن الوسيلة، وبالتالي لو وصل الفراغ الرئاسي لدرجة هز الاستقرار لما تردد بالتدخل لإنهاء هذا الفراغ.
ومن الأسباب التي دفعت البعض إلى استبعاد انتخاب رئيس جديد غياب التوافق الدولي او الصراعات القائمة إن بين واشنطن وموسكو، او بين الرياض وطهران، او صراعات النفوذ الإقليمية والحرب السورية، كما الانتخابات الأميركية وغياب الضغوط الديبلوماسية الجدية لإنهاء الفراغ الرئاسي.
وتبعا لكل ما تقدم من وقائع، فإن الانتخابات الرئاسية صُنِعَت في لبنان، وخلاف ذلك لا يخرج عن المواقف السياسية لأسباب ذاتية ومصلحية.