
بعدما تخلّت “القوات اللبنانية” عن سلاحها مطلع العام 1991، دخل شربل أبي عقل كما الكثير من شباب “القوات” على اختلاف رتبهم ومسؤولياتهم في صراع خصوصا ان الإنخراط في نمط حياة جديدة والإندماج في المؤسسات الأمنية والقطاع العام كان شبه مستحيل بسبب تحكم النظام السوري بكل مفاصل الدولة. شربل أبي عقل عاش هذا الصراع لكنه لم يستمر لأكثر من أيام معدودة. فالقرار بأن يستمر في النضال خارج إطار الحياة العسكرية اتخذه عن قناعة لأنه كان مقتنعا ولا يزال بأن قضية “القوات” ليست مجرد محطات إنما مسار طويل وتراكمي من النضال والمقاومة.
فعلها شربل أبي عقل كما الكثير من الرفاق والضباط وانخرط في نمط النضال السياسي والفكري، لكن مسار النمط الجديد كان مكللا بجلجلة اعتقالات واضطهاد ونضال سري بدأ مع دخول سمير جعجع سجن وزارة الدفاع في 21 نيسان 1994 وصولا إلى يوم الحرية في 26 تموز 2005.
في الحلقة الثالثة والأخيرة يضع شربل أبي عقل نقطة على سيرة نضالات ومحطات من هنا وهناك. محطات لم تخلُ أحيانا من لحظات ضعف وانكسار وحزن وصراع لكنه خرج منها اكثر صلابة وإيمانا وإرادة بالإستمرار في خط القضية التي نذر عمره لها فاستحق شهادة “كنا هناك” ونبقى.

ما لم يقله شربل أبي عقل في الحلقتين السابقتين استعاده في الحلقة الأخيرة ليس من باب نكء الجراح او خربشة صفحات طوي بعضها بفعل المصالحة بين “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” والبعض الآخر لا يزال مشرعا أمام التاريخ والعدالة السماوية، إنما وفاء لكل قطرة دم شهيد سقط دفاعا عن وطن كان يحلم به لأولاده وأجيال المستقبل. مع انتهاء حرب الإلغاء التي خرج منها ابي عقل بأعجوبة إلهية نتيجة إصابته بكمين على أوتوستراد الصفرا، وتوقيع إتفاق الطائف جاءت مرحلة تسليم السلاح إلى الدولة. وفي 3 كانون الأول 1990 كانت قوافل الآليات العسكرية والدبابات التابعة لـ”القوات اللبنانية” تعبر نفق نهر الكلب خارجة من بيروت. يومها كان شربل يجلس في إحداها. يضع رأسه بين كفيه. يصمت لثوان ويتابع: “بتذكر من هيديك المرحلة الاجتماع اللي عملنا إياه الدكتور جعجع بالكازينو. يومها جمع كل ضباط الكوادر وقلنا: “اليوم عم نتحضر لننتقل من مرحلة العسكر للحياة المدنية. بدنا نكون جسم سياسي متصالح مع مجتمعو وناسو. وبدكن تبلشو تفكرو بإطار مجتمعي جديد وتتأقلمو معو تا نحوّل الحزب من ماكينة عسكرية إلى سياسية قادرة إنو تكمل وتنفذ المهمة المطلوبة منا تماما متل ما كان الحال إيام العسكر”. وطلب منا نبلش نتحضر على مستوى ضباط وعناصر للإنخراط بمؤسسات الدولة الأمنية من جيش وقوى أمن، حتى إنو طلب منا نحنا الضباط نقدم على المدرسة الحربية. ما بخفي إنو وقع قرار تسليم السلاح كان تقيل ع الشباب. العملية ما كانت سهلة خصوصا إنو الأحداث سبقتنا، والشباب اللي كان عم بيأمن مدخولو او مصروفو من خدمتو العسكرية لاقى حالو فجأة معلق بالمجهول. والأصعب من هيك انو ما كان في نية لقبولنا بالمؤسسة العسكرية بسبب تحكم النظام السوري بمفاصل الدولة لا سيما منها الأمنية. من هون حصلت عملية تململ بين الشباب، بس الحكيم اللي كان مستوعب كل القلق وردود الفعل كان عم يختصر علينا الطريق من خلال إقناعنا إنو خيارنا الأول والأخير بيرتكز على مؤسسات الدولة وكان عم يكرر على مسامع الشباب إنو المؤسسة العسكرية هيي الضمانة للوطن مع التشديد على تبديل الصورة والمشهد اللي انطبع بالأذهان عن هالمؤسسة خلال مرحلة حرب الإلغاء وكان يقلنا ” هايدي المرحلة بدنا نتجاوزا وبدنا نروح على مؤسسة الجيش الحامي والضامن لهالوطن”.
الإنخراط في نمط الحياة الاجتماعية شابته معوقات عدة خصوصا أن النظام السوري كان لا يزال يتحكم بمفاصل الدولة لا سيما منها العسكرية. من هنا شعرت الغالبية بالإحباط وفضلت خيار الهجرة. ومن ارتأى البقاء كان عليه أن يختار إما البقاء في الحزب بين النمط الفكري والسياسي الجديد أو البحث عن سبل العيش خارج الإطار العملاني للحزب. “هون بلش الصراع بين إنو كمل بالنضال اللي بلشتو على الجبهات بس بنمط جديد او روح فتش عن مستقبلي خارج إطار “القوات”. كان الصراع كبير وقوي وما بخفي إنو حسيت بلحظات ضعف خصوصا إنو أهلي كانو عم يتكفلوا بمصروفي حتى إنو انعرض عليي سافر عند إخوتي وحضرولي كل الأوراق المطلوبة. ما كان بينقص إلا إنو آخذ القرار وحضر الباسبور وسافر”. وصدر القرار الذي لم يتطلب من شربل أبي عقل أكثر من أيام معدودة.” حسيت حالي دخلت بدوامة. وكان القرار اللي اخدتو بيني وبين حالي عن قناعة بإنو (قررت) كمّل هالنضال وحولو من البدلة العسكرية للمدنية وإنخرط بالمجتمع وإتأقلم مع النمط الفكري والسياسي الجديد اللي بلش فيه الحزب حتى ما يموت سليم وغسان وسمير (رفاق دورته الأولى اللذين استشهدوا في شباط 1989) وكل شهدا المقاومة مرتين”.

الإنخراط في الحزب وفق النمط الجديد داخل “القوات”طبقه سمير جعجع من خلال إطلاق دورات الإعداد الفكري التي بدأ ينظمها مع ضباط الكوادر في مبنى الأوبرلي ” كان الحكيم مركزعلى استكمال خط المقاومة بطريقة ونمط مختلفين عن النمط العسكري. من هون بلشت دورات الإعداد الفكري والسياسي اللي كنا نشارك فيا واستمرت نحو سنة. بعدما تسلمت مدرسة الطلائع السياسية بغدراس وكان المسؤول عنا الإستاذ أنطوان نجم. وشارك بهالدورات إلى جانب الكوادر اللي كانت عسكرية طلاب ومهندسين وكان الهدف منا رسم خارطة الطريق الجديدة للإنخراط بالمجتمع بحيث كنا ننقل كل افكارنا للمجتمع الخارجي.واستمرت 3 سنين.
لم تكن المرحلة الإنتقالية من الحياة العسكرية إلى المدنية بالسهولة التي افترضها البعض خصوصا أن سلطة الوصاية كانت بدأت تحبك خيوط جريمة تفجير سيدة النجاة بعدما تأكدت أن قرار النضال والمقاومة لم ينته مع تسليم سمير جعجع السلاح إلى الدولة إلى أن دقت ساعة الصفر في 27 شباط 1994 وحل حزب القوات في 23 آذار واعتقال سمير جعجع في 21 نيسان. يومها كان شربل أبي عقل في غدراس .اعتقل بعد اعتقال الحكيم بهدف الإعتراف بأشياء لم يفعلها. ولم يفعل. عن هذه المرحلة نعود مع شربل أبي عقل إلى مقتطفات مما رواه للزميل نجم الهاشم في مقالتين ضمن زاوية: “4114… قصة النضال السري” (العددان 1434 و 1435):
قصة النضال السري
بـ 21 نيسان كانت القصة صارت واضحة. رح يوقفوا الحكيم. بعدما وصلوا حتى ياخدوه جمعنا الحكيم وحطنا بالجو وإنو رح يسلّم حالو للقضاء ورح يروح معهم. كنت من بين الشباب الموجودين بغدراس وكنا شي مية واحد تقريبًا. مية وشوي. بس بالاجتماع كنا شي عشرين. قال لنا إنو عم يراهن عالقضاء وإنو الملفات اللي عم يتهموا “القوات” فيها مش صحيحة. طلب منا نبقى حد ستريدا حتى نقطع هالمرحلة. يومها كان الحكيم لابس جينز وقميص Carreau أحمر وكحلي. كان كتير رايق. من بعد ما وصلوا المكافحة، بعد شي تلت ساعة بيضهر بيبلغنا ممنوع أي ردة فعل. بيحمل الشنطة اللي كانت جابتلو ياها ستريدا وبيضهر. بينزل عالدرج ونحنا نازلين وراه. كان المشهد كتير مؤثر. وصل على مدخل بوابة الحديد بيتلطع لورا بيشوفني. بيقللي: شربل سكّر الباب ورايي. وما تخلي حدا يطلع لبرّا تا كنت مشيت.
بعد ما مشي الحكيم بيجي الضابط المسؤول عن المجموعة اللي طلعت على غدراس بيطلب من كل الشباب ينزلوا ويتجمعوا قدام البناية. كنا ببنايتين حد بعض. مننزل كلنا ومنتجمع تحت. صاروا ياخدوا أسامينا بالدور ويعملوا تعداد. جابوا آليات عسكرية شاحنات ريو طلّعونا فيها ونزّلونا على بناية لـ “القوات” بأدونيس كان فيها الدائرة الإعلامية. هونيك صارت عملية الفرز. أول ما وصلنا كان صار نص ليل تقريبًا. أول ما نزّلونا طمّشولنا عيوننا وكربجولنا إيدينا بشرطان كهرباء ووقفونا عالحيطان. وبلشوا. واقفين مفرشخين. كلام بذيء. شتائم. صاروا يفرزونا. اللي لازم يبقى. اللي لازم يفلّ. اللي لازم يطلع عالوزارة. أنا طلعت من اللي بيضلوا. أنا وأحد الرفاق رفيق الزين مرافق الحكيم، جابوا سيارة “ب أم” وحطّونا بالصندوق ومشيوا فينا شي عشرين دقيقة تقريبًا. ما كنا عارفين وين صرنا وعند مين. نزلّونا من صندوق السيارة ومشّونا حتى وصلنا لمطرح. فكّولنا عن عينينا. لقينا حالنا بغرفة. يمكن كان صار طلوع الضو.
شوي شوي صارت هالغرفة تنتلي بالشباب من رفاقنا. كانت هالغرفة شي 3 امتار بتلات امتار. يمكن صرنا فيها شي خمسين واحد. ما عاد فينا نوقف.
تاني يوم تقريبًا يمكن كان صار الضهر، بينادوني وبياخدوني لوحدي. بيطمشوني وبيكلبجوني. وبيطلعوني بسيارة. وبيضهروني مسافة قليلة. شي خمس دقايق. نقلوني من مبنى لمبنى. بعدين رجعت عرفت إنو حطوني بمبنى تابع للمكافحة قريب على وزارة الدفاع ورجعوا نقلوني على حبس وزارة الدفاع.
وصلنا على حبس الوزارة ما كنت عارف إنو حبس الوزارة. نزّلوني. غيّرولي الشقفة على عيوني وحطّولي شقفة مرتبة من عندهم. كربجولي إيديي بالكلبجات من ورا ومشوني شي مية متر بين دراج وممرات. حسّيت حالي عم بنزل نزول طوابق تحت الأرض. فتنا لهونيك وبلشت مرحلة التعذيب والتحقيق الجدي.
بالبداية وقفوني عالحيط. مكربج ومطمّش 24 على 24. واقف مفرشخ بلا أكل وبلا شرب. من ليلة 21 لتاني ليلة. بلش التحقيق عن تاريخي بـ”القوات”. وين كنت؟ وين تطوّعت؟ مين كان مسؤول عنك؟ …كان مطلوب مني بالضبط بما معناه إنو قول أنا عملت هيدي وبأمر من سمير جعجع. فهّموني إنو نحنا ما بدنا راسك وما بدنا راس حدا من كل اللي هون. بدنا راس سمير جعجع.
استعملوا كل الأساليب اللي ممكن يستعملوها بالتحقيق. كل وسائل التعذيب. وقفة الحيط ما كانت شي قدام الكهربا. الكهربا كناية عن ماكينة أكيد ما فينا نشوفها لأن كنا مطمّشين. ماكينة زغيرة بيمسكها المحقق بإيدو وبيضربك فيها على رقبتك من هون أو من ورا أو على خاصرتك أو حتى على أعضاءك التناسلية أو حتى على إيديك من ورا. شحنة كهربائية ما بتقدر تقدّر شو قوتها بس بتعرف إنو بتضربك بالحيط وبتقلبك عالأرض. مرة تنين تلاتة. آخر شي بتصير متل ورقة عالحيط. ما بيعود فيك توقف. بس عم تتنفس. ما في أي حركة.
من بعد جلسات الكهربا بيبلش التعليق بالبلانكو. بيعلقوك من إيديك من ورا ضهرك وبيضلوا يشقلوك تا يرفعوا إجريك عن الأرض. ساعة. ساعتين. تلاتة. بتضيّع الوقت. ما بتعود تعرف إذا ليل أو نهار. الوقت عم يمرق وإنت عم تتعذب(….) كل هالضغط النفسي والجسدي حتى يوصلوك لمطرح واحد. حتى تقول أنا عملت هيدي الشغلة بأمر من سمير جعجع.
كان التحقيق متقطّع وبالتدرّج. بأول التحقيقات جابولي ورقة حتى أكتب سيرة حياتي بـ “القوات”. وين تطوّعت. وشو عملت وكيف تدرّبت ومين درّبك. بعدين نقلوا للملف الأمني. بلشوا معي عمليًا بكنيسة سيدة النجاة. كان مطلوب مني قول إنو أنا شاركت بشكل ما بهالحادث وكنت أرفض قول. يرجع المحقق يقلّي: حتى لو شاركت بترجع بتخلِّص وبتطلع من هالعملية. بدنا منك تقول إنك شاركت وبأمر من سمير جعجع. ما كنت قول. يرجعوا يوقفوا التحقيق وياخدوني عالكهربا. جلسة كهربا. بتصير واقع عالأرض. ما بيعود فيك توقف على إجريك. بيريّحوك شوي وبيرجعوا بياخدوك عالتحقيق: شو؟ تعبت؟ صار فيك تقول؟ إذا بقيت على نفس الموقف بترجع على وسيلة تانية من التعذيب. بترجع بتمرق عالبلانكو. بيتركوك معلّق وبيخبطوك على ضهرك. على إيديك. على رقبتك. بينزلوك وبيرجعوك عالتحقيق. وقت سكّرت معهم بقضية تفجير الكنيسة نقلوا معي على تفجير بيت الكتائب. قول إنك شاركت بأمر من سمير جعجع.
من بعد ما مرقت بكل هالمراحل وما وصلوا معي لمحل بالإشيا اللي عم يطرحوها عليّي انتقلوا لمرحلة تانية من الضغط النفسي. أنا واقف عالحيط. بيعيطلي المحقق بيبرمني وبياخدني مكربج ومطمّش. بيقللي بتعرفو لحنا عتيق؟ قلتلو: بعرفو. قلّو: يا حنا إحكي معو. الظاهر كان الحنون إيديه فالتين. بيحط إيدو عليّي على صدري وبيقللي: يا شربل خلص. خلص كل شي. الحكيم هون. و”القوات” خلصت. وكل شي بتعرفو قولو. قلتلو: يا حنون أنا كل اللي بعرفو قلتو. هودي هني اللي عندي ياهم. قال: لأ. إذا في شغلات بتعرفها لازم تقولها. خلص موضوع “القوات” ما بقا في شي. اللي فيك تقولو قولو. قلتلو: ok. وفلّ الحنون. من بعد ما فلّ بيقللي المحقق: هيدا المسؤول عنك عم يقلك خلصت “القوات”. قلتلو: إيه. بعدو مسؤول عني. طبعًا ما كان ناطر يسمع هالحكي. أكلتها كم كفّ وكم لبطة لأني قلت بعدو مسؤول عني.
(…) بعد كم ساعة انتقلوا معي لشي تاني. بياخدوني بيجروني مكلبج ومطمّش مش شايف شي. يمكن كان صار هيدا تالت يوم. أول يوم أخدونا. تاني يوم بلش التحقيق. وتالت يوم مكمل. لا أكل ولا شرب ولا نوم. بيكلِّس تمك عالحكي. بتطلب نقطة مي بيضربوك. واقف وعم تقلّو بدي إشرب. بيضربك. بتقلّو بدي ارتاح ما عاد فيّي أوقف. بتوقع عالأرض من التعب ما بيعود فيك تتحمّل بيخبطك وبيرجع يحطك بذات الوضعية. بتصير حالتك بين المنهار جسديًا لا عم تاكل ولا عم تشرب وبين المنهار معنويًا لأن بكل الوضعية اللي إنت فيها ما في شي بيسندك.
أخدوني ووقفوني. ما عرفت وين. شالولي الطميشة عن عيوني. لقيت حالي على باب زنزانة وبوجهي الحكيم. لأول وهلة ما انتبهت مين. أخدت القصة لحظات. كان بعدو بنفس التياب، جينز وقميض Carreau. كانوا عيونو مطمشين وإيديه مربوطين لورا. وفيه حرام بنص الزنزانة وهو واقف ومفرشخ عالحرام بنص الزنزانة. عزتني الدني وقت شفت هالمشهد. بس بنفس الوقت أخدت روح. هني ما بيعرفوا إديش قيمة الحكيم عنا. وقت شفتو بهالمشهد حسّيتو واقف متل الرمح. راسو مرفوع. ولا حركة. اعتبرت إنو عم يمرقلنا رسالة. كأنو عم يقلنا ما تخافوا. ما تنهاروا. ما يهمكم. ما بيصح إلا الصحيح. بعدين رجعت عرفت إنو مرّقوا أكتر من واحد من رفاقنا حتى يشوفوا الحكيم وينهاروا. تأثرت كتير ونزلت دمعتي. أنا وواقف قال لي المحقق: شفتو؟ هيدا زعيمك. ما ردّيت. قال لي: ما زال زعيمك هون واقف ليش إنت مكبّر راس؟ كمان ما ردّيت. كانوا صاروا شي 3 ـ 4 دقايق. رجع طلب مني سبّ الحكيم. قال لي: قلّو يا (كذا)… ما كنت ردّ. ما سبّيت. رجع طمّشني وأخدني ودفعت حقها كتير كتير غالي. ضرب بالإيدين والإجرين وبالعصي. كانت صارت آخر مراحل التحقيق. وقت شافوا ما بقا في نتيجة، كنت صرت عالأرض غايب عن الوعي تقريبًا. بين الغايب عن الوعي والواعي، بسمع المحقق عم يقول للعسكري اللي بيجيب المعتقلين وبياخدهم وبيسمّوه عطيه، قال له: يا عطيه. خلص اتركو ما طلع من أمرو شي. بس اطعمو وريّحو هلق(…)
كان التحقيق 24 على 24 وكانوا يتبدّلوا لحتى يتعبونا أكتر.(…) من أول لحظة، أول ما وقفوني عالحيط، اعتبرت إنو المسبحة ما انشالت عن رقبتي. بلشت صلّي. قد ما الوقت تقيل ما بيعود يمرق. قد ما بتسمع عذابات رفقاتك ما بيبقالك إلا الصلاة. بتصير تسمعهم كلهم. وهني كمان بيسمعوك. مرة إنت. مرة هني. رفيق الزين. طوني كاحلة. نبيل أبو النصر… يا عدرا. يا يسوع. يا كهربا. يا بلانكو. يا ضرب بالعصي. متلك متلهم. لا أكل ولا شرب. ما بتقدر توقف. بتقلب عالأرض. كان العذاب عم يجمعنا. والصلاة (…)
أول زيارة لأهلي عالحبس كانت بعد شي 12 يوم (…) بيجي المحقق بيقلي عندك زيارة. جايي إمك وإبن عمك وناطرينك فوق. بتطلع بتشوفهم. بس ولا كلمة. ولا أي شي برّات اللي لازم تقولو. بس بتطمن عليهم وإذا بدّك شي غراض بتقلهم. قلتلو: ok. طلّعني على ذات الطريق اللي جابني عليها. صرت شوف إنو في ضو أكتر. عرفت حالي إنو وصلت على باب برّا. فتحلي عن عيوني وشال الكلبجات. تطلعت على شمالي. لقيت في بعض المغاسل. حمامات. قال لي: بدّك تغسّل وجك؟ قلتلو: بفضّل غسّل لأن مش عارف شو حالتي. غسّلت وجهي. حسّيت حالي عم دوخ. قعّدني. ارتحت شي خمس دقايق. رجع فوّتني عالغرفة. غرفة زغيرة فيها مكتب قاعد وراه عسكري. فات عسكري معي ووقف عالباب. في fauteuil زغير. قاعدة إمي وإبن عمي. قعّدوني على كرسي حدُّن. غمرتني إمي وبوّستني وصارت تبكي…

سألتني أمي: كيفك. كيف صحتك؟ قلتلها: أنا منيح. ما تعتلي همّي. ماشي الحال. كانت جايبتلي تياب ويمكن أكل. ما خلّوها. ما عطيوني ياهم. قالولها: ممنوع الأكل. نحنا منطعميه هون. كانت الزيارة شي عشر دقايق مش أكتر. ودّعوني إمي وإبن عمي ومشيوا. ودّعتهم ورجعت لتحت (…).
من بعد شي جمعتين يمكن من توقيفنا بلّش الحكيم يدقّلنا عالحيط. صرنا نسمع دقّة “القوات” على باب الزنزانة. نحنا بالبداية ما عرفنا مين عم يدقّ هيك. مرة على مرة على روتين الحبس صرنا نعرف إنو بهالكوريدور من هالزنزانة عم تطلع الدقّة بس مش عارفين بعد مين عم يدقّ. كيف عدنا عرفنا إنو هيدا الدكتور جعجع؟ من التراتيل اللي كان يرتلها بصوت مسموع. أكتر شي كان يرتل: يا مريم البكر. وبعض التراتيل للعدرا. كيف بعدين صرنا نحتك بوجودو فوق. من بعد ما صاروا يطلعوا الحكيم كل يوم عالمشي كانوا يسكتوا الكل. يسكت كل شي بالحبس لما بدّهم ياخدوه. بدل ما نكون نحنا نايمين بالكوريدور يقعدونا ونلف إجرينا على بعضهم حتى يقدروا يمرّقوه. لأن الكوريدور كتير ضيّق. شي متر أو متر وعشرين. إذا منكون نايمين ما بيقدروا يمرّقوه بسهولة. يقولولنا: اقعدوا. حطّوا ضهركم عالحيط. اعملوا إجريكم هيك. كنا نعرف إنهم بدهم يقّطعوا الحكيم. كان يمرق من قدّامنا وكنا نقدر نشوف حركتو من تحت الطمّيشات (…).
أول مرة فلّتوني حطّوني على مستديرة الصياد. ما كنت عارف أبدًا إني رح إضهر من الحبس ولا حضّروني ولا قالولي إني ضاهر. أنا وقاعد بيستدعوني بقوم. بروح على غرفة تانية على الغرفة اللي دخلت عليها أول مرة مطرح ما أخدوا مني أغراضي الشخصية. بيعطوني الأغراض. استبشرت خير إنو يمكن ناقليني على غير مطرح. عطيوني حتى القشاط. عالقليلة ما رح إبقى هون. بس خلصوا بيرجعوا بيطمّشوني وبيكلبجوني. وبياخدوني. ما كنت وحدي. كنا شي 3 ـ 4 أشخاص. بيطلعونا على نفس الطريق اللي نزلونا منو. بيطلعونا بآلية عسكرية منوصل لمطرح وبينزلونا من بعد ما فكونا. وين؟ على مستديرة الصياد. الساعة 2 أو 3 الصبح. بيتركونا هونيك وبيروحوا. بهاللحظة أول شي شميت ريحة الحرية. تطلّعنا ببعضنا. كيف بدنا نعطي خبر لأهلنا. كيف بدنا نوصل على بيوتنا. كيف بدنا نتحرك الساعة 3 الصبح. وضعيتنا منهارين مش عارفين كيف بدنا نتصرف. يومها مشيت من مستديرة الصياد على الدورة. ما كان في محل نتلفن منو. وما بتعرف حدا. وما حدا بيسترجي يوقفلك بهالليل. مشيت أنا والشباب على الدورة لعند خالتي. طلعت. دقّيت عليهم. وعّيناهم. تلفنوا الشباب لأهلهم. إجوا أخدوهم. ووصّلوني عالبيت.
قبل ما تركوني بلّغوني إنو كل نهار جمعة الساعة 8 الصبح بدّي كون بالوزارة بشعبة التحقيق حتى خبّرهم شو صار معي كل الأسبوع. بقيت هيك تقريبًا شي 7 ـ 8 أشهر. وقت اللي ما إطلع لفوق يستدعوني على مركز المخابرات بجبيل.
.jpg)
تاني مرة توقفت بالـ 96 وقت صدور الحكم بقضية الكنيسة. طلعنا عملنا تجمّع ببكركي وحكي يومها البطرك صفير. صار في حملة اعتقالات وأنا كنت من بين اللي تم اعتقالهم. رجعنا مرقنا تقريبًا بذات الـ circuit. بس صار معي شغلة مع الحكيم يومها. هني وعم ياخدوا التعداد وكنا صرنا معوّدين من قبل كيف كان يدقّ ويرتل وصرنا عارفين إنو نحنا قاعدين بالكوريدور اللي فيه زنزانة الحكيم. بيسمع الحكيم عم يعيّطولنا بأسامينا. بيعرف إنو في حملة جديدة. بيعيِّطلي. هون كنا صرنا متعودين على روتين الحبس. ما استرجينا نرد. أول شي ما عرفت مين. فكرت حدا من الشباب عم يحكيني. ممنوع تحكي وإذا ردّيت بدّك تتبهدل ويتبهدلوا رفقاتك معك. بنطر 3 ـ 4 دقايق برجع بسمع دقّة “القوات” من جديد وصوت عم يقول: شربل. عرفت إنو الحكيم. بردّ. بيقللي: قلهم للشباب يضلّوا قوايا. قلتلو: حكيم نحنا عتلانين همّك. قال لي: أوعا تعتلوا همّي. أنا ما بني شي. أنا كتير منيح بس إنتو ما تخافوا. وقتها كانت صارت معنوياتنا أكبر بعد صدور الحكم. وحتى الحكيم بالحبس بعد سنتين وكم شهر كان عم يعطينا معنويات حتى نقدر نقطِّع هالمرحلة نحنا وياه من خلال بعض الرسائل والإشارات. من بعد منها كنا صرنا قادرين برّا نعمل شوية حركة (…).
كان في شغلتين أساسيتين عم يحركونا. إيماننا بقضيتنا اللي منعتبرها محقة ودفعنا منشانها كتير من الشهدا. ووجود الدكتور جعجع بالسجن. كل هالمرحلة وصلت لـ 26 تموز لما ضهر الحكيم من الحبس. كنا واقفين بالقاعة اللي بدّو يتم فيها الاستقبال بالمطار مش عارفين أي ساعة بيوصل. فجأة بيوقفوا آليات على يمين القاعة. منتطلع منلاقي جيبين كبار فيهم مكافحة. اعتبرنا يمكن حركة طبيعية. شوي فجأة بيطل الحكيم. بينزل عسكري من قدام. الحكيم كان قاعد ورا. بينزل. منشوفو لابس قميص بيضا عرقان كتير بينزل مصوّر عم يصوّرو وماشي قدّامو. بيفوت بالباب. فجأة لأول وهلة حسّينا حالنا تسمّرنا بأرضنا. ما عرفنا كيف بدنا نتصرّف. بيقلنا: ما بدّكم تسلموا عليّي. بيسمينا بأسماءنا. منقرّب ومنسلّم عليه. ما كنا مصدّقين إنو سمير جعجع رجع صار معنا. رجعت تذكرت 21 نيسان الـ 94 لما أخدوه. كانوا آخدينو عالمعتقل. اليوم رجعوا معو جايبينو عالحرية.

ينتهي شربل من قراءة ما رواه من ذاك الزمن. زمن النضال السري. زمن الإضطهاد والمقاومة. ما كانوا يأبهون للملاحقات همهم كان احقاق الحق وخروج سمير جعجع من المعتقل. حتى قداس الشهداء لم يفوتوه على العكس كانت صورهم محرابا للطريق التي كانوا يشقونها صعودا نحو حريصا رافعين اعلام “القوات” وصور الحكيم غير آبهين بما ينتظرهم في طريق العودة او عند صياح الديك. يسطّر شربل ما انتقاه من رواياته من ذاك الزمن.”ما بدي كرر لأنو ولا مرة اعتبرت حالي بطل . وحدن الشهدا ابطال وكان ممكن كون واحد منن لأنو كل شب بـ”القوات” كان مشروع شهيد.هاودي الأحداث بيكفوا…”.
يطوي الصفحة ويردد. “كأنه الأمس القريب. كأنه اليوم”. يحاول أن يغلّف انفعالاته مع الصور والذكريات التي تتسلل إلى تلك اللحظة من ذاك الزمن. وحدها ملامح وجهه تكشف عن غصة، عن بريق،عن حكايات وأسرار ربما لا تزال تختبئ في سطور العمر الهارب إليها. وعلى رغم السوداوية التي اجتاحت فصول أيامه كما كل شباب “القوات” في تلك الفترة بقي للعشق والإلتزام بسر الزواج هامشا في حياة شربل أبي عقل. وفي 19 حزيران 1998 قال نعم أمام مذبح الرب لشريكة عمره ورفيقة نضاله السري يولا موسى. وكاد ان يكون هذا التاريخ مؤجلا كما في المرتين السابقتين بسبب التوقيفات. وبنبرة مفعمة بالهدوء والإعتراف بصلابة شريكة العمر يتابع شربل:” أجّلت موعد عرسي مرتين بسبب التوقيفات. ولو ما كانت يولا معنية بشكل أو آخر بالمقاومة ومؤمنة بخطي النضالي ما كنت كملت، وما كنت وصلت على المذبح وقلت نعم أمام الرب. أكتر من هيك لو ما كانت يولا مؤمنة بمسار النضال، ما كان تأسس البيت اللي بيزينوا اليوم ولادي شانا (17 عاما) وبول(13 عاما)”.
لا يعود شربل نفسه عندما يأتي على ذكرولديه. “بعد ما خلقت شانا استمرت الضغوطات علينا والتوقيفات. بعلمك كون قاعد بالبيت حامل شانا وكانت بعدا طفلة، يدقولي من مركز المخابرات ويقولولي تفضل لعنا. ولا مرة هربت مع إنو رفاقي كانوا يلوموني. كنت إترك كل شي وروح لأنو كنت آخد قرار إنو بدي كمل. وبس خلق بول بعدني بتذكر منيح كان نهار خميس كنت مع الشباب بيسوع الملك عم نحضّر لقداس الشهدا بحريصا.وتلفوناتنا كانت تكون بعيدة عنا ومطفية. بس خلص الاجتماع اخدت التلفون وفتحتو. لقيت شي 10 اتصالات من والدة يولا وإمي. دقيت وخبروني إنو اخدو يولا ع المستشفى تا تولّد. وصلت ع المستشفى وكان خلق بول”. …
يسكت شربل وتتجلى ملامح الأب الحنون والمقاوم في نفس الوقت”كان التحدي بيني وبين نفسي كبير بس ارتضيت فيه. بتذكر ب 2001 بعد مصالحة الجبل ب 7 آب إجو آخدوني من البيت. طلعوني ع الوزارة ومن هونيك حولوني على سجن الشرطة العسكرية ومن بعدا على المحكمة العسكرية بتهمة تأليف جمعية أشرار لضرب هيبة الدولة والحكم بهيك تهمة السجن لمدة 15 سنة. بعد ما رجعوني على سجن رومية انا ورفاقي بقيت تقريبا شي شهر. بهالفترة زارتني يولا وأخدتلي معا تياب وأكل. وبليلة كانت الساعة 2 فجرا بيجي العسكري وبيفتح باب الزنزانة وبيضهرونا. وعرفنا بعدين إنو البطريرك مار نصرالله بطرس صفير اشترط على الرئيس اميل لحود اللي كان طالع يزورو باليوم التالي إنو ما بيجي ع بكركي قبل ما يطلع الشباب اللي توقفوا ب 7 آب. والمضحك المبكي إنو اهالينا ركضوا بالليل يلموا من الشباب الكفالة اللي انفرضت على كل شب بقيمة 3 ملايين ليرة حتى ما يخلونا ساعة زيادة بسجن روميه بعد صدور القرار بإخلاء سبيلنا”.
مؤمن شربل حتى الإلتزام بقناعته بأن العمل الحزبي إستمرارية وليس محطة وتنتهي. ومن موقعه اليوم منسقا لمنطقة جبيل أثبت ذلك “ما في مناسبة ولا حدث سياسي او ثقافي أو إجتماعي إلا و”القوات” بتكون بالصف الأول”… ويختم: “المسيرة بعدا مكملة… بتسأليني ما بكيت ولا مرة؟ جوابي: مبلى. ما ضعفت؟ مبلى. ما فكرت كيف بدي عيّش عيلتي؟ أكتر من مرة. بس ولا مرة ندمت. لا بل بالعكس. كل هالحالات كانت عم تزيدني إيمان وقناعة وإرادة خصوصا إنو اللعبة مفتوحة والتنافس مشروع داخل حزب القوات”.
شربل أبي عقل وضع نقطة على سيرة “كنا هناك” لكنه حتما باق هنا وهناك وحيث القضية، قضية الشهداء التي يحملها ذخيرة حتى يحين موعد اللقاء.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
