.jpg)
في 8 تشرين الثاني المقبل يتوجّه الناخبون الأميركيون الى صناديق الاقتراع لاختيار الرئيس الخامس والأربعين. ظاهر الانتخاب تقليدي. بمعنى اعتياد الشعب الأميركي والعالم على المنافسة بين مرشحَين. أحدهما ينتمي الى الحزب الجمهوري، والآخر الى الحزب الديموقراطي. ولكن هذا الجانب التقليدي من الانتخابات له طابعان غير تقليديين: الأول يتمثّل بوصول امرأة للمرة الأولى الى هذه المرحلة في السباق الرئاسي. والثاني يظهر في “غرابة” المرشّح دونالد ترامب التي لا تقتصر على مظهره الخارجي إنما تنسحب أيضاً على طروحاته السياسية في مسائل حساسة مثل التعامل مع المهاجرين من أميركا الجنوبية والعالم الإسلامي وإشادته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين…
تجري الانتخابات الأميركية بـ “غرابتها” هذه السنة في وقت تلتهم حرائق الحروب دول الشرق الأوسط مخلّفة فوضى ودماءً ودماراً وتهجيراً… تمتد من شرق المتوسط ومغربه الى الخليج العربي وجنوبه. حرائق طالت بلهيبها أوروبا. وأعادت “الدب الروسي” الى الساحة الدولية عبر البوابة السورية بعد محاولة تطويقه غرباً في دول أوروبا الشرقية وجنوباً في القوقاز وآسيا الوسطى. سياسة باراك أوباما “المتردّدة” (بانتظار حكم التاريخ) أظهرت ارتباكاً أميركياً حيال التعامل مع أحداث المنطقة، والبعض يحمّلها مسؤولية استمرار الحروب فيها لا سيما في سوريا. لذلك تكثر الأسئلة في المنطقة عن سياسة الرئيس الأميركي العتيد. تطرح هذه الأسئلة في جو من عدم الثقة بسياسة القوة العظمى في العالم وطغيان شعور بأنها فقدت “هيبتها” وبدء ظهور عالم متعدّد الأقطاب يتظهّر في الأزمة السورية. عدم الثقة يبرز بخاصة في علاقات الولايات المتحدة الأميركية وبعض القوى الإقليمية الحليفة تاريخياً لها وفي مقدّمها مصر وتركيا والمملكة العربية السعودية. لماذا؟
عدم الثقة بين واشنطن والنظام المصري الحالي يعود الى الأيام الأولى للثورة المصرية الأولى. صحيح ان الإدارة الأميركية لم تدعم نظام حسني مبارك ولكنها لم تظهر تأييداً واضحاً للثورة التي طالبت بالديموقراطية منذ بدايتها! وما ان تلقفت واشنطن الموقف ودعمت حكم الإخوان المسلمين حتى قامت “الثورة المصرية الثانية” وقلبته. على الأثر ظهرت مشكلة بين النظام الجديد وواشنطن، مشكلة مع أكبر دولة عربية وحليف أساسي في المنطقة. ما دفع بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الى التوجّه الى قوى عالمية أخرى. زار موسكو في نهاية العام 2015 وعقد صفقات شراء اسلحة كبيرة معها. واستقبل نظيره الصيني في القاهرة في بداية العام 2016 ووقّع معه عشرين اتفاقية ومذكرة تفاهم اقتصادية. في المقابل لم تشهد العلاقات مع واشنطن أي تطوّر إيجابي. ولا تزال حتى اليوم العلاقات غير صافية بين البلدين. بالتالي ينتظر النظام في مصر الرئيس الأميركي العتيد ليرى ما ستكون عليه سياسته في المنطقة وتجاهه، بخاصة وان مصر تعاني من أزمات أمنية واقتصادية يسعى النظام لحلّها ليتمكّن في ما بعد من الاضطلاع بدوره الإقليمي.
الأسئلة حول سياسة الرئيس العتيد تطرح بشكل أساسي أيضاً في تركيا، القوة الإقليمية البارزة والحليفة الأساسية للولايات المتحدة الأميركية. تدهور العلاقات بين البلدين يعود الى ما قبل محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا وتلكؤ واشنطن في تسليم المعارض فتح الله غولن المتّهم بها. إنه يعود أيضاً الى تردّد إدارة باراك أوباما في دعم المعارضة السورية وقلب نظام بشار الأسد. ورفضها الاقتراحات التركية بإقامة مناطق حظر جوي في شمال سوريا ومناطق آمنة لإيواء النازحين. كما برز خلاف أساسي واستراتيجي بالنسبة لأنقرة وهي مسألة أكراد سورية. فواشنطن راحت تدعمهم لإحكام سيطرتهم على شمال – شرق البلاد ما يمهّد لإقامة كيان لهم على طول الحدود الجنوبية مع تركيا. وهذه مسألة بالغة الحساسية لأنقرة وتشكّل خطراً على أمنها القومي وتهدّد وحدة البلاد. في البداية دعم أردوغان “داعش” لإفشال مخطّطهم. ومن ثم تدخّل مباشرة بعدما تخطى الأكراد “الخط الأحمر” التركي وعبروا نهر الفرات الى منبج. كما أقام نقطة عسكرية له في بعشيقة العراقية على الحدود الجنوبية لكردستان العراق المدعومة هي أيضاً من الأميركيين. هذه الأسباب وغيرها أدّت الى تدهور العلاقات مع واشنطن ودفعت بالرئيس التركي الى ترميم علاقته مع موسكو بعد ان كانت قد تدهورت على خلفية إسقاط طائرة سوخوي بصورايخ سلاح الجو التركي. من هنا السؤال هل ستتأزم العلاقات أكثر بين أنقرة وواشنطن، أم سيسعى ساكن البيت الجديد الى ترميمها لمواجهة الخطر الروسي المستجد في المنطقة؟!
العلاقات مع المملكة العربية السعودية، الحليف التاريخي في منطقة الخليج الاستراتيجية، أيضاً شهدت تدهوراً كبيراً وتعاني من فقدان الثقة. تصويت الكونغرس لصالح السماح لأقارب ضحايا هجمات 11 أيلول بمقاضاة السعودية كان آخر حلقات هذا التدهور الذي بدأ منذ اجتياح العراق. تدهور العلاقات هذا ينسحب على العلاقة مع كافة دول الخليج. فهذه الأخيرة تبدو “مسكونة” بالخطر الإيراني. ويعتبر قادتها أنه تطوّر بسبب سياسات الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة. ففي العراق إسقاط نظام صدام حسين سمح لإيران بمد نفوذها بين شيعة العراق الذين حصلوا على السلطة المركزية وهمّشوا السنّة فيه. وفي سوريا، وقف الأميركيون في وجه اندفاعة دول الخليج لدعم المعارضة المسلّحة المعتدلة سمح للإيرانيين و”حزب الله” بالتدخّل في الصراع المسلّح لدعم نظام الأسد المتهاوي وتطوير نفوذهم في هذا البلد ذي الغالبية السنّية. في المقابل تكرّرت الانتقادات الأميركية وبعض المنظمات الدولية التي تسيطر عليها واشنطن لطريقة قمع المعارضة المدعومة من إيران في البحرين والتي تشكّل تهديداً مباشراً للأمن القومي السعودي والخليجي. في ظل هذه الأجواء من التوتّر وعدم الثقة بين الرياض وواشنطن قامت هذه الأخيرة بتوقيع الاتفاق النووي مع طهران الذي يشتمل على رفع العقوبات الاقتصادية عنها وتحرير أرصدتها وعودتها الى المجتمع الدولي. ما يعني انطلاقة جديدة سياسية واقتصادية لإيران ستزيد من نفوذها في المنطقة الذي يمتد من الخليج الى البحر الأحمر (في اليمن) فالمتوسط (في سوريا ولبنان).
منذ ثماني سنوات ورِث باراك أوباما تركَة انغماس القوات الأميركية في وحول الصراعات المسلّحة في العراق وافغانستان. وها هو اليوم يورّث خليفته انعدام ثقة وتدهور العلاقات مع الحلفاء في منطقة الشرق الأوسط. في وقت تسعى فيه روسيا لأن تعود قطبًا عالميًا. وينتظر الجميع ما ستكون عليه سياسة الرئيس الأميركي العتيد. مع تقدّم هيلاري كلينتون في السباق الرئاسي لا يستبشر المسؤولون والمحللون تغييراً جذرياً. فوزيرة الخارجية السابقة في عهد أوباما إما ستكمل في “سياسة الخجل” تجاه مشاكل المنطقة، أو في أحسن الأحوال ستعتمد الوسطية (على طريقة زوجها بيل كلينتون) في معالجة مشكلاتها. لذلك تسعى دول الخليج العربي الى تطوير قواها العسكرية للدفاع عن مصالحها في وجه الخطر الإيراني الحالي وربما التركي مستقبلاً. فالخليجيون فقدوا الثقة بالأميركيين وحمايتهم، ويردّدون: “من يلتحف بغطاء الأميركان كأنه نايم عريان”.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]