
… وأصبح العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية اللبنانية. 31 تشرين الاول 2016 خط فاصل في مسيرته السياسية والعسكرية، معه ينتقل من ضفة الطرف السياسي الساعي لتبوّؤ ارفع منصب الى ضفة الرئيس الطامح لأن يحقق الانجازات التي تجعله يدخل نادي الرؤساء العظماء أمثال فؤاد شهاب وكميل شمعون.
هاجس النجاح رغم المطبات الكثيرة يواكبه هاجس الصورة التي سوف تبقى عن الجنرال في سجل تاريخ لبنان، وأمام عينيه ثلاثة نماذج عن الجنرالات الرؤساء: جنرال “الدولة والمؤسسات” فؤاد شهاب، جنرال “التبعية والمناكفات” إميل لحود وجنرال “السير بين الالغام” ميشال سليمان.
ملفات عدة تناولها “خطب القسم” من مكافحة الارهاب، الصراع مع اسرائيل، مسألة النزوح السوري، قضية اللاجئين الفلسطينيين، الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، الاستثمار في الموارد البشرية وصولاً الى اللامركزية الادارية. ولكن ثمة ثلاثية تضمّنها الخطاب وحدها الكفيلة بتصويب البوصلة في العهد الجديد بإتجاه العبور الى الجمهورية القوية بعد نحو ربع قرن من الانقلاب على وثيقة الوفاق الوطني في “الطائف”.
أولاً: شراكة وطنية ومناصفة فعلية
منذ إتفاق “الطائف” حتى اليوم كانت الشراكة ملتوية والمناصفة نظرية ما ولّد خللاً في العلاقة الندية بين الشريكين المسلم والمسيحي وإنعكس سلباً على لبنان وعليهما. من هنا كان طرح عون في خطاب قسمه “تنفيذ وثيقة الوفاق الوطني بكاملها من دون انتقائية أو استنسابية وتطويرها وفقاً للحاجة من خلال توافق وطني “. ووضع الجنرال الاصبع على الجرح عبر تأكيده أن “أولى موجبات الشراكة من خلال المناصفة الفعلية إقرار قانون انتخابي يؤمّن عدالة التمثيل، قبل موعد الانتخابات القادمة”.
ثانياً: سياسة خارجية مستقلة بعيداً عن صراعات الآخرين
“لبنان السائر بين الألغام لا يزال بمنأى عن النيران المشتعلة حوله في المنطقة”، هذا التشخيص دقيق إذا ما قورن بواقع حال الجار اللصيق سوريا وصولا الى العراق واليمن. ويعطي عون في خطابه الدواء الناجع لمنع انتقال أي شرارة الى لبنان عبر طرحه “ضرورة إبتعاده عن الصراعات الخارجية وإلتزام احترام ميثاق جامعة الدول العربية وبشكل خاص المادة الثامنة منه، مع اعتماد سياسة خارجية مستقلة تقوم على مصلحة لبنان العليا واحترام القانون الدولي، حفاظاً على الوطن واحة سلام واستقرار وتلاقٍ”.
ثالثاً: دولة حامية وجيش قادر
لا يمكن أن ينجح أي عهد في أي دولة إن كانت هجينة وهيبتها مفقودة، قرارها السياسي مخطوف وقبضتها العسكرية والامنية ملوية. من هنا، هاجس عون وأولويته وفق خطاب قسمه “مشروع تعزيز الجيش وتطوير قدراته، ليصبح جيشنا قادراً على ردع كل أنواع الاعتداءات على وطننا، وليكون حارساً أرضه وحامياً استقلاله وحافظاً سيادته”. ومن هنا أيضاً طموح عون أن يكون “رئيس الجمهورية هو ضامن الأمان والإطمئنان وأن تكون الدولة الحامية لمواطنيها والمؤمّنة لحقوقهم وحاجاتهم”.
ثلاثية عون في العهد الجديد هي الكفيلة ببدء تصويب المسار الذي دفع ثمنه المسيحيون إضطهاداً وتنكيلاً وقضماً لحقوقهم في الدولة والمؤسسات وخللاً في صحة تمثيلهم، والذي دفع ثمنه لبنان ضرب مقومات الدولة ومصادرة قرارها السياسي والعسكري وتعميم سياسة الفساد.
“عند الامتحان يكرم المرء أو يهان”، قالها أمين عام “حزب الله” السيد حسن نصرالله في إطار تأكيد دعمه لإنتخاب عون رئيساً للجمهورية، إلا أن الامتحان الحقيقي لكافة الشركاء في الوطن وفي طليعتهم “حزب الله” هو تطبيق ثلاثية عون للعهد الجديد بعيداً من ثلاثيته التي لم تأت على لبنان إلا بالانقسام والشرذمة والمصائب والويلات.