
يعتبر العماد ميشال عون اول رئيس للجمهورية يرأس كتلة نيابية فضفاضة ولديه حيثية مسيحية وازنة ويحظى بتأييد خصمه التاريخي الدكتور سمير جعجع الذي يوازيه تمثيلا وحضورا ومشروعية، الأمر الذي يعني طي صفحة الشكوى المسيحية من التغييب والاستبعاد والإقصاء عن المواقع الأساسية في الجمهورية، إنما من دون التقليل من أهمية قانون الانتخاب واستعادة التمثيل النيابي المسيحي، إلا ان من يربح معركة الرئاسة لن يصعب عليه الفوز بمعركة النيابة.
ومن أبرز العبر التي يجب استخلاصها من المعركة الرئاسية ان جعجع لا يستطيع الفوز بالرئاسة بفعل فيتو “حزب الله”، وان عون لم يفز بالرئاسة سوى بفعل رفع او غياب فيتو “المستقبل” عنه، ما يعني ان قوة الدفع المسيحية وحدها غير كافية لإيصال رئيس الجمهورية الذي عليه ان يكون على مسافة واحدة من المكونين السني والشيعي، وأكبر مثال على ذلك ان عون لم ينتخب عندما كان رأس حربة فريق ٨ آذار، إنما انتخب بعد ان أعاد تموضعه السياسي، فيما وصوله كرأس حربة، لو حصل، كان سيشكل مشروع غلبة سياسية سيؤدي إلى مزيد من عدم الاستقرار.
وما ينطبق على المسيحيين لا ينسحب على السنة والشيعة لجهة ان وصول قادتهم رهن فقط اندفاعة شارعهم، فلا وجود لفيتو مسيحي على غرار الفيتو السني والشيعي، إنما مجرد تسليم مسيحي بما تقرره الأغلبية في هذه البيئة او تلك لهذا الموقع او ذاك.
والسبب الأساس في ذلك مرده إلى الخشية السنية والشيعية من ان يؤدي انتخاب الرئيس إلى ترجيح كفة هذا الفريق على ذاك في ظل التوازن الدقيق بينهما محليا وإقليميا، الأمر الذي يجعل انتخاب الرئيس خاضعا لميزان القوى السني والشيعي بدلا من ان يكون خاضعا لميزان القوى المسيحي على غرار رئاسة مجلس النواب الخاضعة لميزان القوى الشيعي ورئاسة الحكومة الخاضعة لميزان القوى السني.
ومن هنا ضرورة فك هذا الترابط بجعل الموقع المسيحي الأول متصلا فقط بميزان القوى المسيحي لا السني ولا الشيعي، الأمر غير الممكن سوى في حال أعلنت القوى المسيحية التمثيلية حيادها عن الصراع السني-الشيعي واتفاقها مع الطرفين على ميثاق شرف يمنع انقلاب اي فريق على الآخر ويتضمن اتفاق الحد الأدنى الذي يحفظ الاستقرار والتوازن وانتظام العمل المؤسساتي.
فبعد ما يقارب النصف قرن على تغييب السيادة الوطنية، وبمعزل عمن يتحمل المسؤولية بفتح الحدود اللبنانية وانتهاك السيادة، فقد حان الوقت لتنتقل الأولوية المسيحية من السيادة إلى بناء الدولة، لان السيادة كانت وما زالت مسألة خلافية منذ العام 1969 إلى اليوم، وبالتالي بانتظار ان تعيد كل المكونات اللبنانية تحديد مفهومها للسيادة، الأمر الذي يمكن ان يتحقق غداً او بعد نصف قرن، على المكون المسيحي ان يعيد تحديد دوره ضمن التوازنات اللبنانية وبما لا يتناقض مع الدور الشيعي والسني.
وقد تشكل رئاسة عون مناسبة لتكريس هذا الدور لجهة تصدُّر مشروع بناء الدولة وفك النزاع مع السنة والشيعة، فالسيادة في نهاية المطاف ليست اختصاصا مسيحيا، إنما مسؤولية وطنية وتحقيقها غير ممكن بالقوة، وبالتالي ريثما تنضج الفكرة السيادية، لا بد من إعلاء البعد الإصلاحي والحياتي والاقتصادي والاجتماعي…
