يبدأ مع العهد الجديد حكم الأقوياء القادر وحده على إبرام التسويات والتفاهمات وترسيخ الاستقرار وترييح البيئات الطائفية. فانتخاب الرئيس ميشال عون يعيد التوازن بين الرئاسات الذي تم تغييبه منذ العام 1990، ويفتح الباب أمام تجربة وطنية جديدة عمل البعض على التخويف منها من اجل إبقاء المكون المسيحي خارج المعادلة الوطنية.
فما حصل ليس مجرد انتخابات رئاسية عادية، إنما يشكل تصويبا لمسار سياسي، وتصحيحا لمعادلة وطنية ميثاقية، لانه لا يمكن لأي معادلة ان تستقيم بعيدا عن مبدأ المساواة، وكل الحجج التي كانت تساق لاستبعاد الأقوى مسيحيا الهدف منها الاستمرار في تغطية الواقع السياسي الذي نشأ مع الاحتلال السوري للبنان.
ولا شك ان ما تحقق يسجل في خانة رئيس “القوات” الذي تنبه إلى استخدام الانقسام بينه وبين عون لاستبعادهما معا عن رئاسة الجمهورية، لانه لو وجدت النية لانتخاب احدهما كان يفترض بمجلس النواب ان يبقي جلسات الانتخاب مفتوحة إلى حين انتخابه او انتخاب “الجنرال”، فرد سريعا بترشيح عون بعدما اتفق واياه على مبادئ وطنية تشكل مساحة مشتركة.
فالحكيم تكلم عن حكم الأقوياء منذ إقرار اتفاق الطائف، لان الضمانة الوحيدة للتوازن والاستقرار وانتظام العمل المؤسساتي تكمن في حكم الأقوياء، وليس عن طريق الصدفة استبعد النظام السوري الأقوياء من المسيحيين إما عن طريق الإبعاد او عن طريق الاعتقال، بل عن سابق تصور وتصميم في محاولة لتدجين المسيحيين وتوجيه رسالة إلى المسلمين بان مصير من يعترض على الاحتلال السوري لن يختلف عن مصير عون وجعجع.
ويستحيل ان يتحقق التوازن بين اللبنانيين والرئاسات تحديدا باستبعاد المكون المسيحي الأقوى عن رأس الدولة، الأمر الذي تطلب خطوة كبرى من جعجع في سبيل تحقيق الشراكة التي لا تقل أهمية عن السيادة، ولو لم يقدم جعجع على ترشيح عون لما وصل الأخير إلى “بعبدا”، ولا أمكن تصحيح هذه المعادلة التي غيبت المسيحي عن القرار السياسي وقضت بتهميش دوره وحضوره.
وأهمية خطوة رئيس “القوات” انها أسقطت الرهان على الخلاف القواتي-العوني لمواصلة استبعاد المكون المسيحي التمثيلي عن رئاسة الجمهورية التي تشكل المدخل الأساس لاستعادة هذا المكون دوره، ولا حاجة للتذكير ان الدور المسيحي ارتبط دوما بموقع الرئاسة الأولى التي تركزت كل الحروب عليها لتحويلها من موقع محوري الى موقع هامشي، وهذا الكلام لا علاقة له بالصلاحيات، إنما بالشخصيات التي تم انتخابها ولا تتكئ على شرعية مسيحية على غرار الرئاسات الأخرى التي تستند إلى شرعية بيئاتها.
وهذا التحول الاستراتيجي في مسار الأحداث لا يقتصر على الدخول المسيحي على هذا الخط ممثلا بالرئيس ميشال عون مدعوما من الدكتور سمير جعجع، إنما يتصل بإقرار القوى الأساسية بحكم الأقوياء في كل المواقع، لان اي خلل في اي موقع دستوري ينعكس على الاستقرار السياسي في البلد والذي من شروطه الأساسية والميثاقية ان تتمثل كل طائفة بالأقوى داخلها.
وعليه، يشكل انتخاب عون تصحيحا لاتفاق الطائف بشقه التمثيلي، ويفتح الباب امام صفحة سياسية واعدة تفسح في المجال لتفاهمات تساهم في تطوير مشروع بناء الدولة، لان الضمانة الوحيدة لمشروع بناء الدولة تكمن في حكم الأقوياء.