.jpg)
كان كافيا أن يتوحّد المسيحيون ليتبدل كل المشهد السياسي وتنكسر دوامة الفراغ التي بقي البلد سجينًا فيها نحو 31 شهرًا. وفي 31 تشرين الأول أنتُخِب الرئيس الـ 13 للجمهورية اللبنانية وعاد العماد ميشال عون الى قصر بعبدا “فخامة الرئيس” بعد أن تركه “دولة الرئيس” في 13 تشرين الأول 1990…
في ذاك اليوم الانتخابي الطويل أكثر من ظاهرة وسابقة رافقت إنتخاب الجنرال، بقي هادئًا جلودًا حتى لحظات الجلسة الـ 46 الأخيرة يمسك قلمه ويتابع البوانتاج مع النائب آلان عون. وقبل الفصل الأخير من عملية إنهاء الشغور الرئاسي كانت مشهدية 31 تشرين الأولالاستثنائية قد بدأت ترتسم قبل الجلسة في كل أنحاء البلاد لكن كان لها رهبة خاصة في شوارع بيروت. زنّار من الشرائط الحمراء يطوّق “خواصر” المدينة المتعبة من الحذر والترقّب الدائمين. والانتشار العسكري الكثيف فيها زاد المشهد حيرة.
127 نائبا يمرّ طيفهم خلف زجاج سياراتهم الأسود “المفيّم”، كل كتلة نيابية يصل نوابها معًا، منهم من يقف ليصرّح ومنهم من يكرج الى مدخل المجلس تفاديًا للإحراج والرد على أسئلة الصحافيين.
“كتلة الإصلاح والتغيير” وصل معظم نوابها باكرًا للاستطلاع بالطبع فهم اصحاب العرس المنتظر. مثلهم وصل رئيس اللقاء الديمقراطي النائب وليد جنبلاط قبل نوابه وتموضع في الداخل. نواب “حزب الله” وصلوا على دفعات ووحده النائب حسن فضل الله حنّ على زملائه الإعلاميين وقال ردًّا على سؤال “أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي”. قائد الجيش الجنرال جان قهوجي حضر أيضًا وكانت الضحكة التي تعلو وجهه لافتة، “يضحك مع أن الرئاسة كانت قريبة منه قاب قوسين” تشرح إحدى الزميلات لفريق إعلامي ياباني كان ينقل الحدث.
أما نواب كتلة “القوات اللبنانية” فوصلت سياراتهم معًا وانتظرت بعيدًا وصول سيارة النائب ستريدا جعجع التي ارتدت الأبيض هذه المرّة وخطفت الأنظار. ووحدها لبّت دعوات المراسلين وتنقلت بهدوء بين ميكروفونات التلفزيونات لتقول: “أولا بدنا نهنّي اللبنانيين بانتخاب رئيس للجمهورية بعد فراغ دام سنتين ونصف، ونتمنى ان ينجح العهد الجديد. هذا نهار تاريخي لأن رئيس الجمهورية صنع في لبنان وأنا فخورة أنني أنتمي الى حزب “القوات اللبنانية” ورئيسه سمير جعجع”.
اللافت كان إصطحاب النواب والوزراء لزوجاتهم. فالنائب آلان عون وصل مع زوجته والوزير الياس بو صعب رافقته زوجته الفنانة جوليا التي خطفت وهج الوزير الشعبي ومن على درج البرلمان أعربت عن فرحتها بوصول العماد ميشال عون الى سدّة الرئاسة وقالت “بحبو لأنو بيّ الكل”.
أما العميد المتقاعد شامل روكز فوصل مع زوجته كلودين والسيدة الأولى ناديا وابنتها ميراي وزوجها روي الهاشم وشانتال زوجة الوزير جبران باسيل وباقي أفراد العائلة والأحفاد وأركان من “التيار الوطني الحرّ”. ولولا حضور اللواء نديم لطيف لسجّل غياب كامل لرفاق الجنرال عون في النضال القديم.
إكتمل النصاب و127 نائبًا في مقاعدهم، الحكومة حاضرة والدبلوماسيون ملأوا شرفة الضيوف، والهمس والتململ بين الاعلاميين المنقوعين في الشمس في الخارج بدأ يعلو مع اقتراب الساعة الثانية عشرة موعد افتتاح الجلسة، والمسؤول الإعلامي في مجلس النواب محمد بلوط مضطرب يكرّر اعتذاره للإعلاميين اللبنانيين والأجانب ويكشف أن عدد الضيوف وعائلة الرئيس تخطى الـ 185 شخصًا ولا أماكن داخل القاعة إلا للصحافيين المعتمدين في المجلس. لا حول ولا قوة حيال هذا المأزق إلا بفتح مكتبة المجلس لاستقبال باقي الاعلاميين، فبعد أن وُعِدوا بمتابعة الجلسة على شاشة تلفزيون المكتبة تبيّن أنها معطلة فعادوا وتفرّقوا كل يحاول متابعة الحدث والتقاط اللحظة، لحظة إعلان إنتخاب رئيس جديد للجمهورية عبر جهازه الخلوي او أمام شاشات سيارات النقل المباشر.
كان جليًا أن مكتب الإعلام في مجلس النواب لم يحسب حساب هذا الكمّ من الإعلاميين، فالجلسة طالت ومسرحية التصويت استمرت ساعتين ونصف الساعة، دورة أولى فثانية فثالثة ورابعة والعالم يتفرّج ويضحك مع الرئيس برّي على نواب “مدرسة المشاغبين”.
آخر الجولات أُعلن عون رئيسًا بالتصفيق والهتاف ما أن وصل التعداد الى 65 صوتًا ونال في النهاية 83 صوتًا، و36 ورقة بيضاء، وحلت في المرتبة الثالثة الأوراق الملغاة التي ربما قد تكون إشارة الى أدوار سياسية ملغاة.
انتهت جلسة الاقتراع من دون أن يقول الرئيس بري “أُعلن العماد ميشال عون رئيسًا للجمهورية اللبنانية” بل قال “لفخامتكم جميل التهاني” وافتتح جلسة القَسَم بكلمة جاء فيها “أهنئكم تحت قبّة البرلمان الذي أنت أحد أركان شرعيته اليوم” فعلا التصفيق والضحك وتابع “دخول المنطقة بحروب استتباع لا تنتهي وتفضي إلى إسرائيليات على شكل فيديراليات وكونفيدراليات طائفية ومذهبية وعرقية وفئوية. إن ما تقدم هو أحد التهديدات الجديدة لإستقرار المنطقة ولبنان” وأضاف “ما تقدم يفترض يا فخامة الرئيس وأنتم كنتم على رأس المؤسسة العسكرية دعم الجيش بالعتيد والعتاد وتعزيز المؤسسات الأمنية للقيام الى جانب المقاومة وجانب الشعب، ويبقى ان إحدى القضايا الأساسية هي وقف إستنزاف ثروة لبنان البشرية وهجرة الشباب، فلبنان لن يحلّق إلاّ بجناحيه المغترب كما المقيم. ونتيجة المعضلة الرئاسية خسرنا الكثير فالأولويات الآن تنطلق من التفاهم برأيي على قانون عصري للإنتخابات، وهذا لا يتحقق إلاّ بإعتماد النسبية والتأكيد على الكوتا النسائية ومشاركة الشباب في الإقتراع. إن العبور من الطائفية الى الدولة ومن دون إلحاق الضرر بالطوائف لا يمرّ إلا عبر هذا القانون. إنتخابكم يجب أن يكون بداية وليس نهاية، وهذا المجلس على استعداد لمدّ اليد لإعلاء لبنان”.
بعد اليمين الدستورية، وتلاوة خطاب القسَم تقبّل الرئيس المنتخب تهاني النواب والضيوف الشهود، فيما كان بعض الصحافيين ممن تجمعهم المهنة وتفرقهم إنتماءاتهم السياسية يردّدون “ظبطت مع الحكيم وأكل البقلاوة”! في الحقيقة الدكتور سمير جعجع كان الغائب الحاضر في تلك الجلسة، وحقًا من معراب يعلن أصحاب الفخامة!
وعاد صاحب الفخامة الى القصر
في قصر بعبدا مشهد آخر، الكل متأهب وحاضر لعودة النبض والحياة بعد عامين ونصف العام من الانتظار المرهق. ورشة التحضيرات لإستقبال صاحب الفخامة الجديد أنتهت يردّد رئيس مكتب الإعلام مستشار الرئاسة الإعلامي رفيق شلالا أمام الإعلاميين الذين طال انتظارهم منذ الصباح ليشهدوا على دخول الرئيس المنتخب الى قصر الجمهورية القوية.
بدورهم ضباط الحرس الجمهوري يتكفلون بنقل آخر أخبار موكب الرئيس الرسمي الى مراسلي النقل المباشر من تلفزيونات وإذاعات ومواقع إلكترونية… وتحليق الطوافات العسكرية فوق القصر ينبئ باقتراب وصوله.
مداخل القصر بكامل الجهوزية تستقبل الزوار وتنقلهم الباصات الصغيرة من سياراتهم في موقف القصر الى باحته الخارجية. فيما عائلة الرئيس وبعض المقرّبين يصلون تباعًا من المدخل الرئيسي ويتجمّعون في مدخل القصر إستعدادًا للحظة التاريخية التي سيطأ فيها الجنرال أرض القصر الجمهوري.
من الخلف يتوافد عسكريون بلباس مدني يحملون حقائب سوداء، ويقال لنا إنهم حرس الرئيس الشخصي الجديد، وهم من سيتولى حراسته بعد هذه اللحظة طيلة العهد الرئاسي.
في مشهد طال انتظاره، عند الثالثة والربع تقريبًا إنطلقت نافورة المياه في الساحة بينما كان العلم اللبناني يرتفع فوق ساريته على سطح القصر، وصل الرئيس، ترجّل، أطلقت المدفعية إحدى وعشرين طلقة خلَّبية، إرتعشت القلوب أكثر لعزف النشيد الوطني ولحن التعظيم للرئيس الجديد الواقف عند اول السجادة الحمراء. وبدأ الرئيس يتقدم تحت سيوف رماحة الحرس الجمهوري.
حال من خطف الأنفاس ساد الباحة، لم يتمكن أحد من التصفيق أو الهتاف للرئيس الآتي، إلا عندما وطأ عتبة القصر، فعلا تصفيق الأحباء والموظفين والصحافيين…
الرئيس العماد بدا مرهقًا فدخل أحد مكاتب القصر مع طبيبه الدكتور بجاني وممرضته الخاصة كما قيل لنا. فما كابده الرئيس من ضغوط للوصول الى بعبدا كان كافيًا لرفع ضغط دمه.
بعد الاطمئنان عليه انتقل الى صالون السفراء وجلس على كرسي الرئاسة للصورة التذكارية. وبدأ عهد رئاسي جديد من دون تسلّم او تسليم بين الرئيسين والعمادين ميشال سليمان وميشال عون، ووضع وسام الاستحقاق اللبناني الوشاح الأكبر من الدرجة الاستثنائية والقلادة الكبرى لوسام الأرز الوطني على طاولة فتقلدها الرئيس الجديد بنفسه ولم يتولى المدير العام لرئاسة الجمهورية أنطوان شقير مهمة تقليده إياها بدلا من “فخامة الفراغ” كما تردّد.
كأن الجمهورية كانت تستيقظ من غياهب الفراغ وتنتصر على التغييب المقصود. علامات بداية العهد الجديد بدأت منذ اللحظات الأولى لدخول الرئيس الى بعبدا وتسلّمه سلطاته الدستورية، وبدأ مكتب الإعلام الرئاسي بتوزيع البيانات الرئاسية، أولها خطاب القسم ثم بيان إعتبار حكومة الرئيس سلام مستقيلة “عطفاً على أحكام البند /1/ من المادة /69/ من الدستور، المتعلقة بالحالات التي تعتبر فيها الحكومة مستقيلة، لاسيما احكام الفقرة /د/ من البند المذكور، ونظرا الى بدء ولاية رئيس الجمهورية”. وشكر الرئيس “دولة رئيس مجلس الوزراء والسادة الوزراء، وطلب فخامته من الحكومة الاستمرار في تصريف الاعمال ريثما تشكل حكومة جديدة”.
إنتهى اليوم الانتخابي الطويل بمصافحة الاعلاميين للرئيس وتهنئته. بقي المعتمدون منهم في القصر فيما لملم ضيوف ذاك اليوم منهم أوراقهم وكاميراتهم وسلموا بطاقة “زيارة لمرة واحدة” الى مكتب الأمن. دخول القصر ليس كما الخروج منه فعند المدخل من منطقة الحدت مشهد ثالث شعبي برتقالي عفوي بامتياز. أعلام “التيار” و”القوات” جنبًا الى جنب على السيارات وفي الباحات تظهِّر صورًا جديدة للمصالحة المسيحية – المسيحية وتعطي ورقة النوايا السياسية أبعادًا إنسانية يفرح لها القلب. فيما المحللون السياسيون على الشاشات يحاولون القفز فوق الحدث الكبير وتخطي مفاعيله بطرح السؤال، ماذا بعد سكرة إنتخاب الرئيس؟ ماذا بعد الاستشارات النيابية الملزمة وتسمية الرئيس سعد الحريري لرئاسة الحكومة؟ هل سيتعرقل تشكيل الحكومة؟ وكيف سيتصرف الرئيس الجديد والرئيس المكلف؟
لكل ساعة ملائكتها، لكن الأكيد أن ملائكة المصالحات والتوافقات سيكون لهم دور كبير في هذا العهد الذي ينبئ من بداياته أن ثمة أمل والمستقبل لناظره قريب.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: australia@almassira.com
