.jpg)
أهمية التسوية الرئاسية لا تقتصر على دخول المسيحي الأقوى إلى القصر الجمهوري، إنما تشمل دخول السني الأقوى إلى السراي الحكومي، خصوصا ان رمزية الرئيس سعد الحريري لا تقل عن رمزية الرئيس ميشال عون، وبالتالي لو انتخب عون من دون تكليف الحريري لكانت التسوية باهتة وغير مكتملة الأوصاف وطنيا.
ولا بد في هذا اليوم الذي يعاد فيه تكليف الحريري من الإقرار بشجاعة هذا الرجل الذي يتخذ قراراته بناء لقناعاته ومن دون ان يتأثر بمزاج الشارع، مجسدا مثال القائد الحقيقي الذي يقود شعبه لا العكس.
هذا في الشكل، ولكن أهمية تكليف الحريري في المضمون تكمن في الآتي:
أولا، أُخرج الحريري من السراي بالقوة على غرار ما أخرج عون من القصر الجمهوري بالقوة.
ثانيا، الهدف من إسقاط حكومة الحريري وعدم تكليفه كان إنهاء الحريرية السياسية.
ثالثا، الحرب السورية التي رفعت من منسوب الصراع المذهبي عدّلت في المخطط الرامي إلى التخلص من الحريرية على قاعدة ان تتولى الآخيرة مواجهة التطرف السني مقابل عودتها إلى السلطة ولكن شريطة استبعاد شخص سعد الحريري عن رئاسة الحكومة.
رابعا، العقدة الأساس في اي تسوية رئاسية كانت بعودة الحريري إلى السلطة، هذه العودة التي كانت المرفوضة جملة وتفصيلا.
خامسا، القاصي يعلم كما الداني ان الحريرية السياسية لا تستعيد دورها بالواسطة، إنما من خلال عودة شخص الحريري إلى السراي الحكومي، الأمر الذي كان من المحظورات السياسية.
سادسا، الكلام الذي سرب عن خطيئة انتخاب عون وتكليف الحريري بما يعيد الثنائية المارونية – السنية لم يكن عن طريق الخطأ، إنما عن سابق تصور وتصميم، علما ان لا عون ولا الحريري ولا غيرهما في وارد العودة إلى ثنائيات تنسف الشراكة والعيش المشترك، ولكن كل الهدف كان ترسيخ الخلل على مستوى السلطة التنفيذية بين رئيس ضعيف ورئيس حكومة قوي للاستثمار في التباين الماروني-السني، خصوصا ان انتخاب عون مدعوما من سمير جعجع يعيد الاعتبار إلى الدور المسيحي التاريخي، كما تكليف الحريري يعيد الاعتبار الى دور الحريرية السياسية، الأمر الذي لم يكن لدى بعض القوى مستحبا.
سابعا، انتخاب عون وتكليف الحريري يؤدي إلى تصحيح الخلل على مستوى الشراكة والعيش المشترك، لان النظام اللبناني لا يمكن ان يستقر سوى على قاعدة حكم الأقوياء، وبالتالي كيف يمكن ان يستقر مع استبعاد عون مدعوما من جعحع عن رئاسة الجمهورية والحريري عن رئاسة الحكومة؟
ثامنا، تكليف الحريري اليوم يشكل انتصارا للحريرية السياسية التي لم تبدل في سلوكها ونهجها وخطها رغم تقلب الظروف وقساوتها، كما يشكل تجسيدا للشراكة الوطنية.
تاسعا، الكلام عن استسلام الحريري وجعجع لطهران و”حزب الله” لا يخرج عن سياق اللغة التي لم تعد الناس تريد سماعها، خصوصا انها تفتقد إلى الموضوعية والحجة السياسية، لان انتخاب عون لم يحصل سوى بفعل ترشيحه من قبل جعجع والحريري، كما خروجه من الاصطفاف ااسياسي وتموضعه في الوسط، والدليل خطاب القسم الذي أعطى كل فريق حقه.
عاشرا، انتخاب عون وتكليف الحريري يفتح صفحة وطنية جديدة، هذه الصفحة التي كان لـ”حزب الله” مساهمة أساسية فيها، وبالتالي يُأمل ان تكون قد دخلت البلاد فعلا مع العهد الجديد في حقبة جديدة عنوانها الاستقرار والازدهار.