.jpg)
أعادت عملية إنتخاب رئيس للجمهورية الحركة السياسية إلى البلاد وضخّت النشاط في شرايين الحياة السياسية الراقدة على رجاء مغادرة حالة الركود إلى رحاب التجاذب السياسي وسط إلتزام من جميع المساهمين بإعادة إحياء الجمهورية بالتفاهمات التي سبقت الإنتخاب والتي تبدو أنها اعتمدت الحداثة بالإتكال على ميزان الجوهرجي بدل بيضة القبان كي لا تصل إلى حالة تصادم وتضارب في العناوين الكبرى المواكبة لبداية العهد والحاجة إلى السلاسة في التعاطي لضمان إنجازات متدرجة تساهم في إعادة الأمل التائه عن اللبنانيين.
في استعراض سريع للأحداث التي جرت خلال الأيام القليلة الماضية، يتذكّر اللبنانيون جمهوريتهم الكاملة بعد حوالى سنتين ونصف من الشغور رسّخت لدينا شعوراً بأن الجمهورية لن تعود كما كانت وبأن الرئيس ميشال سليمان هو حقاً آخر رئيس ماروني للجمهورية، مبادرة جريئة أوصلت العماد عون إلى الرئاسة وتم تحرير قصر بعبدا من شغور طويل وخطير، قبول إستقالة حكومة دولة الرئيس تمام سلام، إستشارات نيابية أفضت إلى تكليف دولة الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة، وهو بدأ جولات واستشارات التأليف، لا مقاطعة من أحد، لا تشنّج، حتى الكلام الذي قيل قبل الإنتخاب تبخّر، وغداً يعود الإستعراض العسكري في “عيد الإستقلال” بحضور جميع أركان الدولة بعد طول غياب.
إذاً، قيل كلام كبير قبل الإنتخاب وصف الإستحقاق الذي حصل بأنه تسليم لبنان إلى إيران، وسقطت أوراق في صندوقة الإقتراع تحمل عبارات استراتيجية سقطت قبل أن يجف حبرها وتسابق المعارضون على لقب أول المهنئين ووضعوا أنفسهم في خدمة مستمرة لمن اتهموه بأنه “مرشح إيران” وأبدوا رغبتهم في المشاركة بحكومة الإحتلال الإيراني والمساهمة في تنفيذ المخطط الإيراني، وهذا إن دلّ على شيء فبالتأكيد أنه لا يدل على مبدئية في المواقف بل إيمان لا يتزعزع بالمصالح الضيقة على حساب المصالحة الشاملة، ليس من السهل أن تختار المعارضة ومغادرة “جنة الحكم” كما فعلت “القوات اللبنانية” دون أن تتحول إلى “جثة سياسية”.
لا شك أن الجمهورية ستعود إلى الأصول في التعاطي مع المؤسسات والشعب بعد إنتهاء فترة الإحتفالات المستحقة والمنتظرة منذ سنوات طويلة، وبانتظار تأليف الحكومة، نعوّل كثيراً على العودة إلى الغرف المغلقة في البحث في الأمور الاستراتيجية وبدء العمل في السر والعلن على معالجة الأزمات المتراكمة والتي تطال اللبنانيين في مصالحهم ومعيشتهم دون المسّ بالحرية والديمقراطية، وفي هذا الوقت أحوج ما نحتاجه هو معارضة حقيقية ومبدئية لا كيدية كي تستقيم الحياة السياسية في لبنان ليكتمل عقد النظام الديمقراطي والعمل على الوصول إلى الإنتخابات النيابية بتحالفات قائمة على الموالاة والمعارضة بعيداً عن الإصطفافات السابقة التي تلاشت روابطها هنا وهناك.
بعد كل ما سبق، نعود لنتذكر أن لبنان دولة قائمة باكتمال مؤسساتها، سقطت ذريعة عدم المحاسبة لإنتفاء البديل، وعلى اللبنانيين معالجة الثغرة التي تسمح بالشغور الرئاسي كأولوية بعد أن نجحوا في إستبعاد فكرة “تعديل الدستور لمرة واحدة فقط وأخيرة”.
