#adsense

“حزب الله” وخطاب القسم

حجم الخط

لم يَعُد خافياً أنّ “حزب الله” أذعن، مكرَهاً لا بطلاً، لاستحقاق الانتخاب الرئاسي، وذهب إلى “جنّته بالسلاسل”، بعدما سُدّت سبل التسويف والتأجيل في وجهه، وخذلته الحجج والمبرّرات، وفاجأه موقف الرئيس الحريري و”تيّار المستقبل” بعد الدكتور جعجع و”القوّات اللبنانيّة”.

ومَن يرصد بدقّة سلوك نوّابه في جلسة الانتخاب وبعدها، يُدرك أنّه لم يكن سعيداً جدّاً بالنتيجة، وباكتمال الشرعيّة اللبنانيّة بدءاً برأسها، لأنّ الحالة القائمة قبل انتخاب رئيس الجمهوريّة كانت نموذجيّة لمشروعه ووظيفته، توفّر له قشرة شرعيّة من خلال الحكومة شبه المشلولة، ولم يكن يريد أكثر من ذلك.

وقد ضاعف خطاب القسم استياءه وهواجسه، فسارع إلى اقتطاف ما يناسبه منه، وإبراز تعبير هنا أو هناك، مقطوعاً عن سياقه، وتفسيره بما يناسب موقفه وسياسته، مستفيداً من عموميّة بعض العبارات.

وسائله الإعلاميّة بادرت إلى عزل عبارة ” لن نألو جهداً ولن نوفّر مقاومة” عمّا قبلها وبعدها، للقول انّ خطاب القسم كرّس “المقاومة الاسلاميّة” في كلّ زمان ومكان، بينما حصرها الخطاب فقط بمقاومة إسرائيل وأطماعها، ولا يغطّي “المقاومة” في سوريّا واليمن والبحرين والعراق وسائر الميادين التي وحّدها السيّد حسن نصرالله ذات يوم.

مع الإشارة إلى أنّ عبارة “لن نوفّر مقاومة” لم تقترن بـ “أل” التعريف، أي “المقاومة” لحصرها في “حزب الله”، بل ظلّت في صيغة النكرة التي تحتمل توسيعاً لمفهوم المقاومة بالمطلق، يشمل الدولة اللبنانيّة وسائر مكوّناتها السياسيّة والطائفيّة.

وتذهب قراءة “حزب الله” بعيداً في تفسير عبارة “سنتعامل مع الارهاب استباقيّاً وردعيّاً وتصدّياً”، وتتوقّف عند كلمة “استباقيّاً” لترى أنّها تمنح غطاءً رئاسيّاً لحروبه الخارجيّة، وتحديداً في سوريّا.

وفي الحقيقة، يقوم الجيش اللبناني ومعه الأجهزة الأمنيّة الشرعيّة، بالتصدّي الاستباقي للارهاب منذ سنوات. وقد نجح في استباق عمليّات إرهابيّة كثيرة سواء عبر تفكيك شبكات خطيرة واعتقال رؤوسها، أو في ردع المنظّمات الارهابيّة في بعض البؤر وعلى حدود لبنان الشرقيّة والشماليّة. ويحقّق كلً يوم إنجازاً تلو إنجاز بوسائله الخاصّة وبالتعاون مع أجهزة المخابرات الدوليّة.

ولا تحتمل كلمة “استباق” كلّ هذا التوسّع في التفسير، ولا يُعقل أن تشكّل الشرعيّة اللبنانيّة غطاء لتورّط بعض اللبنانيّين في حروب الآخرين بذريعة محاربة الارهاب في منشأه وعقر داره… وإلاّ سيتحوّل لبنان إلى صاحب وظيفة عالميّة من مستوى واشنطن وموسكو وسائر الدول العظمى.

بينما طموح الدولة اللبنانيّة، بدءاً برئيسها، هو تأمين الاستقرار و”منع انتقال أيّ شرارة إليه، وضرورة ابتعاده عن الصراعات الخارجيّة” كما جاء في الخطاب. فهذه العبارة “ابتعاده عن الصراعات الخارجيّة”، معطوفةً على “السياسة الخارجيّة المستقلّة”، تشكّل نفياً حاسماً لانخراط “حزب الله” في هذه الصراعات.

ويأتي تعهّد الخطاب بتعزيز الجيش “ليُصبح حارساً أرض لبنان وحامياً استقلاله وحافظاً سيادته” بمثابة إعلان صريح لأولويّة الجيش والتزام إطلاق يده بدون شريك. وهذا ما لا يريح الوظيفة التي يتولاّها “حزب الله” داخل الحدود وعبرها، وفي الميادين التي فتحها “ووحّدها”.

كما أنّ التزام لبنان، في الدستور وخطاب القسم، الشرعيّتين العربيّة والدوليّة وقوانينهما وقراراتهما، لم ينزل برداً وسلاماً على “حزب الله” الذي لا يعترف بشرعيّة فوق شريعته.

غير أنّ “الحزب” فتّش عن ثغرة في الالتزام العربي، فوجدها في عبارة “احترام ميثاق جامعة الدول العربيّة وبشكل خاص المادّة الثامنة منه” كي يقول بوجوب عدم تدخّل دول عربيّة في سوريّا ضدّ النظام. ولكنّه يتجاهل عدم حقّه في إرسال قوّاته لحماية النظام نفسه.

صحيح أنّ بعض العبارات في الخطاب تترك شيئاً من الالتباس، وتُفسح في المجال أمام هذا النوع من الثغرات. لكنّ مسارعة “حزب الله” إلى استغلالها تكشف نيّات مبيّتة لتضمين البيان الوزاري للحكومة العتيدة نصوصاً “خشبيّة” على شاكلة “شعب وجيش ومقاومة”، إضافةً إلى تعبير “لن نوفّر مقاومة”  و”استباقيّاً”، والمادّة الثامنة من ميثاق الجامعة العربيّة… وكلّ ما يصبّ في تبرير حروبه في الداخل والخارج.

وقد تجلّت نيّته تلك في إعادة تكرار بيان كتلته النيابيّة ثلاثيّة “جيش وشعب ومقاومة” على أثر تكليف الحريري تشكيل الحكومة، ثمّ في إعلانه الصريح أنّ أولويّة تحالفه ضمن الطائفة مع الرئيس نبيه برّي هي فوق كلّ اعتبار، بما فيه اعتبار وصول حليفه إلى رئاسة الجمهوريّة ووجوب تسهيل عهده.

ولا بدّ من الاشارة هنا إلى تلاقي إيران وإسرائيل على اعتبار انتخاب الرئيس اللبناني بمثابة انتصار لـ”حزب الله”، وما في هذا التلاقي من خلفيّات ستنكشف تباعاً.

في أيّ حال، فإنّ مراوحة خطاب القسم بين الوضوح الشديد من جهة، وتقصّد العبارات الغائمة من جهة أُخرى، ستترك مساحة واسعة للتجاذب في مرحلتي تشكيل الحكومة ووضع بيانها الوزاري.

وسنشهد الكثير من عراضات الصياغات اللغويّة القابلة لأكثر من تأويل.

ودائماً كانت تركيبة لبنان تفرض اللجوء إلى اللغة لبلوغ التسويات. فلننتظر فذلكات جديدة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل