#adsense

قدّم سلاحك أنا الشهيد جريس

حجم الخط

كتبت فيرا بو منصف في مجلة “المسيرة”: 

“خالو جوجو هون” صرخ جورج الصغير، هو هنا معلق مسبحة على شجرة المسابح في ميفوق، بعيدة المسافة بين البقاع الغربي وكسروان، لكنها في لغة الحب والشهادة هي ملغاة، من يستشهد لأجل الأرض لا يختار حبة تراب هنا ويترك أخرى هناك، ابن تل ذنوب البقاعية استشهد في نهر ابراهيم ليرتاح في غابة الشهيد ومن هنا تبدأ الحكاية، قدم سلاحك إنه الشهيد جريس الحداد.

ابن البقاع لكني لا أعرفه، جاري في الجغرافيا وفي القضية وفي مساحة الحب، يا للأسف، لم أعرفه، لم يمهلني الزمن لأحكي عنه من وقت لآخر، لنلتقي ونخبر حكايات أبناء ذاك البقاع الذي كان محتلا من غريب ومن أبناء بلد كانوا للغريب سندا، ليخبرني عن ذكرياته في القتال وحكاياته في “القوات اللبنانية” وحلم السلام والوطن الحر الذي كان يلهف لتحقيقه، ذهب جريس الحداد الضابط في الصدم ولم يفسح لنا في المجال للتعارف. حتى الأمس القريب ما كنت أعرف أساسا ان لنا في الصدم ملازما شجاعا ملتزما معتنقا القضية بصمت عميق، ذهب ذات صباح ليعلن النضال وإذ به يعود ملفوفا بعلم الشرف.

هو ابن تلك القرية الصغيرة في قلب سهل البقاع الغربي، لكنه لم يسكنها كما كان يحب، بيت الأهل كان في عجلتون بسبب الحرب، كانوا تسعة اخوة ست بنات وثلاثة شبان، يبيع الأب المتقاعد من الجيش الخضار لتعيش العائلة من جنى يومه الطويل المتعب.

ذات يوم دخل جريس الى البيت وبلّغ والده “بيي أنا بدي روح ع القوات”، رفض والده، خاف عليه، فوضعه في سيارته وذهب به الى معهد بشير الجميل بغوسطا وسأل الشباب “ليش بدكن تاخدو ابني؟” ضحك الشباب وحاولوا تهدئة خاطر العم الياس موضحين له أن جريس أتاهم من تلقاء ذاته، وإذ به يفاجأ بأن المدربين في المعهد هم رفاقه من ضباط الجيش المتقاعدين، “طمّن بالك يا بو يوسف ابنك معنا بأمان” فاطمأن بو يوسف وعاد مسرورا الى بيته، ذاك البيت الذي تعمّد بأخبار المقاومين وشرب من كأسهم وأكلوا معا من ذات المعجن والقضية، اطمأن بو يوسف الى ان ابنه بين أيادٍ أمينة ولن يكون مقاتلا متهورا، بل مناضلا شجاعا لأجل وطنه وأرضه.

وتخرّج جريس وصار ضابطا والتحق بدورة طيران في العراق، وكان من الأوائل في دورته ونال تنويهات عدة، وتدرّج في مراتبه العسكرية وما لبث ان تولى بنفسه التدريبات للشباب والصبايا الجدد، ثم التحق بالصدم ولم يخبر العيلة بداية، خاف عليهم من خوفهم عليه “وبس عرفنا بعدين حسينا بفخر كبير وما صدقنا إنو جريس ضابط بالصدم كبر قلبنا إنو خينا بالصدم” تقول اخته لينا  بتأثر شديد “كنت زغيرة صحيح بس كنت قريبة كتير منو وحس إنو قلبي معلّق فيه لفرط حنانه وايمانو ورصانتو، كان أكبر بكتير من عمرو”. الكاثوليكي أراد ان يكون مارونيا، فطلب من والده ان يغيّر له مذهبه “بيي بدي أعمل موراني أنا بحب كتير مار شربل”، ضحك بو يوسف “ليش إذا كنت كتلوكي ما بيسوى تحب مار شربل؟” المتعبّد الصامت كان يغضب حين يسمع أخاه وهو يشتم “مرة قاطعني شهرين وما عاد يحكيني لأني ومن دون قصد سبيت للرب” قال أخوه الياس.

منذ 1990 لم تجف بعد دمعة الاخوة على جريس “كان حنون ونظامي يرفض أي تجاوزات ممكن نعملها لمجرد إنو خينا بالصدم” يقول الياس وهو يغالب دمعه، كيف لا يموت الشهيد، كيف يحيا بهذا العنف في قلب من يحبه؟  “بعدك لليوم زعلان عليه؟” يصمت الياس “ما بيروح من بالي ولا لحظة، جريس حياتي كلها، والله العظيم لأنو هالقد كان منيح ربنا أخدو على بكير”. في الواحد والعشرين ربيعا، علّقه الرب شعاع ضياء فوق سحاب الحب، من يرَ الله يحزن بابتسامة ومن يرفض حضور الله يغضب، ومن يؤمن ان الشهيد لا يموت يسأل، كيف اختصر المقاتل المؤمن زمنه ليصبح بهذه الفترة القصيرة كل ذاك الإنسان الممتلئ من  قيم المناضل من حب الإنسان؟

العام 1989 طلب منه والده ان يهاجروا جميعا الى كندا وبدأ بتحضير أوراق السفر للعيلة، رفض بشدة “ما بترك رفاقي بالحرب وبهرب”. أصر عليه والده فطلب جريس منه بأن “إذا كنت بقلب البحر وعرفت ولعت الحرب بدي أترك وإرجع سباحة عند رفاقي” لكنه لم يذهب، لم يهاجر بقي هنا كمن يعرف ان الأرض تحتاجه اكثر، قد يعرف الشهداء في سرهم ان سيكونون شهداء من يدري، فلا يهربون من مصيرهم بل يهرعون إليه بحب غريب.

في الأيام العادية كما في الأيام الصعبة، كان يصر على زيارة العيلة للاطمئنان إليهم، لم يكن البكر لكنه يتصرّف وكأنه كذلك، عندما يدخل البيت يشيع أجواء الفرح والاهتمام، يأكل مع اخوته ويسهر ثم يذهب كي يربحوا مكانا إضافيا ينامون فيه “يروح ينام بالثكنة حتى نتوسّع بالمطرح، كل حياتو يهتم فينا وبالتانيين، جريس كان عامود البيت وما وصل إليه بهيداك الوقت نحنا ما قدرنا نعملو، قلبنا مليان بالفخر لأن عنا شهيد من “القوات” بالصدم” تقول لينا.

العام 1990 يوم الأربعاء 31 كانون الأول، لم يذهب لسهرة رأس السنة كما يفعل الناس العاديون، كان رفاقه في مهامهم العسكرية، صعد الملازم في الصدم الى دبابته حين أصابتها قذيفة فاستشهد مع رفيقه  فخر فخري، لم تعرف العائلة باستشهاده إلا بعد سبعة أيام، وأبلغوا انه مدفون في غابة الشهيد في ميفوق، “خلصت حياتي” صرخ والده عندما علم باستشهاده،  ولم تحتمل العيلة هذا الألم المريع فهاجرت بعد أربعة أشهر الى كندا ولم تعد إلا منذ فترة قصيرة، لكن وعلى رغم الغياب كانت تلتقي العيلة سنويا في بيت جريس فوق في ميفوق، صار المدفن مكان اللقاء السنوي للعيلة، فوق يعمّدون أطفالهم، وفوق يصلون، وفوق يقطعون بالدمع مساحات الشوق، ذهب جريس ليصبح في العيلة ثلاثة جريس وآخر شربل على اسم شفيعه، “منطلع كل سنة كلنا كلنا على ميفوق ومنقضّي نهار كامل معو وكأنو موجود بيناتنا وهو فعلا موجود وكل حدن منا بالبيت صار عندو جورج وصوره بكل بيوتنا” تقول لينا، أما الياس فيعيش بروح أخيه “طلعت متلو بحب “القوات” ومنتسب إلها وفخور فيه وبحالي لأني متلو، جريس هو النور بعيوني ووسام بعلقو على حياتي”، ولا يتوقف عن ذاك الدمع الذي يتحول تدريجا من المرارة الى الحب، كل الحب وأكثر بعد.

هل ندمت العيلة لانتسابها الى المقاومة؟ تزعل لينا من السؤال “حياة قلبنا “القوات”، صحيح خيي شهيد بس ما بتعودي تندمي لأن بعدن رفقاتو لليوم بيحكوا عنو، ودايما بقول يا ريت عندنا مية شب تـ نقدمن للقوات”.
كيف تكون من أهل الشهيد وتبقى هكذا في عز الحب والعنفوان ولا يكسرك كل ذاك الحزن؟ اسألوا جريس الحداد، فضابط الصدم ترك كل حاله هنا، سلم كل ذاك الشرف والعنفوان ولم يرخ سلاحه إلا أمام يسوع، وبقيت البدلة الزيتية والجعبة معلقة على حائطها هنا تشهد… قدم سلاحك أنا الشهيد جريس الحداد.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل