الجلسة الإفتتاحية للمؤتمر التربوي لمصلحة المعلمين في “القوات”

إنطلقت أعمال المؤتمر التربوي الذي نظمته مصلحة المعلمين في “القوات اللبنانية” تحت عنوان “من أجل وحدة العائلة التربوية” في مقر الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية برعاية البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي والذي إستهل بالذبيحة الإلهية وترأس القداس أمين عام المدارس الكاثوليكية الأب بطرس عازار وعاونه الآباء الدكاترة وليد موسى وطوني غانم وأندريه ضاهر.

وحضر القداس النائب إيلي كيروز ممثلاً رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع، وزير التربية والتعليم العالي الياس بو صعب، الأستاذ يوسف فنيانوس ممثلاً رئيس لجنة جبران الوطنية الدكتور صالح شدياق، نقيب المعلمين نعمة محفوض، وممثلين عن الأحزاب السياسية إضافةً الى عدد كبير من مدراء المدارس والمعاهد والإدارات التربوية وحشد من الآباء والراهبات وأعضاء المصلحة.

وألقى الأب عازار بعد تلاوة الإنجيل المقدس عظةً شكر فيها رئيس وأعضاء مصلحة المعلمين لإصراره على إنطلاق المؤتمر بالقداس الإلهي داعياً الى الشهادة للحق والحقيقة متمنياً أن يعم السلام لبنان والعالم وأن نشهد جميعاً لحياة المسيح مع إنطلاقة السنة الطقسية.

مطر

بعد  القداس، إنتقل الجميع الى قاعة المؤتمرات في المقر العام حيث أقيم الحفل الإفتتاحي الذي إستهل بالنشيد الوطني اللبناني ونشيد “القوات اللبنانية”، ثم رحبت أمينة سر المصلحة مايا مطر بالحضور وقالت: “منذ بزوغِ الحرف، لمعت شرارة العلم والمعرفة، وتمّت ولادة الثقافة من رحم الإنسان، فكان المعلّم أوّل شعاع نور يصيب الأذهان والعقول… وأصبْنا الهدف… ولمع اسم لبنان راية للثقافة، وهالة تكلّل أذهان البشر. من أجل وحدة العائلة التربوية”، مؤتمرنا اليومَ، يضمُّ بين حناياه أقطابَ العلمِ والمعرفةِ ، يهتفون معًا، وبصوتٍ واحدٍ موحَّد، ” نعم” لتربية واحدة… “نعم” لتربية موحدة… نرحّب اليوم بكلّ مَن آمن برسالتنا التربويّة، فأراد أن نشكّل معًا، إنطلاقة تربويّة جديدة، متشعّبة آراؤها، أمّا أهدافها فموحّدة…”.

كلزي

بعد ذلك رحب عضو الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية الأستاذ ليون كلزي بالحضور والفاعليات المشاركة وقال: “أتمنى للحضور يوماً مثمراً وناجحاً وأتطرق الى نقطتين مهمتين هما: موضعة المؤسسة التربوية في هيكلية بناء الدول الحديثة بكلام أفصح ما هي الرسالة المنوط بالمؤسسة التربوية القيام بها؟ أهي إعادة إنتاج اللامعنى؟ أهي الإصطفاف أم هي صناعة التغيير؟ في الممارسات في الدول تبين أن ثمة طريقين لإختراق الروتين القاتل في المجتمعات إما الثورة وإما التربية، والثورات إحصائياً معظمها فشل إن إستعرضنا التاريخ وبينكم مؤرخون كم من ثورة أفضت الى فشل ذريع وأكلت ثوارها اما التربية وهذا الرهان هي فعل تطويع الفرد حتى يتجرأ عن مجتمعه ليكون منه مجتمعاً أفضلاً وهذا الأمر ينسكب علينا نحن التربويين ماذا نريد أن نكون؟ معيدي إنتاج الحالات نفسها أم صانعي الوعي مكوني الوجدان، خالقي الحقيقة، هذا هو رهاننا رجائي أن يكون إنعقاد مؤتمرنا اليوم في غمرة حالات التفاؤل التي تعصف بوطننا وآن لنا أن نتذوق بعضاً منها أن يتحول هذا التفاؤل فعلاً مستمراً من التأصل من إعادة إنتاج ما هو أبعد وأنفذ وفي زعمي قمة القمم الذات الإنسانية.

جعلنا الله نحن أبناء الكنيسة نحن معشر التربية نحن الذي يؤمنون أن التربية رسالة لنقل البشرى سواء لبست هذه البشرى لبوساً مسيحياً خالصاً أم لبوساً علمانياً الرسالة الإنسانية هي نفسها وفقكم الله ووفقنا ان نكون كل من موقعه حاملين قبس الآب في نبضات إبنه  التي تبدت عملاً كنسياً ولاهوتياً وأختم بتحية الى الذين نظموا هذا المؤتمر رأيت فيه تشكلاً في الأبعاد رأيت فيه إنعكاساً لاهوتياً وإن لم يظهر في سياق جلي ورأيت فيه حخصوصاً رغبةً في بناء أسس لما هو أبعد.

نحن في خبرة السنوات الماضية كنا إنفعاليين ننفعل على قرارات حكومية ونقابية آن لنا أن نفعل ونستبق قد يكون من المفيد أن ألصق في هذا المؤتمر صفة المؤتمر الإستباقي لأننا الآن في حال من الهدوء ويطيب لنا وحري بنا أن ننسج وشائج من الوحدة تتخطى وتتصدى وتستبق ما يمكن أن يعقب بنائنا التربوي وحالة عائلتنا التربوية العامة”.

بطيش

ثم ألقى رئيس مصلحة المعلمين الأستاذ رمزي بطيش كلمة قال فيها: “لا شك أنّ العمل التربوي يهدف إلى نيل الوحدة لذلك لا بد لي بداية من أن أحدّد هدفنا الا وهو وحدة العائلة التربويّة.

يقول الفيلسوف الفرنسي بليز باسكال: “الأعمال النبيلة تحصل في الخفاء، وبذلك تكون أكثر استحقاقاً للإحترام والتقدير” لتلك الأعمال نذرنا أنفسنا، والتربية نُبلٌ وإخلاص وتفانٍ، فالعلم رسالة وحق وواجب وعمل دؤوب واستمراريةٌ… وحين نصل إلى وحدة العائلة التربوية نصل حتماً إلى وحدة المجتمع وتالياً إلى دولة القانون والعدالة الإجتماعية دولة لا يعتدي فيها المدير على حقوق المعلّم ولا يبتزّ فيها المعلم تلميذَه ويدرك أهل التلاميذ حقوقهم وواجباتهم فيتعلّموا كيفيةَ المطالبة بها.

يُخطئ الذي يعتبر أَن السياسةَ بعيدة من التربية، ويُطئ أكثر من يُقصي السياسةَ عن التربية… صدق من قال: إنّ من يُنشئ أماً صالحةً ينشئ جيلاً صالحاً. وعليهِ نقولُ: منْ يُعِدّ معلمين كفوئين، يضمن تربية وتعليماً لجيل ناجح من الطلاب نطمح أن نُعدّه لوطننا وشعبنا.

أمّا عن دور الأحزاب في صلب الحياة التربوية فيحلو لي أن أُعطي التشبيه التالي:

يقوم السوق الإقتصادي على مبدأ التنافس بينما يقضي الإحتكار على روح المبادرة. على هذا الأساس يجب أن تعمل الأحزاب السياسية على تطوير المجتمع وذلك بالتكافل والتضامن والتنافس البنّاء عندما تدعو الحاجة لضمان الأفضلِ ..

وعلى كلّ مجموعة سياسية أن تتقدم بمشاريعها التّربويّة جنباً إلى جنبٍ مع تصوّراتها الإنمائية والصناعية والتجارية في سبيل بناء الوطنِ

وفي حزب “القوات اللبنانية” لا تغفَل عين القيادة عن ضرورة العمل من أجل بناءٍ تربويٍّ متين، لأنّ بناء جيل الغد همُّنا الدائم. فشعارنا: “كنّا ولم نَزلْ مؤسسةً نحو المستقبل وأطفالنا هم مستقبلنا”.

وعليه أتوجّه ببعض الأفكار النّابعة من واقع الحياة التربوية:

بداية إلى مديري المدارس:

  • نحنُ عائلةٌ واحدةٌ، فكما لا يسمح ربّ البيت لنفسه أن يهدِّد أولاده في قوتهم اليومي، كذلك على مدير المدرسة أن يتمنّع عن تهديد المعلم في وظيفته
  • ولا يجوزُ أن يبقى الخامس من تموز سيفاً مسلّطاً على أعناق الأساتذة يهدّد بقطع أرزاقِهم…

أما لزُملائي المعلمين فأقول:

  • التعليمُ رسالة، وهذا أمر لا يختلف عليه اثنان، لكن حان الوقت يا رفيقي المعلم أن تحوّل التعليم إلى مهنة حقيقية من دون أن تنزع عنها قدسيةَ الرسالة لا بل على العكس تصبح معلماً محترفاً، يحترفُ نحْت الأذهان وصقل الشخصية وبناء الإنسان…
  • جعل نقابة المعلمين نقابة ملزِمة، لا ينتسبُ إليها إلا المعلم الحقيقي…
  • وعلى المعلّم أن يقوم بواجبه خير قيام فلا منّة من أحد ولا سوء نيّة في حال طالب بحقوقه كاملةً…

وللقيّمينَ على إدارات المدارس وعلى الشأن التربويّ الرسمي فأتوجه إليهم قائلاً:

  • أزيلوا الأعباء والأحمال عن أكتاف التربية وارفعوا الغُبن عن كواهل التربويين والمعلمين.
  • أزيلوا الفائض بحسب مبدأ تطبيق الثّواب والعقاب، فيتمكن المعلم من المطالبة بحقه فلا يُؤخذ المعلم المغبون بجريرة ذاك الكسول وقد أُتْخِمَتْ به الدوائر والمصالح أمّا المعلّم النشيط والمنتج فيبقى في الحضيض…

أمّا للأهل الأحباء أهلنا أوّلاً وآخرًا فأقول:

  • نحن وأنتم في صف واحد، أبناؤنا وأبناؤكم يتشاركون المصير عينه…
  • وعليكم واجب المسائلة مع إدارات المدارس، فإن أنتم لم تسائلوا فمن الذي يفعل؟

وللجان الأهل أقول:

  • فَعِّلوا دوركم، إنّ دوركم اساسي فأَدوه كما يجب…

ها إنَّ الذبيحةَ الإلهيةَ قد كرست وحدتنا فكما تناولنا الجسد والخمر في شركة واحدة مع المسيح فصرنا جسداً واحداً ودماً واحداً… وعليه فلنضع قليلاً من هذا الخمر المحيي في قلوبنا فنتحوّل عُصارةَ حياة وتربية.

أنعِم علينا جميعاً ربي بنعمة التواضع فيغُضَّ المعلّم الطرْفَ عن بعضٍ من حقوقه وتتخلَّى الإداراتُ عن بعضٍ من مزاياها، وينظرَ الأهلُ بعينِ الحقِّ إلى معلّميهم ومعلّمي أولادِهم، فنصلَ بذلك في ختامِ هذا اليوم إلى قواسِمَ مشترَكةٍ تُعيدُنا إلى مبدأِ الشَرِكة والمحبة.

هلُمّوا لنُعيد التربيةَ إلى حالتها السليمة عائلة تربويّة متضامنة. عائلة تضمّ أهل الطّلاب، إداراتٍ واساتذةً ساسةً لا سياسيين… هلُمّوا لنُعدَّ طلاباً قادرين على قيادة زمام وطن مبني على احترام الدستور والدولة، طلاباً يتطلعون إلى غدٍ مشرقٍ تصبو إليه مصلحة المعلمين في “القوات اللبنانيّة”، فعل إيمان لها”.

كيروز

ثم ألقى النائب إيلي كيروز كلمة رئيس حزب “القوات اللبنانية” وفيها:

لقد كلّفني رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع أن أمثّله في حفل افتتاح المؤتمر التربوي، الذي دعت إليه مصلحة المعلمين في “القوات اللبنانية” برعاية صاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في عين نجم في مقرّ الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية. إن ما يجري عندنا وحولنا يطرح من جديد وبإلحاح مفهوم التربية باعتبارها مفتاح الحل لأزمات البشرية. ويأتي هذا المؤتمر في مرحلة خطيرة يمرّ بها لبنان وتمرّ بها المنطقة: إن الوضع في لبنان يتميّز بشلل الحياة السياسية وتعطيل المؤسسات الدستورية وتمدّد الحرب السورية إليه ونمو القلق المسيحي العام، كما يتميّز الوضع في المنطقة بالحروب والصراعات وانتشار دوّامة العنف وتطاحن المشاريع والرهانات. وتبرز ظواهر فكرية وسياسية مقلقة لا تعترف بالآخر وبرأي الآخر وبالتعددية. وتشكل تحدياً كبيراً يواجه المنطقة والعالم.

وأضاف: “في مجتمعنا المعاصر، تبدو المشاكل المتعلقة بالهوية الأخلاقية، والخيارات والسلوك، مرتبطة بأزمة التربية. وخلف هذه الأزمة تكمن أزمة تحديد المرجعية الضرورية، التي تسمح للشخص البشري بوعي حقيقة ذاته في سلّم خياراته وقراراته الأخلاقية.

في مدارسنا الكاثوليكية حُدِّدت هذه المرجعية بمثلث ذي أضلعٍ ثلاثة: الأهل، إدارة المدرسة، المعلمون..

I- الأهل والمسألة التربوية.

     لا شكّ في أن تمثيل الأهل بلجان منتخبة من قِبًلِهم يساهم في تحمل مسؤولياتهم التربوية بالتعاون والتضامن مع إدارة المدرسة والمعلمين. ومع ذلك فإن وجود مثل هذه اللجان لا يعفي الأهل من ممارسة مسؤولياتهم التربوية المباشرة تجاه أبنائهم. فالمكان الأول حيث تقوم فيه العلاقات البشرية، وحيث يبدأ الإنسان خُطاه الأولى على طريق الأنسنة، هو العائلة. لذلك فهي أول المعنيين بالمسألة التربوية. ويكون السهر على هذه المؤسسة الإجتماعية، ضرورة حتمية، للحفاظ على مجتمعٍ يقبل بالتربية طريقاً لسلامة الإنسان.

تقول “رسالة العلمانيين” في المجمع الفاتيكاني الثاني : “مسؤولية تحضير الأولاد، منذ صغرهم، لاكتشاف محبة الله للجميع، تقع على عاتق الوالدين، فعليهم بالمَثَل أولاً تدريبهم على الإحساس مع الآخرين، والإهتمام بحاجاتهم الروحية والمادية”.

     وإذا كان كل عمل تربوي يقتضي تدخل الآباء بخيارات الأبناء، فهذا التدخل لا يعني أن تحل خياراتهم محل ما يختاره أبناؤهم. فإذا ما أراد الآباء أن يختار أولادهم الأمر الجيد، عليهم أن يُظهِروا هم ما هو جيّد، يعني الخيارات الملموسة الممكنة التنفيذ. وهكذا يكون الآباء قد اختاروا لأبنائهم وليس عنهم.

     وهنا يُلاحَظ أن دور “الشهادة” أو “إعطاء المثل الصالح” يغلب على غيره من الأساليب التربوية.

    II- المدرسة والمسألة التربوية.

 صحيح أن للأهل حرية اختيار مدرسة أولادهم، حسب ما يمليه الضمير، كما يقول المجمع الفاتيكاني الثاني الذي يضيف واصفاً المدرسة بأن لها أهمية خاصة بين كل وسائل التربية. فالمدرسة، بقوة رسالتها، تنمّي القوى العقلية نمواً مضطرداً، وتُمَكّن من إعطاء الحكم الصائب، وتشجّع معنى القيم، وتُعِد للحياة المهنية، فتخلق بين الطلّاب، وقد اختلفت أخلاقهم، وتباين أصلهم الإجتماعي، روحاً من الصداقة تساعد على التفاهم المتبادل.

     زِد على ذلك، أنها تؤلف مركزاً يلتقي فيه المعلمون والجماعات المختلفة الأنواع التي خُلقت لتطوّر الحياة الثقافية والمدنية والدينية، وأخيراً المجتمع الإنساني بكامله، لتتقاسم مسؤوليات سيرها وتقدمها.

III- المعلمون والمسألة التربوية.

     وإنه لعبء ثقيل، كما يقول المجمع، وجميل معاً، عبء الدعوة التي دُعي إليها أؤلئك الذين تحملوا مسؤولية التربية في المدارس، أعني بهم المعلمين، كي يساعدوا الأهلين في إتمام واجبهم  ويمثلوا المجتمع البشري. إنها لدعوة تتطلب مواهب عقلية وقلبية خاصة، واستعداداً بعيد المدى وهمّةً دائمة للتطور والتكيّف.

     لا ينسى المعلمون أن عليهم قبل أي شيء آخر يتوقف نجاح المدرسة الكاثوليكية في تحقيق أهدافها والبلوغ الى غاياتها، كما يقول البابا بيوس الحادي عشر في رسالته “المعلم الإلهي”.

     إن الدور الذي يقوم به المعلمون هو رسالة أصيلة، ضرورية لعصرنا وموافقة له بالوقت ذاته، كما يقول المجمع.

     كل هذا يتناغم مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، خاصة في المادة السادسة والعشرين منه التي تنصّ على أن :

– لكل إنسان الحق في التربية…

– وعلى التربية أن ترمي الى التنمية الكاملة لشخصية الإنسان، والى توطيد احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية. عليها أن تعزز التفاهم والتسامح والصداقة بين الشعوب والمجموعات العنصرية أو الدينية…

IV- الكنيسة أم ومعلمة.

     إن الكنيسة، كأم ومعلمة، بحسب البابا يوحنا الثالث والعشرين، هي الأعلى كفاءةً عبر مؤسساتها التربوية، في إعلان وتحقيق حقوق الإنسان، كما كان يتمنى ذلك شارل مالك الذي يضيف قائلاً : “كم تبدو جهودنا كلها في سبيل حقوق الإنسان شبحاً شاحباً وبائساً بالمقارنة مع المثال الإنساني الذي تحقق لنا جميعاً في يسوع المسيح. ومهما فعلنا بالنسبة الى مواثيقنا البشرية، فلا شك أنه قادر على حفظ ميثاقه معنا”.

بو صعب

بعد ذلك ألقى وزير التربية والتعليم العالي الياس بو صعب كلمة نوه فيها بالمؤتمر الذي نظمته مصلحة المعلمين في مركز الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية داعياً جميع مكونات العائلة التربوية بالقول لا تنقسموا فيما بينكم لكي لا يتقاسمكم السياسيون. وقال: إذا إنقسم أفراد العائلة بين بعضهم البعض على أي أمر، مهما بلغت أهميته، فإنهم يدفعون ثمن هذا الإنقسام من رزقهم وتماسكهم ومستقبلهم. لذا أدعو جميع مكونات العائلة التربوية وأقول لهم: لا تنقسموا في ما بينكم لكي لا يتقاسمكم السياسيون.

إن مبادرة مصلحة المعلمين في القوات اللبنانية لتنظيم هذا المؤتمر برعاية كريمة من صاحب الغبطة والنيافة البطريك مار بشارة بطرس الراعي، هي فعل إيمان للوحدة التربوية ودعوة صادقة للتشاور في قضية التربية، هذه القضية التي وضعناها في رأس الأولويات الوطنية لإرتباطها الوثيق بكل حياة المجتمع في كل بيت وعائلة لبنانية.

إن كلفة التعليم تشكل حملاً ثقيلاً على كاهل الأهل في ظل الأزمة السياسية والإقتصادية التي عصفت بالبلاد والتي نأمل مع إطلالة العهد الجديد ان تكون الأزمات أصبحت وراءنا وان تكون الجمهورية برئاسة فخامة الرئيس العماد ميشال عون منطلقة بكل ثقة مع حكومة جديدة وأمل جديد وكبير بالتعاون بين الحكومة والمجلس النيابي بمواجهة القضايا الملحة في البلاد، وفي مقدمها تأمين سلسلة الرتب والرواتب لأفراد الهيئة التعليمية توفر لهم الحد الأدنى من العيش الكريم، وترفع الغبن الذي لحق بهم، وتوفر التوازن بين إمكانات الأهل وقدرات المؤسسات التربوية،  ونحن حريصون على حصول القطاع التربوي على كامل حقوقه لأنه لم يعد مقبولاً ولا يمكن أن نرى بلداً في العالم يرضى برواتب المعلمين كالتي تعطى في لبنان وأؤكد في نهاية تسلمي هذه الوزراة أنه من المعيب أن يحصل المعلم على راتب أقل من الراتب الذي يتقاضاه طالبه قبل أو بعد تخرجه، فكيف يمكننا بناء وطن طالما أن الدولة غائبة غياباً تاماً عن إنصاف الأساتذة والمعلمين وهذا الأمر يستدعي التبصر والتعمق في البحث ضمن هذا المؤتمر التربوي، سيما وان صعف الترابط بين مكونات العائلة التربوية جاء في شكل أساسي من الخلاف حول السلسلة. وبالموازاة مع الموضوع المالي هناك ورشة لا تقل أهمية وهي ورشة تطوير المنهاج التربوية التي يتولاها المركز التربوي للبحوث والإنما، فلا تتأخروا كلكم مؤسسات خاصة ورسمية ومعاهد عن المشاركة في ورشة العمل التي نعدها للتطوير والتحديث والعصرنة، سيما وأن المناهج التي يزيد عمرها عن العشرون سنة تعني كل تلميذ ومعلم ومدرسة وأهل. كما ان التسارع في قفزات التكنولوجيا يستدعي الكثير من بعد النظر والإستعداد البشري والمادي وافنخراط في العصرنة من بوابة العصر الرقمي. والمناهج التي فيها تكرار يجب تحديثها لأنه حان الوقت لإزالة الحشو والتكرار وجعلها مناهج تفاعلية تواكب العصر الذي نعيشه. ومن هنا أقول بما انه هناك أزمة جراء النزوح السوري في لبنان تمكنا من تحويل هذه الأزمة الى فرصة وقلنا للمجتمع الدولي لا يمكننا تحول عبء النازحين وتعليم كافة الأطفال وقطاعنا التربوي غير سليم وبحاجة الى المساعدة وتأمنت الأموال الكافية لتطوير المناهج بما لا يقل عن خمسون مليون دولار كي تصبح مناهج تفاعلية في كل المدارس الرسمية وفي كافة المراحل ونحن حريصون في الجزء الثاني من الأموال على إعادة بناء المدراس الرسمية في كافة المناطق اللبنانية. ونأمل أن تحدث هذه الأمور فرقاً يؤسس لشراكة بيننا وبين المدارس الخاصة، لذا أكرر دعوتي لكم للمشاركة في تطوير المناهج، ورشة تطوير الإمتحانات، غياب، الأسباب. أما التحدي الكبير فهو كيفية التعاطي مع ملف النازحين الذين أصبحوا يشكلون العبء الأكبر على الدولة بكل مؤسساتها الأمنية والصحية والتربوية والإقتصادية والإجتماعية وعلى سوق العمل.

إن هذه المحاور تستدعي حواراً معمقاً بين الجميع وليس هناك أفضل من أهل التربية للتحاور والتشاور فيما بينهم ومع المعنيين بالقضايا الأخرى من أجل تبني توجهات على المديين القريب والبعيد، والخروج بتوصيات قابلة للتطبيق.

يبقى أمر بالغ الأهمية وهو الرهان على المدارس الرسمية وعلى تقويتها ورفع مستوى جودة أدائها لكي تكون الرافعة الإقتصادية والتربوية والإجتماعية. وهذا ما عملنا على ترسيخه طوال فترة تولينا المسؤولية في وزارة التربية والتعليم العالي. وليس سراً نذيعه اليوم إذ إن الضعف الذي أصاب مستوى التعليم الرسمي قد أرهق العائلات وإستدعى توجه العائلات غير الميسورة الى إختيار مدارس خاصة تقدم تعليماً ذا مستوى أقل من الوسط مما جعل العائلات أقل عدداً لجهة الولادات، وذلك لكي يتمكن الأهل من تعليم أولادهم جميعاً.

وأشار بو صعب الى أن الوزارة بصدد إعداد دراسة وافية عن المدراس التي لا تستوفي الشروط المطلوبة تربوياً سيتم إقفالها وسندعم المدارس الجيدة كي لا تبقى ترزح تحت عبء التربية والمادة. نحن لا نريد ان نظلم المدارس الخاصة لأننا ندرك تماماً بأن ثلثي التعليم في لبنان يعتمد على المدراس الخاصة والثلث على المدارس الرسمية وهذه المدراس تكمل بعضها البعض ولا يمكننا أن نقوي قطاعاً على آخر ويهمنا الشراكة بين الإثنين كي نصل للنجاح التربوي.

وتابع: إن صاحب الغبطة يعرف تمام المعرفة أهمية الرهان على المدرسة الرسمية كقطاع منتج للمعرفة ومعدوم التكاليف في ظل تطبيق مجانية التعليم وإلزاميته حتى نهاية المرحلة المتوسطة، وكقطاع وظيفي يؤمن فرص العمل لعدد كبير من السيدات والرجال في المناطق كافة.

إن بركتكم يا صاحب الغبطة تعطي الأمل المتجدد بالعهد الجديد، كما ان مواقفكم الوطنية المشرفة وخصوصاً في مجال التربية، تجعلنا الجيش المدني الذي يقف خلف الجيش اللبناني والى جانبه من اجل إستنهاض الوطن بكل قواه لكي نعود الى واجهة إهتمام العالم بكل قوة ومحبة وثقة متبادلة بين اللبنانيين.

كما أشار الوزير بو صعب الى أهمية المصالحة التي تمت بين القوات والتيار والتي يجب أن تستكمل مع كافة مكونات الوطن لنتمكن من حل كل الأزمات خصوصاً بعد أن أصبح لدينا رئيساً للجمهورية أتى به الشعب اللبناني أولاً وآخراً.

وقال: “نحن دعاة شراكة حقيقية وحوار متواصل، وقد تنازل الجميع من أجل لبنان فربحنا جميعاً وربح الوطن. إنني أدعو العائلة التربوية بكل عناصرها أي المعلمين والمدرسة والأهل والتلامذة الى الإجماع حول عدالة هذا الملف وتوازنه، وأشكر مصلحة المعلمين في القوات اللبنانية على مبادرتها الكريمة لعقد هذا المؤتمر المهم، كما أشكر الأمانة العامة للمدارس الكاثوليكية على الإستضافة وتوفير الخدمات اللازمة لنجاح المؤتمر. وأقدر عالياً جهود التربويين والباحثين والخبراء من أجل إقتراح ومناقشة الأفكار الأفضل”.

نفاع

ثم كانت كلمة راعي المؤتمر البطريرك الراعي ألقاها المطران جوزيف نفاع وفيها: أن نجتمع معاً في مؤتمر حول المجرسة لهو أمر فائق الأهمية. نأمل فيه أن تعود عجلة الخير الى الدوران في أرجاء وطن خرج منذ أيام قليلة من فراغ رئاسي كاد أن يدمر كل مقدراته. أنقل لكم تحيات صاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الكلي الطوبى وتمنياته أن يؤتي مؤتمركم هذا ثماره المرجوة.

أيها الأعزاء، المدرسة هي كنز لبنان فمن أهم مميزات هذا الوطن الصغير أنه كبير بالعلم وكبير بأدمغته التي صدرها الى أربعى أقطار المعمورة. رفع اللبنانيون بنيان الدول حيث حلوا. ونامل بالتالي أن يتمكنوا الآن من خدمة وطنهم الأم على غرار ما حققوا ويحققون في كل مكان. والمدرسة هي العامل الأول في ضمان بناء المستقبل فيها نبني الإنسان ومنها يستقي المجتمع رجالاته إختصاصييه وعماله.

لا يخفى على أحد أن المدرسة عانت من ضغوط كبيرة طوال سنوات الحرب وما تزال تعاني حتى يومنا هذا. ومع الظروف الصعبة التي واجهها لبنان في السنوات الأخيرة تفاقمت الصعوبات والتحديات حتى باتت بعض المؤسسات التربوية في أزمى حقيقية. كما باتت إدارات المدارس بشكل عام متهمة إن من الأهل غير القادرين على دفع الأقساط وإن من الأساتذة المطالبين بأمور كثيرة والبعض منها محق، وإن من الدولة نفسها التي لا تولي المدرسة الخاصة العناية الكافية. من هنا اهمية هذا المؤتمر بغية ردم هذه الهوة قدر المستطاع حتى يعود القطاع التربوي الى تأدية الدور الحيوي المطلوب منه.

من الواضح ان المشكلة الأساسية في المدراس الخاصة هي إقتصادية فكلفة التعليم المتميز أصبحت عالية جداً. المطالبات كثيرة من قبل الأهل بجعل التعليم مجاني، إسوةً بدول العالم المتحضر، وهم يوجهون مطلبهم المحق هذا خاصةً الى الكنيسة التي تتمنى لوكانت قادرة على ذلك. ولكن يجب الإشارة أولاً الى أن الكنيسة دور كبير وريادي في التعليم المجاني إذ تنتشر مدارسنا المجانية على كامل رقعة هذا الوطن. مدارس مشهود لها بمستواها وجديتها المعهودة في كل المدارس الكاثوليكية. ما يؤسفنا حقاً أن الأهل يتمنعون مراراً عن تسجيل أولادهم في هذه المدارس المجانية، لا لشيء إلا لأن الخدمات والنشاطات اللاصفية متطورة جداً في المدارس الأخرى. من هنا نفهم أن ما نبحث عنه أحياناً كثيرة ليس التعليم بحد ذاته بل مكملات التعليم، على أهميتها ومنفعتها الكبيرة للطالب. إلا أن نهذه المكملات مكلفة ولا تجد من يغطي نفقاتها عن الأهل لا من قبل الدولة ولا من قبل الجهات المانحة.

نتمنى على المؤتمرين من خلال عملهم المبارك اليوم السعي الى إيجاد نوع من التوازن بين المطلوب والمرتجع وبين الإمكانيات المادية والمتوجبات. لا بد من توضيح الصورة أقله بيننا نحن المؤتمرين اليوم، نحن المسؤولين في القطاع التربوي، فعاليات رسمية وحزبية، إدارات ونقابيين، أساتذة ولجان أهل. إذا توصلنا الى توحيد رؤيتنا أو أقله الى تقريب وجهات النظر ووضع خطة عمل لتذليل العقبات، سنتمكن من بث روح إيجابية في معالجة الصعوبات والمشاكل، مما يمنع التجاذب المؤذي والمضر. نحن بأمس الحاجة الى هذه الإيجابية والى تعاون بين كافة مكونات المجتمع في إعادة بناء ما دمرته السنين الصعبة الماضية.

إنما من الضروري أيضاً أن نتنبه أن الصعوبة ليست فقط إقتصادية. نحن معرضون للسقوط بسرعة في تجربة حصر كل شيء بالمال وكأن هذا الأخير هو حلال المشاكل. يجب أن لا ننسى حقيقة أن لا وطن بلا أخلاق. نسمع كل يوم ان مشكلة لبنان الكبرى هي الفساد وإننا لو تمكنا من إيقاله لعاش لبنان واللبنانيون بألف خير وبأفضل بحبوحة. إذاً المشكلة الأكبر ليست نقصان المال بل نقصان الضمير. نسمع الكثيرين يتهمون رجال الدولة بالفساد. إنه إتهام الآخر: لست أنا السبب بل هم! ولكن علينا أن نقر أنه لولا إستشراء الفساد في كل حنايا الوطن، لا بل وأقول، لولا أن هذه الافة أصابت السواد الأعظم من اللبنانيين لما تمكن فاسد واحد من الوصول الى مراكز القرار. من السهل إتهام الآخرين وإلقاء اللوم عليه. نعتقد أننا بذلك نبرئ أنفسنا أو نجد لها عذراً لما تقوم به من مخالفات وتجاوزات ولجوء الى الواسطة وغيرها من الأساليب الملتوية. ولكن هذا لن يغير شيئاً في الحقيقة أننا بغالبيتنا دخلنا في هذه الدائرة الفاسدة ولم يعد بإمكاننا بالتالي مجابهة هذه الآفة في المجتمع، فعند أول إعتراض نوجهه الى فاسد سنسمعه يقول لنا: أيها الطبيب طبب نفسك.

يكفي أن نسير على الطريق لنكتشف حقيقة فسادنا المرة: في طريقة قيادتنا للسيارة، في تصرفنا تجاه أبسط القوانين، في عدم محافظتنا على الممتلكات العامة. غن التصرفات اليومية هي مرآة لا تغش لأخلاق صاحبها. وللأسف، نجد أن هذا الواقع مس أيضاً اليافعين من أولادنا. نجده في المدرسة، في كيفية تعاطي الطلاب مع بعضهم، مع أستاذتهم ومع الإدارة.  والأخطر ان بعض الأهل لا يستشعرون أي خلل في هذا الواقع لا بل أن بعضهم يشجعون أولادهم على هكذا تصرفات معتبرين أنها علامة قوة. نحن بحاجة في مدراسنا وفي عائلاتنا الى إعادة بناء الإنسان، حتى يبني هو المجتمع والوطن. والمدرسة الدور الأهم في هذا المشروع الأساسي. المدرسة مدعوة الى بذل جهد أكبر في هذا المضمار: التدريب على حسن الأخلاق على إحترام الكبير وإحترام القانون وحتى على أصول البروتوكول وكيفية بناء صورة الفرد في المجتمع.

أسمح لنفسي الإشارة في هذا المضمار الى ضرورة التشديد على التربية الدينية في المدارس. يميل البعض الى الإقلال من اهمية هذا المر، حجتي الإبتعاد عن بث روح التعصب، وإن مسألة الإيمان هي شأن خاص. إلا ان الواقع يظهر مدى تفشي الفكر الديني المغلوط في الشارع، ومنه يستقي أولادنا تلك السموم. لذلك فالتربية الدينية ضرورة حتمية في لبنان، ننشر من خلالها الإيمان الحق. لا إيمان الشارع. إيمان يرفض التعصب ويدين العنف والإرهاب. ويعلم الإنفتاح والحوار وإحترام الإختلاف. في أيامنا هذه نجد ان العنف يتفشى، ليس فقط بين أتباع الديانات المختلفة، بل بدأنا نراه في البيت الواحد، بين الزوجين وفي تعنيف المرأة وإستغلال الأولاد، كما وإهمال الأهل من قبل الأولاد، إذا ما تقدموا في السن. هكذا مجتمع مهدد فعلياً بالإنهيار. وسينتج بالطبع عدداً متزايداً من الفاسدين والمتشددين العنيفين الذين هم لقمة جاهزة للإرهاب.

أخيراً، أريد إبداء الرأي حول المحور الثاني الذي تطرحونه في هذا المؤتمر: حول الإنتماء السياسي في قلب المدرسة، إيجابياته ومحاذيره. أقول نحن بحاجة الى تربية سياسية حقيقية في مدارسنا، تربية على المواطنة من أجل ترسيخ اللبناني في أرضه ولكي يعيد إكتشاف قيمة هذا البلد، وأن لبنان هو أكثر من وطن، أنه رسالة. نعم لبنان هو مختبر فريد وفائق الأهمية للعيش المشترك. العلم بأسره بحاجة للتعلم ن الإختبار اللبناني لإيجاد مدخل لمعالجة المشاكل التي بدأت تأخذ بعداً عالمياً عابراً لكل الحدود. نحن بحاجة لتربية وطنية وسياسية في المدرسة. ولكن السؤال الصعب هو: الى أي مدى يمكننا الكلام عن “سياسة حقيقية” لدى شعبنا، وحتى لدى أساتذتنا، يمكنهم نقلها لأطفالنا! السياسة الحقيقية ليست الزبائنية ولا التبعية، وليست تأليه الزعيم، كما نرى ويا للأسف، في كثير من الأحيان. هذه هي المحاذير الكبرى التي  يخاف منها المسؤون عن المدرسة. لا نريد نقل فوضى الشارع الى داخل أسوار المدرسة والى قاعات التدريس. مررنا في السنوات الأخيرة باكثر من تجربة صعبة في الجامعات على هذا الصعيد، فما بالكم إذا ما أقحمنا الفتيان اليافعين، طلاب المدراس، في هذا النزاع؟

لذلك أكرر السؤال الذي يطرح ليس حول السماح للأساتذة بالإنتماء أو عدمه. بل السؤال هو: الى أي مدى يمكننا في لبنان الكلام عن إنتماء سياسي حقيقي، لنسمح به، لا بل لنطالب به، في كل مكان كما في قلب مدارسنا؟ علينا أولاً أن نعيد بناء مفهوم العمل السياسي قبل أن نقدمه للأجيال الطالعة. كلمة سياسة تعني: “فن قيادة الشعب نحو خيرهم العام”. السياسة إستارتيجية تجعل من الأفرقاء المختلفين قادرين على الإنتظام في مشروع واحد، ألا وهو بناء الوطن الزاهر للجميع.

نحن نريد السياسة في المدارس. لا بل نحن بحاجة إليها، على أن تكون حقاً سياسة. نريد سياسة تعزز فينا روح الديمقراطية وفن العمل ضمن فريق. سياسة قادرة على تنظيم الإختلاف بين الأطراف بدلاً أن تؤجج فيهم روح النزاع والعدوانية. سياسة تظهر للجميع ان الوطن خير عام من مصلحتنا المحافظة عليه، وليس قطعة جبن على الأقوى أن يقدم منها ملء فمه.

إذا أردتم العمل السياسي في المؤسسات التربوية، عليكم أولاً إعادة بناء المفهوم الحقيقي لهذا العمل. وهذا مطلوب أولاً من الأحزاب والنقابات وسائر الهيئات المهتمة بالشأن الوطني والشأن العام. كما نرجو ان يكون للمدرسة وللجامعة دور ريادي في ذلك.

المدرسة نقطة إنطلاق الغد، إن أحسنا العمل سوياً عليها، ومن أجلها، أمنت لنا مستقبلاً زاهراً. إذا ما تناتشناها سقطت أسقطتنا جميعاً. مسؤولية هذا المؤتمر ليست بقليلة. عهدنا إليكم دراسة “كنز لبنان”، أي مدارسه. فلا تفرطوا في هذه الوديعة، بل إبذلوا قصارى جهدكم في تثبيت هذا الأساس لبناء لبنان”.

خليفة

وفي ختام الجلسة الإفتتاحية عرض الإعلامي التربوي سالم خليفة الإشكالية التي إستدعت قيام المؤتمر وقال: نصل الآن إلى الشقّ التقنيِّ من المؤتمرِ… ومن العنوانِ نبدأ. فكما لكلِّ عائلةٍ بيتٌ، للعائلةِ التربويّةِ بيتُها، وفي بيتِ التربيةِ، في الأمانةِ العامّةِ للمدارسِ الكاثوليكيّةِ، الجامعةِ لأطيافِ التربيةِ كافّةً، شئنا إقامةَ مؤتمرِنا، ولسيّدِ البيتِ الشكرُ. شكرًا حضرةَ الأمينِ العامِ للمدارسِ الكاثوليكيّةِ الأبِ الفاضلِ بطرس عازار على استضافتِكَ مؤتمرَنا.

والعائلة التربويّة وكما هو معروف تضمّ إلى إدارات المدارس، والهيئات التعليميّة، التلامذةَ، وأهلَهم…. متوحّدين، متراصّين، عاملين على نشرِ التربيةِ قبلَ التعليمِ، في صفوفِ أجيالٍ تنمو على أيديهم بالحكمةِ والقامةِ والمعرفةِ. لكنّ التباعدَ، والانقسامَ في المواقفِ عصفَ بها، ما أدّى إلى شرذمةِ أضلاعِها وتباعدِها، وتَحَوّلِها من مثلّثٍ متضامنٍ إلى مجموعاتٍ متواجهةٍ، رُفعت بينَها جدرانٌ من الآراءِ المتناقضةِ، والمصالحِ المتضاربةِ نتيجةَ انقطاعِ التواصل والتلاقي.

طامحين للعملِ على تقريبِ وجهاتِ النظرِ المختلفةِ، إرتأينا إقامةَ مؤتمرِنا هذا حاصرين النقاشَ في ثلاثِ نواحٍ خلافيّةٍ، (لا لشِحٍّ أو نُدرةٍ في المواضيعِ الواجبِ معالجتُها –وما أكثرَها- بل بهدفِ استثمارِ توصياتِ ومقرّراتِ هذا المؤتمرِ ضمن سلسلةِ ندواتٍ ومحاضراتٍ تربويّةٍ تُعِدُّ لها مصلحةُ المعلّمين في القوّاتِ اللبنانيّةِ تحت عنوان “إشكاليّات تربويّة”). إذًا، إرتأينا حصرَ النقاشِ في نقاطٍ ثلاثٍ فقط.

 أوّلاً، تأثيرُ السياسةِ والتربيةِ الحديثةِ على تصرّفاتِ التلامذةِ في المدرسةِ.

ثانيًا، تأثيرُ الانتماءِ السياسيِّ للمعلّمِ على أدائِه الأكاديمي.

ثالثًا، مطالبُ المعلّمين.

في تأثيرِ السياسةِ والتربيةِ المنزليّةِ: لا شكَّ أنّ لإنتماءِ الأفرادِ إلى جماعاتٍ تأثيرًا على تصرّفاتِهم الاجتماعيّةِ، ففي أوروبا وأميريكا مثلًا ينسحبُ الخلافُ الإثنيُّ والعرقيُّ والطبقيُّ على الوضعِ التربويِّ، حيث تَشهَدُ المدارسُ تجمّعاتٍ، وحتى عصاباتٍ تحكّمَتْ بمفاصلِها، وفي بعضِ الأحيانِ بإداراتِها. تطوّرتْ مع الزمنِ لتصبحَ خلايا منظّمةً تناصرُ أفرادَها، وتدفعُ المنتسبين إليها لفرضِ إرادتِهم على باقي التلامذةِ، كما المعلمين والنظّارِ والمديرين.

والوضعُ ذاتُه عانتْ منه -إلى حدٍّ ما- مدارسُنا، إنّما بتسمياتٍ مغايرةٍ تنضوي تحت عباءةِ الطبقةِ الإجتماعيّةِ، والمذهبِ، والطائفةِ، أو الحزبِ.

فهل يَصحُّ أن يتداخلَ العملُ الحزبيُّ مع التربيةِ في المدارسِ أم يجبُ حجبُ النشاطِ السياسيِّ عن التلامذةِ ضمنَ حرَمِ المدرسةِ؟

من ناحيةٍ أخرى، وفي وقتٍ يَشهدُ العالمُ، فورةً في التربيةِ الحديثةِ مبنيّةً على احترامِ الطفلِ، واعتبارِه الحلقةَ الأضعفَ في الخليّةِ الإجتماعيّةِ الأصغر. نشطَتْ جمعيّاتُ حقوقِ الطفلِ، لاعتمادِ مبادىءَ ونظرياتِ التربيةِ الحديثةِ، القائمةِ على عدمِ تعنيفِ الأطفالِ جسديًّا، معنويًّا أو نفسيًّا. فباتَ يُحظَّرُ على المعلّمِ توجيهُ ولو شبهِ ملاحظةٍ قاسيةٍ إلى التلميذِ. وتراجعَ مع هذه المبادىءِ نظامُ العقوباتِ حتّى باتَ اليومَ، ولو بالشكلِ، ممنوعًا على المعلّمِ استعمالُ كلمةِ عقوبة  واستُبدِلَتْ بمحفّز أو موجّهٍ sanction pédagogique.  ولم نعدْ نجدُ في المدارسِ ناظرًا بل مرافقًا تربويًّا accompagnateur pédagogique.  وأصبحَ المعلّمُ ملــقِّــنًا أو مربّـيًا éducateur وضمّتِ الصفوفُ بدلًا من تلامذةٍ، متلقّـنين apprenants. وتنسحبُ هذه المبادىءُ والنظرياتُ شيئًا فشيئًا من المدرسةِ إلى العائلةِ، حتى بات صعبًا على الأهلِ ضبطُ إيقاعِ تربيةِ أولادِهم من دونِ التعرّضِ للانتقادِ، أو المساءلةِ المعنويّةِ في حالِ استعمالِ القسوةِ، حتى ولو كانت مبرّرةً.

فتجدُ وسائلُ الإعلامِ في أبٍ أدّبَ ابنَه أو معلّمٍ عاقبَ تلميذَه مادةً دسمةً، تَستعملُها في تقاريرها واصفةً الأبَ والمعلّمَ بنعوتٍ أقلُّها: الوحشيّةُ والهمجيّةُ،. ما زرع الرهبةَ في نفوسِ المربّين وجعلَهم يتردّدون في مواجهةِ مخالفاتِ الأولاد.

فما هو تأثيرُ التربيةِ الحديثةِ في المنزلِ كما في المدرسةِ بتصرّفاتِ الأولاد؟

في تأثيرِ الانتماءِ السياسيِّ للمعلّمِ: نجدُ بين المعلّمين مَنْ هو ملتزمٌ حزبيًا، أو مناصرٌ لهذا أو ذاك من الأحزابِ، كما الرافضُ لأيِّ فكرٍ حزبيٍّ أو عقائديٍّ. وقد شهدَتْ بعضُ المؤسساتِ التربويّةِ على مَن قام بالتبشيرِ بمبادىءِ حزبِه بين تلامذتِه، ما أثارَ حفيظةَ الأهلِ والإداراتِ على السواءِ، فاتّخذَتْ بعضُ المدارسِ قرارًا بمنعِ أيِّ نشاطٍ سياسيٍّ داخلَ حرمِها، كذلك أيِّ تبادلٍ للأفكارِ أو حتى النقاشِ بالأمورِ العامّةِ ذاتِ الطابعِ السياسيِّ. فإنْ لم تكنِ المدرسةُ والجامعةُ مساحةَ حوارٍ فكريٍّ أكاديميٍّ نطوّرُ من خلالِه الوطنَ، فأين يمكنُ أن نجدَ هذه المساحة؟

والسؤالُ هنا: ما هي الضوابطُ الموجِبةُ، بحيث تتمُّ المحافظةُ على حقِّ المعلّمِ بالانتماءِ الحزبيِّ، مع الإبقاءِ على دورِ المدرسةِ في تطويرِ المجتمع؟

أما في حقوقِ المعلمين: وما زِلنا حتى اليومَ على خلافٍ ما إذا كانَتْ حقوقًا أم مطالبَ. فرغم كلِّ المؤتمراتِ والتوصياتِ، التي صدرَتْ وتصدرُ، عن الكثيرِ من إداراتِ المدارسِ، إضافةً إلى وزارتي التربيةِ والعملِ، والتي تقولُ كلُّها بأحقّيةِ مطالبِ المعلّم. مازالت الأصواتُ تصدَحُ عاليًا، منها الرافضُ ومنها المؤيّدُ… والثابتُ الوحيدُ غيرُ المتغيّرِ يبقى راتبُ المعلّمِ. وما زالت وجهاتُ النظرِ على تباينِها.

حيث يعتبرُ المعلّمون سلسلةَ الرتبِ والرواتبِ كما غلاءَ المعيشةِ، حقًّا مقدّسًا لهم ويجبُ إقرارُهما في أسرعِ وقتٍ ممكنٍ. بينما يعتبرُ الأهلُ أنفسَهم الحلقةَ الأضعفَ، وأنّهم يتحمّلون أعباءَ السلسلةِ وغلاءَ المعيشةِ وانعكاساتِهما على حياتِهم اليوميّةِ، إضافةً إلى زيادةِ الأقساطِ المدرسيّةِ. وهم عاجزون حتّى عن التعبيرِ عن رأيِهم. أمّا إداراتُ المدارسِ فتعتبرُ نفسَها مغبونةً لجهّةِ تحديدِ الزياداتِ على الأقساطِ المدرسيّةِ وزيادةِ رواتبِ المعلّمين.

فلنبدأْ بتحديدِ ما إذا كانتْ مطالبَ أم حقوقًا، ولنعملْ سويّةً على تحقيقِ ما نتوافقُ عليه من حقوق.

في الختامِ نقولُ: في وقتٍ لم يَشهدْ قطاعُ التعليمِ في العالمِ تطوّرًا بارزًا خلال الخمسينَ سنةً المنصرمة مقارنةً مع ما يشهُده العالمُ من ثوراتٍ تكنو- إجتماعيّةٍ، نحن اليومَ نجهلُ ما يقاربُ السبعين بالماية من وظائفِ العام ألفين وثلاثين، وفي عصرِ الأدواتِ الذكيّةِ ومنها الألواحُ، ما زلنا في قسمٍ من مدارسِنا نستعملُ اللوحَ الأسودَ والطبشورةَ.

باللهِ عليكم فلننهِ اليومَ خلافاتِنا، علّنا نباشرُ غدًا بالتحضيرِ سويّةً للقاءاتٍ تربويّةٍ تُعنى بتطويرِ التربيةِ، مناهجَ، وطرائقَ، ووسائلَ، وكفاءاتٍ فنعدَّ أولادَنا لبناءِ وطنٍ أفضلَ من الذي أورثناهم”.

لينطلق بعد ذلك المحور الأول للمؤتمر تحت عنوان “تأثير إنتماء الأفراد الى مجموعات وإنعكاس التربية المنزلية على تصرفاتهم في المدرسة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل