عملية خلط الأوراق في لبنان جارية على قدم وساق. ويمكن التكهُّن بإعادة تركيب للمشهد السياسي بعد انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية، وتكليف سعد الحريري تأليف حكومة وفاق وطني.
ومع أن الأمور جرت حتى الآن وفق ترسيمة تفاهمات متفق عليها منذ إعلان الحريري تأييده ترشيح عون، فإن وصول الجنرال إلى سدة الرئاسة في لبنان سيظل، في المدى المنظور على الأقل، حمّال أوجه ومسرح ظلال كثيرة. هذا ما يرشح من طرائق معظم اللبنانيين في مقاربة الحدث الانتخابي الرئاسي.
وإذا كان اليوم الانتخابي مرّ بسلام ومن دون مفاجآت كبيرة مغايرة للتوقعات والحسابات، فإن الصورة المنبثقة من فوز عون تحفل بألوان تتعدى الأبيض والأسود المعهودين في زجليات الانقسام اللبناني. نقصد أن الحدث الانتخابي، أي فوز عون بموقع رئاسة الجمهورية، لا يصحّ اختزاله بالحديث عن رابحين وخاسرين، ترسم خانات ربحهم وخسارتهم على دفاتر قديمة وبأقلام طبشورية مبلّلة بالأهواء والنعرات الجاهزة.
والحال، أن مسارعة العديد من «فقهاء» الانقسام اللبناني ومؤدلجي نزاعاته المتعددة إلى تجهيز جردة الحساب كانت ضرباً من التسرّع. فاتتهم قاعدة معروفة هي أنه ليس في السياسة خصوم وأعداء دائمون. وليس هناك أيضاً أصدقاء وحلفاء دائمون.
والمفارقة، أن هذه القاعدة المستقاة من تجارب دول وأمم عريقة في السياسة وحسابات المصالح المتقلبة، ليست من النوع الذي يحتاج إدراكه إلى جهد معرفي كبير. فهو خبز السياسات اللبنانية اليومي قبل الوصاية السورية وأثناءها وبعدها. وهو خبز تسويات يومية يجري الإفصاح عنها بطريقة يختلط فيها الفولكلوري المتجذر في مخيلة الجماعات المتنازعة والمتنافسة وصفة السياسة المسقطة عليها في صورة اصطفاف إقليمي أو دولي أو الاثنين معاً. وقد يحصل داخل البيت اللبناني ذي المنازل الكثيرة، أن يجري إعداد الخبز في أفران حديثة أو على «الصاج» أو في خليط من القيم والممارسات المنتسبة إلى عالمين وزمنين متباعدين ثقافياً.
أقام لبنان مديداً، ولا يزال مقيماً، على الحدود الملتبسة بين الكيانية السياسية الحديثة ونظام الملل والجماعات الأهلية الموروث عن الحقبة العثمانية. وليست الطائفية ومنتجاتها الميثاقية المترنمة بالعيش المشترك سوى حصول الجماعة على صفة سياسية مستجدة. هذه الصفة تجد محدداتها ومسرح استعراضها في العلاقة مع الدولة وموقع الجماعة فيها.
في هذا المعنى تكون الطائفية السياسية ظاهرة تاريخية حديثة، وفق ما رأى بحق المؤرخ اللبناني أحمد بيضون. في سياق من هذا النوع، يصعب تثبيت الدولة في صورة المؤسسة المشتغلة وفق قواعد عقلانية وقانونية غير مشخصنة. فهي تظل أقرب إلى التصور الخلدوني الذي يعتبرها السوق الأعظم، أم الأسواق.
حكاية الطوائف اللبنانية مع الدولة تشبه حكاية جحا مع القط واللحم. والحق أن لحم الطوائف اكتنز إلى حد البدانة وبات من الصعب العثور على «قط» الدولة الجامعة. وإذا كانت التجربة الشهابية رائدة في رسم صورة عن الدولة كمؤسسة جامعة وحاضنة للكفاءات الإدارية ومتعالية عن الزعامة الأهلية المشخصنة والضيقة، فإن هذه التجربة وإرثها العتيد قضمهما زعماء التحاصص وأكلة الجبنة وفق خريطة نزاعات أهلية شهدت تبدلاً في أحجام الطوائف وأوزانها، كما يستدل من صعود الشيعية السياسية خلال الحرب الأهلية وسنوات ما بعد اتفاق الطائف وتوازناته الهشة.
قد يكون ضرباً من التفخيم أن نقول إن الجنرال هو آخر الشهابيين. غير أن تجنب البلاغة المناقبية لا يمنع من الاعتقاد بأن طيف الشهابية يلاحق الجنرال وبيئته المدنية انطلاقاً من تمسكهما بفكرة ثابتة عن الشرعية القانونية والدستورية وعن الاستقلال والسيادة الوطنيتين. وفي مسيرة ميشال عون الطويلة والحافلة بالمواجهات والحروب والمنفى الفرنسي، نجد على الدوام هذا السعي إلى المواءمة بين المعطيات المقيمة أو المستجدة وبين فكرته عن الـــشرعية والنظام القانوني. وكان عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، شدّد على ضرورة التمييز بين معنيين للفكرة الحقوقية، إذ يركز المعنى الأول على التفسير الاصطلاحي والتقني المتخصص، والثاني وهو سوسيولوجي، على التصورات المتداولة في المجتمع عن فكرة الحق والشرعية.
في هذا المعنى، يحق لكثر أن يتخوفوا، استناداً إلى تجربة الجنرال في حربي التحرير والإلغاء، من أن يطابق بين صورة المؤسسة العسكرية الوطنية التي قاد جيشها، وصورة المجتمع والدولة. الخشية من جعل الجيش مثلاً لبناء المجتمع السياسي ولعمل الإدارة، هي ضرب من «الفقه» العسكري الذي يقود إلى تكرار تجارب عنيفة تمتد من الأتاتوركية إلى استئثار النخب الأمنية والعسكرية بالسلطة في غير بلد عربي.
في المقابل، تقتضي النزاهة أن نلتفت إلى الوجوه الأخرى والإيجابية في مسار الجنرال. فهو بالتأكيد أحدث نقلة نوعية في المزاج المسيحي العام على الصعد كافة. فقد جدّد الصلة بين البيئة المدنية المسيحية بشرائحها الشبابية وطبقتها الوسطى الواسعة نسبياً، وبين الدولة المستندة إلى المؤسسات الوطنية الشرعية وفي مقدمها الجيش. وهذا ما أدى إلى اصطدامه بميليشيا القوات اللبنانية. وعلى صعيد المحيط الإقليمي، ساهم في قطع الصلة مع إسرائيل وفي خوض الصراع ضد الوصاية السورية على أرضية الخلافات العربية وارتباطاتها الدولية. قد يكون صحيحاً أن الجنرال خاض حروباً وفق قراءة تفتقد الواقعية. لكن مغامرته ساهمت في وضع السكة المناسبة لانطلاق قطار التسوية. وشاءت الصلافة السياسية المعهودة في لعبة الدول أن يسير القطار من دونه، وأن يترك في قلب مؤيديه الكثر شعوراً بالإحباط والمرارة، ما يعزز نزعات التطلع إليه كمخلّص.
من حق العونيين وحلفائهم أن يبتهجوا بما يحسبونه انتصاراً ومكافأة على انتظارهم وصبرهم وتهميشهم هم وكتلتهم النيابية الوازنة. ولا غرابة في أن يطغى البعد الرمزي للانتصار العوني على الأبعاد الأخرى. غير أن دلالات الحدث الانتخابي تفيض عن بهجة المبتهجين ونواح النائحين. فهي تجمع بين تفاهمات مستجدة مع خصوم الأمس وبين تفاهم قديم وثابت مع «حزب الله». لدينا إذاً، شرنقة تفاهمات تبدو للبعض عقدة ثعابين من طراز عقد وتحالفات أخرى. وهذا ما يجعل انتخاب عون يترجح بين أن يكون حدثاً مفصلياً في زمن الحرائق الإقليمية والتصدعات الوطنية، وبين أن يكون ثمرة تفاهمات عابرة. سنختبر ذلك ونرى.