
لم يتسنَّ لي مواكبة انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية في 31 تشرين الأول الماضي بعد سنتين ونصف السنة من الشغور وتعطيل المؤسسات، بسبب مشاركتي في ندوة وورش عمل عن “التهديدات وخطاب الكراهية ضد الإعلاميات في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا”، والذي نظمه المعهد السويدي في الإسكندرية ومعهد الإعلام السويدي.
وصلت عند الثامنة صباحاً الى مطار رفيق الحريري الدولي، التلفزيونات الموضوعة في قاعات الإنتظار، كانت تبث برمتها المحطات اللبنانية المواكبة لهذا اليوم الإنتخابي الطويل، والأنظار شاخصة، لبنانيون وأجانب مسافرون يتابعون الحدث، والسكون يخيم بين الحاضرين، لا أحاديث جانبية ولا دردشات هاتفية، اما أغاني عبد الحليم فكانت تصدح في المكان، وكأن لا إرثاً فنياً لبنانياً أو مطربين لبنانيين تُبث أغانيهم.
دخلنا الى القاهرة، ومنها توجهنا الى الإسكندرية، وكان لبنان في ذروة “اللحظات الإنتخابية”، دورة أولى وثانية، فثالثة… فيما المواكبة كانت عبر الرسائل الهاتفية النصية، وهالنا لدى وصولنا الى الفندق أننا لن نتمكن من مشاهدة القنوات اللبنانية، لأنها بكل بساطة، غير متاحة، فرحنا نبحث عن محطات عربية تبث الحدث اللبناني…
بنشاط وثقة، توجهنا في اليوم التالي الى ورش العمل، فقد تساوينا مع الآخرين وبتنا نملك رئيساً، واللافت أن الجميع تابع أحداثنا وراح يحدثنا عن بلدنا ومعاناتنا ورئيسنا الجديد…


وفي الندوة والورش، مشاركات إعلاميات من مصر، فلسطين، الأردن، المغرب ولبنان أدلين بشهادات مؤثرة وحية عن التهديات اللواتي تعرضن لها أثناء ممارستهن للمهنة، وكانت لافتة الإحصاءات التي قدمها المعهد السويدي عن تعرّض الصحافيات السويدات للتهديات أيضاً وهو رقم كبير مقارنة مع ما تتعرّض له إعلاميات العالم العربي.
خرج المؤتمر الموفق تنظيماً ومضموناً والذي يناقش هذا الموضوع للمرة الاولى عربياً، بتوصيات جدية ستناقش في الإحتفال بالذكرى السنوية الـ 250 لحرية الصحافة والتعبير في السويد في أول كانون الأول المقبل. أما الهدف فهو التأسيس لمحادثات عالمية عن حرية التعبير والمساواة، بين الجنسين، في مجال التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
خرجت في اليوم الأول لتصريف بعض الدولارات الى جينيهات مصرية فهالني أن الدولار كان يصرف مقابل 16 جنيهاً، وعلمت بعدها أن الحكومة المصرية قررت تحرير الجنيه المصري، وبدأت الأسعار بالإرتفاع.
صدمتني ردة فعل الشارع المصري الذي أنهكته أزمات السنوات الأخيرة والفقر… صحيح أن الرواتب منخفضة وأن المعانات الإقتصادية كثيرة، لاسيما وأن أسعار المواد الغذائية بدأت تسجل ارتفاعاً لن يكون المواطن المصري قادراً على تحملها، لكنه سيكافح ويصمد… تماماً كما صمد في الأزمات السابقة.
مرّ ببالي لوهلة شريط معاناة اللبنانيين في يومياتهم ومعيشتهم ونضالهم. فقلت في نفسي: “ما بال هذه المنطقة، لماذا لا تعرف الإستقرار والراحة، وما ذنب هذه الشعوب”؟ إلى أن صحوت وانا عالقة في زحمة سير خانقة من مكان إقامتنا في الفندق الى آخر الكورنيش البحري في الإسكندرية، وهي مسافة تحتاج عادة الى أقل من خمس عشرة دقيقة، لكنها أخذت أكثر من ساعة ونصف الساعة ليتم اجتيازها… فتذكرت بيروت مجدداً لكنني هذه المرة اعترف أن زحمتنا أخف وطأة بكثير من زحمة الإسكندرية والقاهرة.
صباح الجمعة، غطت طائرتنا في مطار رفيق الحريري الدولي، رأيت صورة رئيس الجمهورية معلقة داخل المطار وخارجه، وهو مشهد نسيناه لسنتين واكثر… فشعرت بأن عجلة حياتنا قد تعود من جديد وأن إيجابية ما ستلوح في الأفق… ووعيت أن لبنان ورغم مصائبه ما زال بألف خير وخير من أمره…
