
عادت الحياة المدرسية، وعاد النشاط إلى التلامذة والأساتذة في المدرسة، وإلى الأهالي في المنزل. مع هذه العودة الديناميكية، تعود أيضاً مشاكلُ المرضى الصغار التي عادةً ما تكون نفسية أكثرَ منها جسدية أو فيزيولوجية. يعني ذلك أنّ الطفل قد لا يكون مريضاً، ولكنْ تظهر عليه أعراض مشاكل ما، بسبب قلقٍ أو خوف من المدرسة. فما هي الأسباب النفسية التي تَجعل من الطفل فريسةً لاضطرابات جسدية ليس لها مبرّر طبّي؟ وكيف يمكن مساعدة التلامذة الذين يعانون من القلق المفرط؟ وما دور الأهل في هذا السياق؟
التقيُّؤ، السعال، وجعُ البطن، وجعُ الرأس، وحتى الحرارة، وأوجاع الجسم… مِن أكثر الاضطرابات الجسدية التي يعاني منها بعض تلامذة المدرسة.
عادةً ما ترسِل معلمة الصف وبشكل سريع، التلميذ الذي يعاني من إحدى هذه المشكلات إلى الممرضة الموجودة في المدرسة لكي تعالجه، وبعد “التحرّي”، لا تجد الممرضة سبباً عضوياً لوجع التلميذ. إذاً في هذا المضمار، مشكلة اجتماعية أو حتّى نفسية – اجتماعية يمكن أن تكون وراء الاضطراب.
الولد المعافى… والتلميذ المريض
قد يمرَض الولد لأسباب كثيرة ثمّ يتعافى بعد عدة أيام، من خلال زيارة طبيب الأطفال وتناوُلِ الأدوية والمتابعة الطبّية. ولكن في كلّ بداية سَنة دراسية، يَظهر أطفال دائمو المرض، على رغم عدمِ مرضِهم البتّة خلال الصيف.
فبَعد رجوعهم إلى المدرسة، يعود الرشح والتقيّؤ ويصطحبهم كلّ يوم وجعُ المعدة ووجعُ الرأس وغيرها من الاضطرابات الجسدية التي لا يوجد لها أساس عضوي. ويَقلق الوالدان خصوصاً بعد تكرّر هذه الحالة كلّ يوم، علماً أنّها تختفي مع عودة الطفل إلى بيته.
يلحَظ عِلم النفس أنّ السنة الأولى من انخراط الطفل في المدرسة وفي النشاط الاجتماعي، يجعله معرّضاً للفيروسات ولكنّه يكون معرّضاً أيضاً لمواجهات الحياة التي يعيشها. وربّما بعض هذه المواجهات تجعله يعيش نوعاً من إحباط يؤثّر مباشرةً عليه وعلى صحّته. وأكّدت العلوم الطبّية أنّ الجهاز المناعي عند الإنسان يضعف كلّما شعرَ بخوف أو قلق أو مرَّ بحالة عصبية.
الاضطرابات النفسية عند أطفال المدرسة
أسباب كثيرة تَجعل الطفلَ عرضةً لمشاكل نفسية تَظهر على جسده، ومن أهمّها:
- القلق الذي يمكن أن يعايشه الطفل بسبب المشاكل العائلية أو المشاكل التي يشهدها في منزله.
- الخوف من تلميذ آخَر أو من المعلمة أو من مدير المدرسة. لذا مِن المهم وجود جوّ من الألفة والمحبّة والود في المدرسة.
- تهديد من أحدِ أصدقائه. فالتصرّفات العدوانية من بعض زملاء الصفّ يمكن أن تجعلَ الطفل يخاف من الذهاب إلى المدرسة، وبالتالي تظهر عنده اضطرابات نفسية.
دور الممرّضة في المدرسة
يتوجّه الأولاد حاملو الأعراض الجسدية إلى مكتب الممرّضة في المدرسة. أكثرية هذه الحالات تكون بدون سبب عضوي، ووراءَها خوفٌ أو قلق يعيشه الطفل. يمكن للممرّضة أن تساعده “نفسيّاً” من خلال طمأنتِه وتهدئته. وفي حال عدم إفلاحها يبقى التدخّل الطبي أساسياً ومهمّاً، خصوصاً في حال ظهور هذه العوارض:
- الوقوع أرضاً، عدة مرّات في اليوم بدون سبب طبّي.
- سعال وتقيّؤ بدون سبب نفسي.
- إرتفاع درجة الحرارة أكثر من يومين.
- نقصٌ في الوزن وتوقّف في النموّ.
دور الأهل في المنزل
يؤدّي الأهل دوراً بارزاً في مراقبة الطفل وتصرّفاته التي تدلّ على مرض أو حالة نفسية يعيشها. ومن النقاط الأساسية في مراقبة الطفل:
- هل المرض يظهر في الصباح ويختفي بعد رجوع الطفل إلى البيت؟ ظهور الحالة المرَضية واختفاؤها، يعني أنّ الطفل يمرّ في حالة نفسيةٍ، ما يستدعي تدخّلَ الاختصاصيّ النفسي لمساعدته، خصوصاً في حال تكرُّرِ الحالة كلّ يوم ولمدة طويلة. ودور الاختصاصي النفسي هو معرفة هواجس وسبب قلقِ الطفل.
- هل نموّ الطفل طبيعي؟ يعني ذلك، أنّه يجب على الأهل مراقبة وزن وطول طفلهم. فهل يفقد وزنَه، ونموّه متوقّف؟ في هذه الحالة، يخضَع الطفل لعدة اختبارات طبّية للتأكّد من أنّه لا يعاني من مرضٍ ما وللاطمئنان. وإذا لم تُظهر النتائج الطبّية أيَّ خللٍ عضوي، يجب مساعدة الطفل نفسياً واكتشافُ ما الذي يعيق نموَّه الجسدي والنفسي.
دور المعلمة
هي أوّل من يكتشف حالة الطفل النفس – جسَدية. فمثلاً تجده وحيداً، لا يحب أن يلعبَ مع أقرانه في الملعب، كما لا يشارك في النشاطات التي تنظّمها معلمة الصف. يطلب عدة مرّات الخروج من قاعة التدريس والذهاب إمّا إلى حيث الممرّضة أو إلى الحمام.
ومن الأعراض النفس – جسدية التي تَظهر على التلميذ في المدرسة أيضاً:
- وجعُ الرأس، ولا يحدّد الطفل بشكل دقيق مكان هذا الوجع أو طريقته. ويطلب دواءً لتهدئته عند خروجه من الصف، ويختفي هذا الوجع بعد رجوعه إلى بيت.
- وجعُ المعدة، يَصطحبه تقيّؤ وإسهال…
- وجعٌ في الجسم. ويحدّد الطفل الوجع في يديه أو رِجليه. يجب الانتباه إذا ما كان الطفل يقدّم عذراً من خلال جسَده أو حقاً يعاني من الوجع. فالجميع يَستعمل المرض «الجسدي» للتهرّب من حالة أو مشكلةٍ ما، وهذا ما تؤكّده الدراسات في علم النفس الطبّي.
- إرتفاع في درجة الحرارة.
بعد التأكّد من أن لا سبب صحّياً واضحاً لحالة الطفل الصحّية، مِن المهم معرفة السبب النفسي والحالة النفسية التي يعايشها والتي تجبره على الهروب من المواجهة.