
رائعة اميركا ورائعة تلك الديمقراطية المتجذرّة كدماء الشرايين. اميركا العظيمة التي تحكم العالم لم تتمكن حتى آخر اللحظات من معرفة من سيحكمها وصُعقت بالمفاجأة، كانت تتوقع فوز هيلاري كلينتون ففاز الآخر دونالد ترامب محطماً كل الاحصائيات والتوقعات والامنيات، ووضع الدولة العظمى امام رجل ما كانت لتنتظر يوما ان يحكمها.
رائعة تلك الديمقراطية التي تجهل ثوانيها الاخيرة بيد من ستكون، من سيمسك بزمامها، على أي طريق سيضعها وهي تعلم مسبقاً وفي قرارة نفسها، ان اي شيء يعبر في اميركا لا يمكن الا ان يمر عبرها، تعرف ان الدولة العظمى مهما علا شأنها في الاقتصاد والسلاح والسطوة تصبح لا شيء حين تتخلى عن تلك النعمة الفائضة، الديمقراطية، تعرف ان اي مرشح مهما كان عرقه وانتماؤه لا يمكن الا ان يحمل مشعلها ليكون اميركيا ويستحق عظمة تلك الامة.
رائعة الديمقراطية حين ينسى المقترعون ان امرأة تنافس رجلاً على حكم العالم، حين ينحصر السباق باتجاه البرامج لا الاشخاص، لا اقف عند اسباب نجاح دونالد ترامب، لست محللة سياسية ولا محللة نفسية لجنوح الشعب الاميركي صوب مرشح يعتبره كثر “مجنون” او غير جدي وما شابه، نحن بعيدون جداً عن اميركا لكن اميركا تحكمنا كما تحكم هذا العالم باسره بشكل أو بآخر، نحن نتأثر بكل ما يجري، ونحن ممن ينتقدون الرئيس السابق على رخاوته، اذا جاز التعبير، وعلى جعل اميركا امة مترددة خائبة خاسرة.
يحب العالم الاقوياء هذا لا شك فيه، نحب اميركا القوية الجبارة، خسّرنا اوباما تلك الصورة، اعادها ترامب بطريقة ما، لم ير الشعب الاميركي في هيلاري كلينتون “السيدة” المرشحة انما صورة مكملة لاوباما، هنا تجلت عظمة الديمقراطية حين تمارس حتى آخر القطرات ديمقراطيتها، مرشح ضد آخر ونقطة على اول سطر الحرية، يا الله كم أحسد اميركا تلك، اميركا التي تذهب الى الصناديق وتختار رئيسا ولا تنتظر دورة اولى او ثانية وثالثة وما شابه وهي تعرف مسبقا وحتما من الفائز، هذا ليس لبنان التافه بديمقراطيته، التافه نعم وللاسف، هذه اميركا العظيمة بجبروتها المنحنية الصاغرة لديمقراطيتها، اميركا التي شهدت اشرس الحملات الانتخابية التي لم تشهدها سابقاً حيث ذهب المرشحان الى ابعد مما هو متوقع، وحين اعلنت النتائج انحنت الخاسرة للرابح وهنأ الرابح حملة الخاسرة واعلنها سيدة كبيرة مقاومة، وصافحت أميركا نفسها وصرخ الاميركيون بصوت واحد USA USA …
هذه بلاد تصرخ لاجل بلادها وليس لاجل الاشخاص، تحمّل الاشخاص احلام وطنها الكبير وتتماهى معهم في كل شيء، وفي النهاية تحاسب، في الصناديق تفعلها وبفجاجة واضحة عكس ما نفعله نحن، ما يفعله كل العرب.
بسعادة أكتب عن تلك الديمقراطية المذهلة، حسن أن ثمة بقاع في هذا العالم ما زالت تعيش تلك النعمة، تلك الثروة النادرة لنتأثر بها ونكتب عنها بلكي، نقول بلكي، تغيرت الايام وصرنا مثلهم يوما ما… يوما ما، وبتعاسة تقارب البؤس أشعر تجاه حالنا وأحوالنا.
فلتحيا الولايات المتحدة الاميركية، شئنا ام ابينا هذه امة عظيمة منبع الديمقراطيات العريقة، بغض النظر عن اداء بعض رؤسائها، ثمة منظومة لا يخرج عنها أحد، منظومة ديكتاتورية بعمقها، وهي الزامية اللحاق بالديمقراطية والخضوع لها والا زالت اميركا بمفهومها الكبير للحرية، ولاصبح تمثال الحرية ذاك المتربع فوق بحرها تحت شمسها الحامل مشعلها شعارها، لاصبح فارغ المضمون وليتحطم، ونحن لا نريد ذلك، ولا اميركا بطبيعة الحال ستفعل ذلك. فلتحيا اذن تلك الديمقراطية الساحرة القاتلة، فلتحيا اميركا…
