إفتتاحية “المسيرة” ــ “القوات” وقوة الحكومة

إفتتاحية “المسيرة” – العدد 1585

لم يكن تفاهم “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر” مجرد لقاء ظرفي ينتهي بانتهاء الإنتخابات الرئاسية. لقد كان سابقاً لهذه الإنتخابات وسيبقى بعدها الركن الأساسي الذي سيأخذ على عاتقه مهمة حماية العهد وإعادة التوازن الداخلي إلى السلطة واستعادة الجمهورية القوية، ولا يخرج عن هذا الإطار مفهوم تشكيل حكومة العهد الأولى برئاسة الرئيس سعد الحريري لتكون التعبير الأول عن المهمة المطلوبة من الجميع على قاعدة أن العهد القوي يحتاج أيضاً إلى حكومة قوية تعمل وتنتج ولا تلتهي بالإنقسامات والصراعات وتوزيع الحصص واقتسام المغانم. ولذلك لا يمكن إلا أن يكون تفاهم معراب في أساس تشكيل هذه الحكومة.

يحاول البعض أن يعمل وكأن المشكلة الرئيسية في عملية تشكيل الحكومة باتت في ما تريده “القوات اللبنانية”. ويتصرف البعض على قاعدة ألا تعطى “القوات” ما تريده وأن يتم تحجيم دورها وموقعها داخل الحكم بغض النظر عن أهمية الدور الذي لعبته في الخروج من حالة الفراغ الرئاسي وتأمين انتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية.

بعد اتفاق الطائف في العام 1989 رفضت “القوات” أن تشارك في حكومة العهد الأولى للرئيس الياس الهراوي. أراد عهد الوصاية السورية الذي عمل على تطبيق “الطائف السوري” على استبعاد “القوات” وتحجيم دورها واعتبار أن تمثيلها لا يمكن أن يكون إلا على مستوى تمثيل بعض السياسيين المسيحيين الذين تعاملوا مع ذلك العهد وكانوا واجهته من أجل الحصول على حصصهم من السلطة ولو على حساب صحة التمثيل المسيحي. كان ذلك العهد يدرك أن “القوات” ستكون أول المعارضين لوصايته ولإدارته للدولة اللبنانية ولذلك بدأ الصدام باكرًا وبدأت ملاحقة “القوات” من أجل تحجيمها. ولكن “القوات” لم تخضع.

طوال خمسة عشر عاماً لم يستطع عهد الوصاية مع أدواته اللبنانية الأمنية والسياسية أن يلغي تمثيل “القوات” وحضورها على رغم قرار حلها واعتقال قائدها سمير جعجع وملاحقة القواتيين وإجبارهم على السفر أو على توقيع تعهدات بعدم العمل السياسي. ولكن ماذا كانت النتيجة؟ انتهى عهد الوصاية وعاد سمير جعجع إلى حريته وبقيت “القوات اللبنانية” في صلب القضية وفي قلب ساحة 14 آذار.

بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان في 26 نيسان 2005 وبعد الإنتخابات النيابية في ذلك العام لم تكن “القوات” تبحث عن حصة في الحكومة بقدر ما كانت تبحث عن حكومة فعلية تجسد الإنتهاء من عهد الوصاية وتؤسس لعهد استقلالي جديد كان شعار ثورة الأرز. ولذلك عندما تمت محاصرة رئيس الحكومة فؤاد السنيورة في السراي كانت “القوات” داعمة له وللحكومة وكان الدكتور سمير جعجع من أول الحاضرين في السراي والخارقين للحصار للتأكيد أن هذه الحكومة لن تسقط.

لم تشارك “القوات” أيضاً في حكومة الرئيس تمام سلام التي جاءت لتملأ الفراغ الذي نتج عن عدم القدرة على انتخاب رئيس للجمهورية خلفاً للرئيس ميشال سليمان. ولكنها أيضاً بقيت متمسكة ببقاء هذه الحكومة حرصاً على استمرارية الدولة على رغم كل مظاهر الشلل والعجز والخلافات التي عصفت بها.

بعد انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية لا يجوز أن تبقى معادلة تشكيل الحكومات مستندة إلى ما كان يطبق خلال عهد الوصاية. في حسابات “القوات” أنه لا يجوز أن تكون الحكومة اختصاراً لكل المكوّنات السياسية. إذا كان المطلوب دائماً حكومة جامعة يتمثل فيها الجميع على قاعدة توزع الحصص فلماذا إذاً تكون الإنتخابات النيابية والرئاسية؟ هذه الممارسة التي طبقت خطأ سابقاً لا يجوز أن تستمر وإلا فإن لبنان لن تكون له إلا حكومة واحدة عابرة لكل العهود ويتمثل فيها الجميع.

تريد “القوات” حكومة تحكم وتدير الدولة والمؤسسات وتكافح الفساد لا حكومة ينغمس وزراؤها في عملية إدارة الفساد. و”القوات” التي لم تقبل أن تشارك في حكومات كهذه في ظل تهديدات عهد الوصاية لا يمكن أن تتنازل اليوم عن هذا السقف. وهي عندما تطالب بحكومة جامعة لا تأخذ في الإعتبار إلا أن تكون هذه الحكومة على صورة العهد ومثاله. لا يجوز أن يبدأ العهد قوياً وأن تكون أولى حكوماته أو أي حكومة أخرى ضعيفة.

لم يكن تفاهم “القوات” و”التيار” على وصول العماد عون إلى بعبدا فقط. هذا التفاهم أراد أن تكون رئاسة العماد عون بداية الطريق نحو الحكم القوي الذي ينهي مفاعيل زمن عهد الوصاية ومحاولات الإنقلاب السياسية والأمنية والعسكرية والإغتيالات التي حصلت بعد العام 2005. ولذلك فإن قوة الحكم الأولى تبقى قائمة على قوة هذا التفاهم.

لذلك اعتبر الدكتور سمير جعجع أن ما يهم “القوات” هو أن ينجح العهد وأن “القوات” تستند إلى صخرة بعبدا. وأن نجاح العهد يتطلب حكومة تعكس صورة العهد لا صورة العهود السابقة والتسويات التي كانت تحصل في ظل التهديدات على حساب الدولة.

بداية هذا العهد يجب أن تكون الحد الفاصل بين زمن مضى وزمن سيأتي ليؤسس لقيام الدولة والمؤسسات من جديد. لذلك يجب أن تكون هناك حكومة ومعارضة وأن يكون مجلس الوزراء منتجًا وأن تبدأ محاربة الفساد لأن الوزارات مسؤولية قبل أن تكون جوائز ترضية. وبالتالي على الجميع أن يتحملوا نتيجة مواقفهم السياسية وأن تكون لديهم الجرأة لعدم المشاركة في الحكومة كما كانت لديهم الجرأة في معارضة العهد.

إن تفاهم “القوات” و”التيار” قام أولاً على تصحيح التمثيل الوطني من خلال تصحيح التمثيل المسيحي. قبل هذا التفاهم كان هناك تقاسم للتمثيل المسيحي في رئاسة الجمهورية وفي الحكومة وفي مجلس النواب. ولتستقيم الأمور كان لا بد من انتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية ومن تصحيح التمثيل الحكومي ومن قانون جديد للإنتخابات النيابية ومن انتخابات تنتج مجلسًا نيابيًا جديدًا يعكس صحة هذا التمثيل.

لذلك سيبقى هذا التفاهم أقوى من محاولات الحد من قوته. وهو سيبقى قوة العهد الأساسية والقوة الدافعة لقيام الدولة القوية ليس في هذه الحكومة فقط إنما طوال هذا العهد وحتى ما بعده. وبهذا المعنى يصير من المطلوب أن تكون هذه الحكومة حكومة استقلال وأن تتشكل قبل ذكرى الإستقلال في 22 تشرين الثاني الحالي لتكون استعادة الإحتفال بهذه الذكرى مناسبة للإعلان عن بدء عملية استعادة الدولة من خلال التأكيد على الدور الأساسي للجيش اللبناني قوة حامية للدولة والمؤسسات.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل