
وكانت المفاجأة! لا بل الصدمة! دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة الاميركية. “الرجل الغريب” هو اليوم رئيس اقوى قوّة في العالم. وفي بداية العام المقبل سيدخل البيت الابيض. سيجلس في المكتب البيضاوي بربطة عنقه الحمراء. ويسرّح شعره الاشقر. ويبتسم للكاميرات التي ستلتقط له الصور. ويتسلّم ارقام السلاح النووي الاميركي من سلفه.
لم يكن أحد يتوقّع فوزه. استطلاعات الرأي بغالبيتها، إن لم تكن كلّها، اعطت تقدّما لمنافسته هيلاري كلينتون. وهذا على مدى الحملة الانتخابية. السيدة الاولى سابقاً، ربّما باتت ليلتها الاخيرة قبل التصويت معتقدة أنها ستعود الى البيت الابيض بانتخابها الرئيسة الـ 45 للولايات المتحدة الاميركية. وربّما راودها حلم دخولها التاريخ من بابه العريض بأن تكون المرأة الاميركية الاولى التي تحتل هذا المنصب. نقول ربّما ولسنا أكيدين من ذلك، كونها في الايام الاخيرة من الحملة الانتخابية “استنجدت” بالرئيس باراك اوباما. لم تكن تعلم ان سياسة هذا الاخير هي مشكلة لها. الصدمة كانت قوية جداً على كلينتون. فلم تستطع الظهور امام مناصريها لإقرار بالهزيمة وتهنئة الرئيس الجديد.
المهم اليوم هو التوقّف عند الاسباب التي ادّت الى فوز دونالد ترامب. باعتقادنا هذا الفوز يعود الى ثلاث نقاط رئيسية:
اولاً، المشروع الاقتصادي. وفي مقدّمه مسألة الضرائب التي اثقلت كاهل المواطن الاميركي في عهدي اوباما، وعد ترامب بأن يقلّصها. مشروعه يقضي بتقليص فئات الدخل من سبع الى ثلاث. على ان تكون الضريبة الاعلى 33 في المئة بدل 39.6 في المئة كما هي اليوم. كما وعد بأن يخفّض الضريبة على الارباح من 35 في المئة الى 15 في المئة.
ووعد بإلغاء قانون الصحة الذي وقّعه الرئيس اوباما والمعروف بـ Obamacare. كما يقضي مشروعه ترامب بتخفيض الانفاق العام بنسبة 750 مليار دولار تدريجياً (1 في المئة كل سنة) مستثنيا الانفاق على البرامج الاجتماعية والعسكرية. في موضوع الحد من التلوّث الذي التزم به اوباما بعد انتظار طويل، سيتخلى الرئيس الجديد عن كل هذا الالتزام المكلف جداً على الاقتصادي الاميركي، وبخاصة على القطاع الصناعي.
وكان في صلب حملة المرشّح الجمهوري حماية البضائع الاميركية من خلال التخلي عن اتفاق “شراكة المحيط الهادئ” التي وقّعت في العام 2015، واتخاذ تدابير بحق الدول التي تخالف الاتفاقات التجارية مع الولايات المتحدة الاميركية وفي مقدّمها الصين. أما في ما يتعلّق بالمهاجرين المكسيكيين غير الشرعيين ومسألة الجدار الذي ينوي إقامته بتمويل مكسيكي، فهو لم يكن طرحاً عنصرياً. إنما يهدف الى حماية اليد العاملة الاميركية. ربما هذا الطرح كان وراء حصد ترامب الولايات الجنوبية الحدودية برياً وبحرياً مع المكسيك مثل تكساس ولويزيانا وفلوريدا.
العامل الثاني رغبة الاميركيين في التغيير. ان شخصية دونالد ترامب “الغريبة” كانت عاملاً في فوزه. فهو لم يأتِ من نادي السياسيين التقليدي. لم يكن نائباً ولا حاكماً لولاية ولا وزيراً في اي من الإدارات الاميركية المتعاقبة ولا ضابطاً شارك في حروب اميركا الخارجية. انتخابه يؤشّر على رغبة الاميركيين في التغيير.
هذا المؤشّر برز اولاً على مستوى الحزب الجمهوري بحيث تفوّق ترامب على منافسيه الجمهوريين الآتين من الطبقة السياسية الحاكمة، واقصاهم. ومن ثم برز على مستوى الولايات المتحدة الاميركية كلّها بحيث فاز على سياسية مخضرمة شغلت مناصب عدّة في الدولة اولاً كزوجة رئيس حَكَم ولايتين متتاليتين وكان لها حضورها السياسي المميّز، ومن ثم كنائبة في الكونغرس ووزيرة للخارجية في إدارة باراك اوباما.
اما العامل الثالث في فوز ترامب، ولو بنسبة اقلّ، خطابه المتطرّف. وهذا هو المهم بالنسبة لنا في الشرق الاوسط. ولقد تبنى دونالد خطاباً “شعبوي” متطرّفاً تجاه الاسلام والمسلمين. بعد الهجمات الارهابية التي تعرّضت لها مدن اميركية ودول اوروبية راح يتكلّم عن “الارهاب الاصولي الاسلامي” وطلب من الرئيس اوباما تبني هذه التسمية. كما اقترح فرض حظر على دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، فضلاً عن فرض السيطرة على بعض المساجد في الولايات المتحدة. لقد لمس ترامب مزاج الاميركيين تجاه الارهاب فتبنى هذا الخطاب المتطرّف. وربّما اكّد له ذلك تصويت الكونغرس على قرار يسمح لاهالي ضحايا هجمات 11 ايلول بمقاضاة المملكة العربية السعودية.
لا شك إنها مسألة خطرة يجب التوقّف عندها مليّاً. فهذا التوصيف للارهاب الذي استعمله ترامب يدلّ عن ردة فعل الديموقراطيات العلمانية المتطرّفة تجاه الارهاب الذي يضربها. وفي الجهة المقابلة للمحيط الاطلسي كان الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند قد سبق دونالد ترامب وتكلّم عن “الارهاب الاسلامي” في نيسان الماضي. وما يؤكّد هذه الحالة نظرة الاوروبيين الى ازمة اللاجئين السوريين ليس على
انهم اعداد يجب استيعابهم في مجتمعاتهم، إنما كونهم ذات غالبية مسلمة. ويجب ان نتوقّع ان يبرز هذا التطرّف في الخطاب السياسي خلال الحملة الانتخابية الرئاسية المقبلة في فرنسا. وربما في ألمانيا في انتخابات قادمة.
إنها حالة عالمية خطرة جداً. فالغرب العلماني، ذو الخلفية المسيحية، ينزلق اكثر فاكثر نحو التطرّف في مواقفه ضد الاسلام انطلاقاً من “شعبوية” بدأت تسيطر على خطابه. ما سيساهم في زيادة شعبية الاصولية التي تمثّلت بالامس في “القاعدة” واليوم في “داعش” وغداً في تنظيم آخر. ويُنذر باستمرار الصراع بين الشرق والغرب مؤكّداً نظرية صموئيل هنتغتون.
أما الحل فيقع على عاتق الدول الغربية والاسلامية. اولاً تفعيل الحوار بين الحضارات والاديان. وهنا يمكن للبنان أن يكون مركزا له. وثانياً، على الدول الغربية بذل الجهود الصادقة في ايقاف الحروب المستعرة في المنطقة. ثالثاً، على دول الاقليم وقف الشحن الطائفي المذهبي (بين السنّة والشيعة) وحل الصراعات بحوار جدي ومسؤول مع ايران وتركيا. كما عليها ان تتحوّل الى انظمة ديمقراطية مدنية تقبل الآخر على أساس المواطنة. دون ذلك نحن ذاهبون الى “حرب المئة سنة” في المنطقة وربما في العالم.
