خطاب القسم: وثيقة دستورية للمرحلة السياسية

 

 

بعد مخاض تشكيل الحكومة، سيكون بيانها الوزاري مستوحىً بشكل أساس من خطاب القسم الرئاسي الذي وضع العناوين-المبادئ الدستورية والسياسية بشكل منهجي، ما سيؤدّي الى ورشة دستورية وقانونية شاملة تستدعيها المرحلة الحالية وتقتضيها المتطلبات الحياتية والإنمائية والوطنية.

1. وقد عانى اللبنانيون من «الخلل السياسي المتمادي» الذي أشار اليه الخطاب واضعاً الأصبع على الجرح من دون إحراج أحد، لأنّ إعادة التوازن الوطني لا يمكن أن تتمّ إلّا من خلال الإشارة الى مواطن الخلل الاحشائي والخارجي والذي أدّى الى طلاق أو تباعد بين المواطن والسلطة وعلى مدى سنوات طويلة.

2. في الشأن الدستوري، يأتي التأكيد أنّ «اليمين» التي يؤدّيها رئيس الدولة تنزل منزلة «الالتزام» القانوني والمعنوي صارخاً في وجه مَن يعتبرون الرئاسة موقعاً بروتوكولياً شكلياً. وفي هذا التعبير، تأكيد على أنّ دور الرئيس لا تحدّده الصلاحيات الحصرية المحدّدة بل تمليه «مصالح الدولة العليا» وهو بصفته حامي الدستور يمكنه التحرك في كلّ موقف معقد أو زمن صعب تطبيقاً للأحكام العامة للدستور نصاً وروحاً.

3. أما الإشارة الواضحة الى دور الشعب اللبناني في «التعهدات الكبرى والخيارات المصيرية»، فيعني أوّل ما يعني وقف التسويات الآتية من فوق حسب الأجندات والمصالح، وهذا تعهّد رئاسي لا لبس فيه، في أنه سيعود الى الشعب كمصدر كلّ السلطات لأخذ رأيه ودعمه في المواقف والمشاريع، وكلما دعت الحاجة الوطنية.

4. يبدو «الاستقرار» بكلّ وجوهه لا سيما «السياسي» منها غاية مبيّنة، وذلك من خلال الخضوع الأكيد للنظام الدستوري بشقّيه النصي الدستوري والميثاقي. هذا الطريق لا يصل الى خواتيم منتجة إلّا من خلال التواصل الشفاف والشراكة غير الالتوائية وغير المقنعة.

5. والتعلّق بوثيقة «الطائف» يأتي من باب احترام النصوص المرعية على أن يتمّ تحديثها وفق الحاجات والخبرات المتراكمة على مدى سنوات تبيّنت فيها النواقص وعدم الانسجام واللاتوازن في كثير من الأحيان بين السلطات الدستورية والسياسية، ما انعكس سلباً على الثقة والنظام التشاركي المتكافئ.

6. أما «فرادةُ لبنان بمجتمعه التعدّدي المتوازن»، فيعني أننا وصلنا الى نقطة ثابتة تخطينا فيها عناوين زائفة عن انصهار غير علمي في وطن سمته التعدّدية الغنية وكونه «رسالة حرّية وحوار». وهذا التنوّع الفريد لا يُصان ويتجذّر إلّا من خلال «المناصفة الفعلية» لا الإسمية.

وهذه المناصفة التي جاءت في تعديلات 1990 بدل «الإنصاف» الذي كان منصوصاً عليه في دستور 1926، لا تُصان كضمانة تنوّع وتفاعل وثقة إلّا من خلال جملة قوانين سياسية وإنمائية، وفي طليعتها «قانون انتخاب منصف ومتوازن» ومن خلال «إقرار اللامركزية» العلمية الموسّعة التي تجدّد الأداء الإنمائي وتعمّق الشفافية والمراقبة وتجذّر أسس الديموقراطية المباشرة.

7. وإعادة الحياة الى النظام السياسي والدستوري لا تكون منتجة إن لم تقترن بسياسة متوازنة في التعامل مع الأزمات والملفات الإقليمية المحيطة، إذ إنّ منع استصدار الأزمات الدموية الى الداخل اللبناني، والحزم في قطع دابر «الإرهاب استباقياً وردعياً وتصدّياً»، «ومقاومة مطامع إسرائيل» المتنوّعة، «والابتعاد من الصراعات الخارجية»، «ومعالجة مسألة النزوح السوري عبر تأمين العودة السريعة، ساعين أن لا تتحوّل مخيمات وتجمعات النزوح إلى محميات أمنية»، تبدو من خلال الخطاب الرئاسي مبادئ-مسلمات ستطبقها سياسات الحكومات الآتية لكي لا نبقى عرضة للمخاطر الوجودية التي لا طائل لنا على تحمّلها.

كما يبرز في هذا الإطار التأكيد الوارد في خطاب القسم على ضرورة «اعتماد سياسة خارجية مستقلّة تقوم على مصلحة لبنان العليا واحترام القانون الدولي، حفاظاً على الوطن واحة سلام واستقرار وتلاقٍ».

8. والملفات الاقتصادية كانت لها حصة وازنة في خطاب القسم عبر التأكيد الهادف الى «استثمار الموارد الطبيعية في مشاريع منتجة وتكبير حجم الاقتصاد الحر ودعم المبادرة الفردية وخصوصاً إشراك القطاع الخاص والقطاع العام» في مشاريع كبرى ومتوسطة تجعل هذه الشراكة إطاراً منتجاً وعصرياً وشفافاً وذلك «تماشياً مع تطوّر نظم الحكم في العالم».

9. ويبقى تحديث البنية القانونية في لبنان هدفاً وطنياً مهمّاً بعدما أصاب القوانين ما أصابها من ترهّل وخرق. «وإقرار منظومة قوانين عصرية» وفي مختلف الميادين يُعتبر اليوم ضرورة ملحة.

10. أما اختتام الخطاب بالتأكيد على «لبنان الميثاق والرسالة» فيختصر الرؤيا والقناعات ومن هذا العنوان تنبثق السياسات التي لم يعتد عليها اللبنانيون بعد الوهن والضياع.

إنّ خطاب القسم يشكل من دون شك وثيقة دستورية تقتضي ترجمتها في السياسات التي ستعتمد وفي القوانين التي ستُقرّ وفي النظم التي ستُعتمد.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل