#adsense

حكومة خطاب القسم… رزق لـ”المسيرة”: فريق عمل ورؤية وخبرة واختصاص

حجم الخط

وانتهت الإستشارات النيابية. 112 نائبا سموا الرئيس سعد الحريري لتشكيل حكومة العهد الجديد. لكن ماذا بعد التكليف؟ أي حكومة سيجمع عليها من سموا الرئيس الحريري؟ هل تكون حكومة وحدة وطنية أم حكومة الثلث المعطل؟ حكومة محاصصة أم تسديد دين؟ حكومة لإخراج البلد من عنق الزجاجة أم لإقرار قانون انتخابي جديد؟ صحيح أن الكلام عن عمر هذه الحكومة الذي لن يتعدى الـ6 أشهر سبق التكليف لكن لماذا افترض “مقرضو” العهد الجديد أن لا حل للأزمة الداخلية إلا من خلال حشر كل الأطياف والأطراف المعارضة في حكومة تحت شعار حكومة وحدة وطنية؟ وكيف ستقلع حكومة إنقاذ في العهد الجديد بمن عارض في الأساس وصول الرئيس ميشال عون إلى سدة الرئاسة؟ سمير جعجع قالها “لا لحكومة الوحدة الوطنية” إستناداً إلى ما أنتجته هذه الحكومات من تعطيل في العهود السابقة. فهل يكون الجهاد الأكبر الذي تكلم عنه الرئيس نبيه بري قبل وصول الرئيس ميشال عون إلى قصر بعبدا في تشكيل الحكومة؟ عرابو العهد الجديد متفقون على ميثاقية الشراكة والتفاهم وتوزيع حقائب على قاعدة إنقاذ البلد. تبقى العبرة في التزام “مقرضي” العهد الجديد بالتزامهم خطاب القسم.

في الظاهر الكل بدا راضياً ومستبشراً بعهد جديد. الكل خرج من القصر الجمهوري كما من بيت الوسط بعد الإستشارات النيابية متعهداً بفتح صفحة جديدة وطي صفحة ما قبل 31 تشرين الثاني. الكل بدا مرتاحاً ومتفائلاً بإقلاع قطار الحكومة سريعاً، لا بل قبل عيد الإستقلال. لكن الظاهر أن طبخة الحكومة يشوبها الكثير من العقد وعرابوها في هذه الحلقة من يصر على أن لا حل للأزمة الداخلية اللبنانية إلا بتشكيل حكومة “تضم الجميع”. وهنا تبرز الإشكالية التالية: حكومة بـ24 وزيراً أم ثلاثينية أم أكثر بوزيرين؟

تجارب حكومات ما بعد الطائف فرضت نفسها كعنوان للشلل والتعطيل السياسيين على رغم اعتبارها المعبر الإجباري وشبه الوحيد الذي يقود البلاد للخروج من عنق الزجاجة. لكن ماذا تعني حكومة الوحدة الوطنية التي وصفها الرئيس سليم الحص ذات مرة بـ”زواج المتعة”؟ وهل الحديث عن حكومة الوحدة يفترض انضمام كل الأطراف السياسية إلى الحكومة أم أن تمثيل الطوائف فيها بصورة عادلة يحقق الغاية منها؟ واستكمالاً من أوكل المحاصصة الطائفية لوزارات مسماة سيادية وأخرى خدماتية وبات ممنوعاً تمريرها لذوي الكفاءة والإختصاص من طائفة أخرى؟

“إذا كان المسؤولون جادين ومخلصين في التزام الدستور ووثيقة الطائف بدن يرجعو لجوهر الدستور” الكلام للنائب والوزير السابق إدمون رزق الذي يوضح وبحنكة رجل القانون والتشريع ويضيف: “ورد في المادة 92 من الدستور ضرورة اعتماد الكفاءة والإختصاص في تولي المسؤولية العامة من دون تخصيص أي وزارة لأي طائفة، والكلام عن الثلث المعطل غير دستوري وغير ديمقراطي لأنه يعطل النظام الديمقراطي. هناك حماية وقائية في ممارسة الديمقراطية، أي العمل المبدئي إنطلاقاً من المصلحة العامة وفقاً لعهد الحياة وعقد الشراكة اللذين نص عليهما اتفاق الطائف وعدم الإستئثار، وهذا يفترض التطرف بروح المواطنة لا الفئوية المذهبية أو الطائفية او التحزيبية والمشاركة في المسؤولية لا المحاصصة السياسية”.

قبل الطائف، وتحديداً بعد مؤتمري جنيف ولوزان للحوار الوطني، تم ترسيم خارطة سياسية داخلية جديدة على اثر انتفاضة 6 شباط 1984، وتوصل الافرقاء اللبنانيون الى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، في 30 نيسان 1984، ضمت ممثلين عن مختلف القوى السياسية المتحاربة آنذاك وجاء بيانها الوزاري على صورة متقدمة للوثيقة الدستورية التي أعلنها الرئيس سليمان فرنجية في العام 1976. الا أن هذه الحكومة لم تستطع منع الاقتتال الداخلي وانهيار الدولة.

بعد الطائف، كان لا بد من فتح صفحة جديدة. تطور مفهوم الوحدة الوطنية الى المصالحة الوطنية، وجاءت حكومة الرئيس عمر كرامي تحت العنوان الاخير، وضمت ثلاثين وزيراً، وهي أول حكومة في تاريخ الحكومات في لبنان، ضمت معظم الاحزاب والقوى السياسية اللبنانية. وتحفظ حزب “الكتائب” و”القوات اللبنانية” عن هذه الحكومة، على اعتبار انها غير متوازنة واشترطا لدخولها اعتماد مبدأ التوافق والاجماع في قرارات مجلس الوزراء. وبعد فترة مقاطعة التأمت الحكومة بكامل أعضائها في جلسة مجلس الوزراء في 20 آذار 1991، بعد ان عين الوزير روجيه ديب بديلاً للوزير الدكتور سمير جعجع. لكن الحكومة لم تعمر طويلاً وأسقطت في الشارع بعد احتجاجات شعبية ونقابية في أيار 1992.

تجارب حكومات الوحدة الوطنية التي كانت تهدف بحسب اتفاق الطائف إلى تكريس وقف الحرب وتمثيل جميع الأطراف فيها، خسرت في معظمها صفة “الوحدة” بسبب غياب التمثيل المسيحي فيها واستبعاد اكبر حزبين مسيحيين هما “القوات اللبنانية” و”التيار الوطني الحر”. حتى حكومة الرئيس فؤاد السنيورة التي تشكلت بعد انتخابات العام 2005 على قاعدة الحلف الرباعي الذي جمع قوى 14 آذار و”حزب الله” وحركة “أمل” فقدت مفهوم “الوحدة” مع غياب تيار النائب ميشال عون عنها في حينه. إذاً التجارب مع مفهوم حكومة الوحدة الوطنية مريرة فلماذا الإصرار عليها مع انطلاقة عهد الرئيس ميشال عون وتحديداً من الكتل والنواب الذين لم يسموه في جلسة الإنتخاب؟ وهل المقصود عرقلة انطلاقة العهد أم وضع العصي في دواليب التفاهم العوني القواتي الذي ساهم مع الرئيس سعد الحريري في إيصال العماد ميشال عون إلى سدة الرئاسة؟

رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع أكد أن ما يهمه هو انطلاقة العهد الجديد لكنه يحرص على ان يكون التمثيل في الحكومة عادلاً على قاعدة الكفاءة وإخراج البلد من عنق الزجاجة بعد التعطيل الذي استمر عامين ونصف العام. وهذا لا يتحقق إلا بحكومة لا تمت إلى مفهوم الحكومة الوطنية التي تهدف إلى إدخال كل الأطياف فيها حتى تلك المعطلة والمعارضة لمشروع العهد الوطني والموحد. وهنا يمكن تفسير الإلتباس الصغير الذي يصر عليه الوزير السابق إدمون رزق: “سياسة الدولة هي من اختصاص مجلس الوزراء أما الوزراء منفردين فيمارسون مهامهم من خلال موجبات المسؤولية العامة من دون تخصيص أي وزارة لأية طائفة. يعني ما فيني قول وزارة المالية للشيعة أو لهالحزب أو هالكتلة. ووزارة الخارجية لهالطائفة. الوزارات لا يمكن ان تكون لفئات وإن تولاها فئويون. هذا محدد في فلسفة الميثاق الوطني. والأهم أن لا يترجم مفهوم حكومة الوحدة الوطنية بتقسيم الوزارات وعددية الوزراء. العدد لا يجوز للترضية إنما للفعالية والجنوح نحو تسييس الوزارات هو تدمير للنظام الديمقراطي. والمطلوب اليوم الإلتزام بأعلى درجات الوقاية حتى لا ينطلق العهد بالفشل”.

مصطلح حكومة الوحدة الوطنية هو من أكثر المصطلحات تداولاً في لبنان. ومنذ عقود عديدة ثمة صعوبة في تحديد ماهية الوحدة الوطنية وما إذا كان تفسيرها يفترض انضمام كل الأطراف السياسية إلى الحكومة أم تمثيل كل الطوائف فيها بصورة عادلة بشكل لا يتناقض مع ما جاء في مقدمة الدستور “لا شرعية لأي سلطة تناقض صيغة العيش المشترك”. لكن الواضح أن ثمة من يريد تفسير مقدمة الدستوراليوم على قاعدة الجهاد الأكبر وثمة من يتمسك بالدستور لتكون انطلاقة العهد الجديد بحجم العملية القيصرية التي أخرجت البلاد من التعطيل. من هنا يصر رزق على التأكيد أن تشكيلة حكومة الرئيس سعد الحريري يجب أن تتألف من أشخاص مؤهلين بكل ما في الكلمة من معنى وأن تجسد الوحدة والمصلحة الوطنية لجهة الكفاءة وليس من باب حشر ناس مختلفين لا يكونون فاعلين في مشروع واحد ومتمترسين وراء متاريسهم. والأهم من ذلك الإرتقاء بالحكم من المحاصصة والشخصنة إلى الخدمة العامة”.

نفهم من ذلك أن حكومة العهد الجديد ستكون مؤلفة من 24 وزيراً وليست ثلاثينية او اكثر؟ يجيب رزق: “في الدستور لا يوجد نص يحدد عدد الوزراء، والوحدة الوطنية لا تفترض حشر الجميع في مكان واحد إنما التلاقي على مشروع وطني واحد. اليوم ما شايف إلا تهافت على الحصص بينما المطلوب اختيار اشخاص مؤهلين لديهم رؤية وخبرة ومعرفة واختصاص. نحنا بحاجة لفريق عمل على مستوى من العلم والمعرفة والخبرة والخُلُق لإنقاذ البلد. حتما في فترة سماح، ومن دون ما يكون في إنتاج فعلي وإيجابي بيكون أجُهض العهد. وإذا كانت هالحكومة راح تكون انعكاس لقاعدة غالب ومغلوب ومحاصصة جديدة منكون عم ندفن العهد الجديد قبل ولادتو. نجاح العهد وفشلو رهن بذلك لأنو البلد ما بقا قادر يتحمل المزيد من الفشل والخيبة. بتنا محكومين بحتمية النجاح تحت طائلة فقدان كل شيء والإنهيار”.

الخشية من أن تنطلق مسيرة العهد بالألغام والمتاريس كبيرة خصوصاً أن تحصّن البعض بالحقائب على قاعدة المحاصصة والمذهبية واعتبارها حقاً مكتسباً بدأ يتكشف. لكن في المقابل ثمة من يصر على الترفع عن الأنانية والشخصنة وهو مدرك حتماً أنه في ذلك يؤمن الربح على المديين المتوسط والبعيد. لكن هذا الترفع لا يعني الإنتقاص من حقوق كتلة نيابية ولا حتى حزبية. وإذا كان ثمة كلام عن تسليفات وديون فلم يعد خافياً أن من سدد الدين هو الذي أمضى 11 عاماً تحت سابع أرض. “ما بقا يسلفونا  حكي. كل واحد مسؤول عن خياراتو ومواقفو والشراكة يجب أن تكون إنطلاقا من صفتهم التمثيلية”.

حتى تبصر حكومة العهد الجديد النور سيبقى الجدل قائماً. حكومة وحدة وطنية أم حكومة إنقاذ لهذا البلد؟ حكومة من 24 وزيراً أم ثلاثينية؟ وزراء على قاعدة الكفاءة والإختصاص أم المحاصصة والإستئثار بالحقائب وتسديد الديون؟

عندما قرر الرئيس الراحل الياس سركيس تشكيل حكومة وحدة وطنية في العام 1976  وأطلق عليها تسمية حكومة فاعليات من المتقاتلين ظنا منه أنه بالتقائهم تنتهي الحرب، لم يوفق في مسعاه. وإذا كانت حكومات ما بعد الطائف قامت على مفهوم الوحدة الوطنية للم شمل الأطراف المتصارعة، إلا أنه لا بد من الإعتراف بأن حكومة الوحدة الوطنية كانت استثناء وليس قاعدة. القاعدة هي في وجود حكومة منسجمة على مشروع وطني موحد وفاعلة من جهة ومعارضة من جهة أخرى. فهل يكون استعراض عيد الإستقلال هذه السنة مكللا برئيس وحكومة وعهد جديد، أم يكون الشعب المتلقي أولا وآخرا لمفاعيل الجهاد الأكبر؟

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل