
في القرن الثامن عشر عُرفت بـ”الرهبنة البلدية” او “الجبلية”. وفي القرن التاسع عشر عُرفت بـ”رهبنة قزحيا”. وفي عصرنا اشتهرت بـ”رهبنة الكسليك” ورهبانها بـ”رهبان مار شربل”. إنها الرهبانية اللبنانية المارونية التي تحتفل في العاشر من تشرين الثاني بذكرى تأسيسها الواحد والعشرين بعد الثلاثمئة.
إمبراطوريات كبيرة زالت ودول نشأت. تبدّلت جيوسياسات العديد من “الجغرافيات” في الشرق والعالم. انطلقت ثورات. سقطت أنظمة وقامت أخرى… ثم سقطت… ومؤسّسة رهبانية تضم بضعة مكرّسين استمرّت ثلاثمئة وواحداً وعشرين عاماً! رهبان عاشوا في الخفاء. يصلّون. ويعملون. ويتقدسّون. ليس لهم جبروت الملوك والطغاة ولا يملكون سلاح الجيوش. استطاعوا، طيلة هذه المدّة، الحفاظ على اديرتهم. ألم يقل يسوع عن كنيسته أن “أبواب الجحيم لن تقوى عليها”؟! والرهبانية اللبنانية المارونية (وشقيقتها التوأم الرهبانية المريمية المارونية) هي إحدى مؤسّساتها العريقة في الكنيسة المارونية. من أسّسها؟ كيف؟ وما هي المحطات الرئيسية في تاريخها؟
البداية كانت مع ثلاثة شبّان اتوا في العام 1693 من مدينة حلب السورية الى جبل لبنان وغايتهم الترهّب. إنهم: جبرايل حوّا وعبدالله قراعلي ويوسف البتن. حلب المعذّبة اليوم، كانت حينذاك مدينة التجارة والعلم والازدهار والثروات. قصد الثلاثة وادي قنوبين حيث مقر البطريركية المارونية. مثلوا أمام البطريرك اسطفان الدويهي. نبّههم الى صعوبة الحياة الرهبانية في اماكن فقيرة وغير آمنة، “وهم أبناء رغد ونعيم”. اكدّوا له اقتناعهم. فأرسلهم للاختبار في أحد الأديار. ثم عادوا إليه مقرّرين تأسيس رهبانية منظّمة وليس الترهّب على طريقة ذاك الزمان التي كانت بحسب قراعلي “صالحة للصالحين وخطرة لغير الصالحين”. أعطاهم البطريرك دير “مُرت مورا” في اهدن للترهّب فيه. وألبسهم الاسكيم في 10 تشرين الثاني عام 1695، الذي اصبح ذكرى التأسيس. وانتخبوا جبرايل حوّا رئيساً عليهم لمدة ثلاث سنوات.
لم تكن حياة الرهبان الجُدد مفروشة بالورد والياسمين. إنما ملأى بالتجارب.
“التجربة الأولى” كانت في الخلاف حول نوع الحياة الرهبانية. حوّا أرادها حياة رسولية تبشيرية. بينما أرادها قراعلي ديرية نسكية. دار النقاش في أروقة الدير في جو من الصلاة والتأمل. واختارت الغالبية النهج الثاني. واستمرّت الرهبانية برئاسة قراعلي الذي وضع لها قانوناً من 15 باباً. وكان اسمها “الرهبانية اللبنانية”.
“التجربة الثانية” كانت في بدايات القرن الثامن عشر خلال عهد البطريرك يعقوب عواد. فقد حدثت في تلك الأثناء بلبلة في الكنيسة المارونية لم توفّر الرهبانية. فما كان من رئيسها العام مخايل اسكندر الاهدني الا ان سافر الى روما ليحصل على “العصمة” البابوية لرهبانيته. وهكذا كان في 31 آذار عام 1732. وثبّتت روما القانون الرهباني الذي عُرف بـ”القانون الاسود” (نسبة الى غلاف الكتاب الاسود).
“التجربة الثالثة” كانت بين عامي 1742 و1770 حيث انقسمت الرهبانية الى قسمين: الأول ضم بغالبيته رهباناً لبنانيين ومعهم راهب واحد من حلب. والثاني ضم الرهبان الحلبيين ومعهم خمسة رهبان لبنانيين. تكثر الأراء والتحليلات حول هذا الخلاف الذي هزّ الرهبانية والطائفة وجبل لبنان. بنهايته اتفّق الرهبان على القسمة التي نفذّت في العام 1770. وتوزّعوا بين بعضهم الأديرة. وهكذا أصبح لدى الموارنة الرهبانية اللبنانية المارونية والرهبانية الحلبية المارونية (التي أصبحت في ما بعد المريمية المارونية) اللتان احتفلتا معاً بالمئوية الثالثة في العام 1995.

على رغم هذه التجارب الثلاث كثُر عدد الرهبان وانتشرت اديرة الرهبانية في جبل لبنان وخارجه. كما توطّدت العلاقة الروحية بين الرهبان وابناء القرى الذين كانوا يطلقون على الراهب لقب “معلمي”. فهو لم يكن يعلّمهم الكتابة والقراءة فحسب، إنما الزراعة والحِرف والمِهن… التزام الرهبان الروحي ونشاطهم العملي في الأرض دفعا بالعديد الى الايمان بقداسة حياتهم. فقامت عائلات ميسورة بتقديم اراضٍ واديرة هبة لهم. كما اشترى الرهبان بعرق جبينهم الكثير من الأراضي بخاصة في منطقتي الشوف وجبيل. شيّدوا عليها الأديرة واستصلحوها للزراعة. فامّنوا بذلك فرص عمل لأبناء القرى إما من خلال العمل اليومي او من خلال “الشراكة بالشلش” او بالموسم.
بعد المؤسّسين هناك شخصية استثنائية طبعت تاريخ الرهبانية. إنه اغناطيوس بليبل الذي انتخب رئيساً عاماً سبع مرات متتالية بين عامي 1810 و 1832. يتّفق المؤرخون على ان عهوده كانت عصراً ذهبياً للرهبانية. كان صديق الامير بشير الشهابي الكبير. وضع صداقته هذه في خدمة الرهبانية والطائفة. هو من شَرَع في بناء دير مار مارون عنايا الذي عاش فيه شربل الراهب. واشترى محبسة عنايا، حيث تنسّك شربل القديس.
منذ البداية عاش الرهبان حياة تعاضد مع ابناء رعيتهم. فعانوا من اضطهاد السلطنة العثمانية، لا سيما رهبان دير قزحيا. وخلال احداث 1840 و1860 قُتل بعضهم ونُهبت وأُحرقت اديرة. وخلال الحرب العالمية الاولى لم تتوانَ الرهبانية عن رهن املاكها الى الدولة الفرنسية لقاء مليوني فرنك ذهباً لإغاثة المنكوبين وإطعام الجائعين.
هذا الموقف للرهبانية سيتكرّر خلال الحرب، او الحروب اللبنانية، التي بدأت في العام 1975. حينها فتحت الاديرة ابوابها لاستقبال المهجّرين واوّلهم مهجّري بلدة الدامور. هؤلاء افترشوا جامعة الروح القدس في الكسليك التي تحوّلت غرف الدراسة فيها الى غرف منامة لإيواء النازحين.
في هذه المرحلة الصعبة من تاريخ لبنان، لم يقتصر موقف الرهبانية على العمل الاجتماعي إنما تعدّاه الى المبادرة السياسية، إذ قام الأباتي الراحل شربل القسيس بجمع السياسيين المسيحيين واسّسوا “الجبهة اللبنانية” التي كانت الجبهة السياسية للمقاومة اللبنانية. كما انكب رهبان متخصّصون في الجامعة على القيام بالدراسات والابحاث السياسية والتاريخية والاجتماعية… وتقديم التقارير للقادة في “الجبهة” لاتخاذ القرارات المناسبة لإنقاذ لبنان. وأكمل المهمة – الرسالة الاباتي بولس نعمان الذي انتخب رئيساً عاماً في العام 1980.
وشاءت العناية الإلهية ان تقدّم الرهبانية في هذه المرحلة العصيبة دعماً روحياً لأبنائها. فقد أُعلنت في العام 1977 قداسة شربل، الراهب اللبناني الماروني. أعطى ذاك الحدث العالمي أملاً للمسيحيين في لبنان بأن هذه الارض هي ارضهم. ولا يمكن لـ “ثورة فلسطينية” ان تقتلعهم منها، ولا لـ “اصلاحات دستورية” ان تمحو دورهم الريادي وحضورهم الفاعل في لبنان والشرق.
كما في نكبات 1840 و1860 كانت الرهبانية تنمو ومؤسساتها تزدهر، كذلك كانت جامعتها، التي أنشئت في الكسليك في العام 1950، تنمو وتتوسّع خلال الحرب اللبنانية. فبينما كانت مؤسسات الدولة اللبنانية تنهار كانت الكليات والمعاهد تُنشأ. وفي حين كانت القذائف تهدّم الابنية في لبنان، كان الرهبان يُعلون البناء في الكسليك لتكون جامعتهم أوّل صرح اكاديمي خارج العاصمة بيروت وفي قلب جبل لبنان.
في مقاله المنشور في مجلة المنارة عن “الرهبانية اللبنانية المارونية” كتب الاب جوزف قزي ان تاريخ 10 تشرين الثاني 1695 هو “بدء الحياة القانونية المشتركة، بل بدء الديمقراطية في الشرق…”.
توالى على رئاسة الرهبانية منذ تأسيسها سبع واربعون رئيساً عاماً (وقد انتخب بعضهم لأكثر من ولاية) والعديد من المدبّرين العامّين. الحروب والظروف الصعبة لم تمنع الرهبان من الانتخاب. ربّما من الواجب التعمق في دراسة هذه التجربة هذه الرهبانية التي يشكّل تاريخها جزءًا من تاريخ لبنان، وتروي حجارة اديرتها سِيَر رهبان قديسين عاشوا فيها منذ مئات السنين، وتشهد كنائسها اليوم على قداسة آخرين…
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]