#adsense

هنا رحبة… للشهادة حكاية وأيضاً للتسامح…

حجم الخط

… وفي ليلة ليلاء تحوّلت “عين الضيعة” الى نهر دماء، صارت بلدة الينابيع بلدة الشهداء، تواطأ الاحتلال السوري وعملاؤه على الخير الذي فيها، وتحت غموض الظلام وبساعات قليلة، تحولت رحبة البلدة الشمالية، الى ساحة نعق فيها الموت، صارت وليمة للغدر والحقد وارتفع الشهداء على صليب المقاومة، هذه ليست ملحمة من تلك الإلياذة الأسطورة، هذه حكاية واقعية عن بلدة من لبنان، ومقاومين حقيقيين عوقبوا بالموت لأنهم اختاروا ان يكونوا مقاومين لأجل لبنان، ظنوا انهم اغتالوهم فإذ بهم ينهضون ليجعلوا من الشهادة حياة لإنسانيتهم، مضى الزمن وبقيت الحكاية نائمة في سطورها، نحكيها في ليالي البرد تلك لتدفئ شوق الايام  وكي لا يغمر النسيان من استشهدوا لنبقى ونكتب عنهم…

 ملعون الزمن حين يعبر بالزمن مرور غريب وكأنه يلتقي ببعضه للمرة الأولى، فيتصافحان وكأن شيئا لم يكن، ويمحو الزمن تلك البقع الحمراء القانية التي التصقت على جبين الإنسانية عارا ما بعده عار، ولم تنل اللحظة عقابها حتى اللحظة ولن تفعل. يقولون إنه زمن التسامح والتصالح، عظيم ونحن لها، نحن المقاومون أبناء الرجاء والقيامة، وهذا ما فعله أبناء رحبة، قطع بهم الزمن، سامحوا، الحياة ابنة المستقبل، لكن بقيت البقع الحمراء عالقة على ضميرهم وستبقى للأبد، الشهداء.

سُميت أساسا رحبة لتستقبل الحياة وضيوف الأيام، ولتكون بلدة الينابيع والخير المتدفق من الجبال التي تحاصرها حراس زمان لا ينعسون، لم تكن لتعرف تلك البلدة في قضاء عكار، ان عقر دارها سيكون رحبا لإرهابيين، دواعش مذذاك الوقت زرعوا بيوتها بدل الضيوف الأشلاء، ولتروي رحبة للتاريخ حكاية لا تنتسى ولا يجب أن تفعل، ليس لتكون للحقد مؤونة، إنما كي يبقى الشهداء قضية ولتكون عبرة للأيام الآتية.

كان العام 1976، لبنان يغلي بحروب الآخرين على أرضه، لبنان يغلي بالمعارك الطائفية الطاحنة، والغرباء ينخرون عظامه كغربان حين يتناتشون جيفة غزال، لبنان تحت احتلال الجيش السوري وذاك النظام الحاقد أبدا، حافظ الأسد والمسلحون الفلسطينيون، لم تكن رحبة لتخرج من ضمن إطار المخطط الجهنمي إياه الذي رُسم للبلاد، ترهيب الناس تمهيدا لقتلهم وتطويعهم وتهجيرهم واحتلال أماكنهم، كانت رياح شؤم ما بدأت تلوح في أفق المكان، كان في البلدة شباب المقاومة المسيحية، “الكتائب” يومذاك، وكان في المقابل الأحزاب اليسارية كافة الداعمة لجيش الصاعقة السوري والمسلحين الفلسطينيين. أخبار لبنان الدامية كانت كرة نار تتدحرج فوق مدنه وقراه، وبدأت رائحة طبخة ما تصل الى أنفاس البلدة التي سكنت الترقب والخوف على أبنائها، لم تتقبّل الأحزاب اليسارية تلك وجود مقاومين ينادون باسم لبنان واستقلاله ويرفضون الانصياع لسطوة الغريب، كان من الضروري “تربية” الناس وتهجير هؤلاء لتدخل رحبة في منظومة التطويع الكاملة، كان الشباب يعرفون أن عليهم الدخول في مفاوضات جدية وبأسرع وقت لتجنيب رحبة كأساً مرة، وهذا ما حصل، بدأت المفاوضات بين قيادات الأحزاب كافة، وقطعت تلك المفاوضات شوطا كبيرا بعدما كانت أصرت المقاومة اللبنانية على مطلب أساسي لا يضعها في مكان الاستسلام، ويحفظ كرامتها تجاه الناس ومقاومتها، إذ طالبت بتبادل عمليات الاستنكار بين الطرفين، بمعنى ان الشباب مستعدون لاستنكار ما حصل في بوسطة عين الرمانة قبل عام، في مقابل استنكار الأحزاب اليسارية حادثة محاولة اغتيال الشيخ بيار الجميل التي أدت الى استشهاد مرافقه، وأيضا استنكار عدم تدخل القوى الأمنية لضبط الوضع كما يجب آنذاك “وكنا على وشك الوصول الى نوع من التوافق على الأمور الأساسية لنجنّب رحبة  مصيرا أسود، وإذ بهم بليل 19- 20 كانون الثاني يهاجمون رحبة من كل الجهات ويحاصرونها ويدخلونها جحافل ووقعت الكارثة” يقول المقاوم العتيق في الكتائب اللبنانية آنذاك، سالم اسحق.

كانت نامت البلدة إذن على حذر شديد في انتظار ما ستكون عليه الأمور بعد حديث التفاوض بين الطرفين، ووصلت أصداء النهاية “السعيدة” المفترضة الى مسامع الجميع، وعلى هذا الأساس انتظرت رحبة وإن بقلق، أن يطلع عليها الصباح وأن تدخل في دائرة الأمان النسبي، لم يعرفوا يومها لا المفاوضون ولا الناس، ان التفاوض ما كان الا ستارا كاذبا لما كان يُخطط لهم، ففي حين جلس بعضهم الى الطاولة للتفاوض المزعوم، كان آخرون يحضّرون للمجزرة ويدرسون عسكريا ولوجستيا مداخل البلدة ومحيطها وكيفية اقتحامها ومحاصرتها لتكون “الغلة” على قدر الطموح، والطموح هنا يقاس بحجم الحقد ولا حجم له بميزان الإنسانية، تخطى الحقد تلك الليلة السوداء حدود البشر ليصبح من لون الوحوش الضارية التي لا تشبع الا من أجساد الناس وحتى من أرواحهم.

لم يطلع الصباح ذاك الصباح، الثانية عشرة ليلا، وكان صقيع كانون والقمر بدر، وإذ يكسر الصراخ سكون الليل وفي كل الاتجاهات، وكأن التاريخ يستعيد ذاته، هيرودس يقتل كل أطفال أورشليم كي لا يتوّج أحدهم ملكا باسم المسيح المنتظر، ورحبة حوصرت بجيش الصاعقة السوري والفلسطينيين الوافدين من مخيم نهر البارد وبمساعدة الأحزاب اليسارية، انقضوا جميعا على البلدة كي لا يبقى مسيحي أو لبناني يصرخ على اسم بلاده، وبدأت عمليات القتل الهمجي الوحشي من دون تمييز، ولما لم تروِ الدماء غليلهم، بدأوا حرق المنازل من دون رحمة، أكثر من خمسة عشر ألف مسلح حولوا البلدة الى جحيم حاصر ناسها وجعلهم طعما للدواعش، لاحقوا المقاومين في كل الاتجاهات وكانوا قلة قلة في وجه جيوش جرارة مجهزة بالأسلحة كافة، حاول الشباب المقاومة حتى آخر الأنفاس، آخر القدرات وما تمكنوا، كان يجب أن ينسحبوا لتجنيب البلدة المزيد من المصائب “انسحبنا بهالليل بالأحراج  قلنا بلكي بيوقّف الهجوم عالضيعة وبتوقف المجزرة عند هالحدّ وبهالوقت كانوا المرتزقة والأغراب صاروا بقلب رحبة عم يزرعوها حرايق وقتل وترهيب وبقيت النار بـ بيوتنا تلات أيام بلياليها وهني عم يتفرجوا” يقول منسق “القوات اللبنانية” في رحبة الدكتور جوزف البايع. صباح اليوم التالي لم يكن صباحا، كأنه الغسق حين تنفلش الشمس منتحرة في قلب البحر، كانت الطرقات بحر دماء، أكثر من 38 شهيدا، جرحى بالعشرات، بيوت مهدمة، بيوت تحترق ولا من يطفئ النيران، ومسلحون زعران غرباء وأيضا بعضهم من أبناء البلد يزرعون المكان ترهيبا واحتلالا  “تشرّدنا بالغابات وعلى الطرقات وبعد تلات ايام حاولنا الوصول لمطار القليعات فلقينا إنو الأمر مستحيل بسبب الحصار فلجأنا الى قرى مجاورة لنا فيها أصدقاء، انتظرنا عندهم وهم من ساعدونا حتى يوصلونا ع المطار ومن هونيك طلعنا بطوافات الجيش اللبناني ووصلنا على بيروت” يقول اسحق.

 من الصعب استرجاع لحظات مماثلة لكن يجب أن نفعل، أن نتصالح مع الذكرى ومع الآخرين. الآخرون؟ أمر يبدو صعبا كي لا نقول مستحيلا حين يدخل عامل الدماء بين الأطراف، لكن هل يبني وطن مستقبله على أسس الدماء؟

“كان لازم نرجع نلملم جراحنا وننطلق من جديد حتى نرجّع الروح لرحبة، وبخبرك إنو الأحزاب اليسارية بوقتها انشقت بشكل كتير حاد في ما بينها بين رافض كليا لما حصل برحبة وبين من قبل المشاركة بالمجزرة” يقول البايع. اللافت انه وبعد المجزرة بأيام قليلة، أعلن بعض العناصر من الحزب الشيوعي انهم ما كانوا يدركون ما يفعلون، في حين انشقّ القوميون السوريون في ما بينهم، فمنهم من شارك حتى الدماء في المجزرة ومنهم من رفضها، وفي المقابل استنكرت القرى المجاورة لرحبة، وهي ذات غالبية مسلمة، بشدة ما حصل لجارتهم، وأكثر من ذلك تنادت تلك القرى في ما بينها لتقديم المساعدة للجارة المنكوبة، وتعمّدوا استضافة بعض الشباب المقاومين الذين تركوا مرغمين البلدة ليلة المجزرة، وأمّنوا لهم المساعدة الى حين نقلهم الى بيروت، “تصوري إنو بـ عكار العتيقة وبلدة تكريت، تجمع مثقفون وشيوخ على مداخل البلدة ومنعوا دخول أي مسروقات من رحبة وجمّعوها بباحة جامع تكريت وطلبوا من أهالينا يجوا ويستلموا مسروقاتهم” يقول اسحق.

في هذا الوقت عادت رحبة تلملم جراحها، تجمع أشلاء ناسها من طرقات الغدر، لملمت أشلاءها، كانت تنظّف بقايا الوحوش الضارية التي افترست الحياة فيها وعلقت نقاط الدم على الأنياب النافرة بالكراهية، من يستطيع أن يضمّد جراحا مماثلة، أي زمن، أي مواساة، أي عمر بعد؟ عندما تقع المصيبة لا نرى أبعد من اللحظة القاتلة، وعندما يتخمّر الوجع في القلوب تذهب الى أبعد بكثير من اللحظة، تبحث عن رجاء، أمل، مستقبل جديد، لأن الخوف على المصير يصبح هو الجرح، لملمت رحبة أشلاءها لكنها لم تضرب بها عدوها، قررت ان تكون “الضربة” في اتجاه السلم وبرأس مرفوع لأجل رحبة، فحملت شهداءها ونقلتهم الى حيث يليق بهم، وذهبت الى أبعد بكثير من الألم الشخصي المغروز في قلبها، كان يجب أن تعود الى الحياة، وعادت، فهذه بلدة الرجاء، هذه بلدة تعرف أن القيامة مع المسيح هي الحياة الدائمة وأن لا حياة من دون تسامح من دون غفران “تعيش رحبة حالا من التسامح والتصالح مع ذاتها كي نستمر ونحن الآن من ضمن نسيج أهل رحبة ومشاركين بكل شي فيها وتحديدا بالبلدية مع الأفرقاء كافة والوضع جيد جدا خصوصا إنو عندنا نسبة عالية جدا من المثقفين وكلنا منعرف إنو البلد إلنا كلنا ومنفتحين على القوى السياسية كلها الموجودة بهدف إنماء رحبة، طوينا صفحة الماضي بس ما مننسى نكرم شهداءنا كل سنة” يقول البايع.

نقولا البايع
نقولا البايع

لم تكن رحبة لتخرج عن سياق بلدات لبنان المقاومة، هنا أيضا حفر التاريخ تاريخا دمويا لأبنائها، دفعت ثمن النضال غاليا، من هنا أيضا خرج مقاومون شرفاء أنقياء اختاروا غير طريق العبودية والاحتلال، طريق المقاومة الفعلية، فكان الثمن الاستشهاد والاضطهاد ولم تبالِ. لا يُسأل مقاوم شجاع عن كؤوس المرارة التي قد يشربها، فمن يسكر في الحب لا يعدّ الكؤوس وكان لحب الأرض زجاجات نبيذ معتّق “تصوري إنو لفترة اعتبروا إنن حرروا رحبة من وجودنا وحاولوا يمارسوا الديكتاتورية والتشدد ومنعوا أي نشاط حزبي إلنا، لأن كانوا يعرفوا إنو نحنا جماعة لا ترضخ وما منستسلم بسهولة، وبعد فترة طويلة وبس رجعنا صاروا كلن يتسابقوا ويحاولوا الانفتاح علينا، لكن اليوم نحنا مجتمع كتير مثقف ومنفتحين على بعضنا ومتعاونين الى أبعد الحدود لأجل رحبة ومستقبلها، انطوت صفحة الحروب ونحنا سنويا منكرم شهدا الجيش اللبناني وشهدا المقاومة المسيحية أيضا” يقول اسحق.

نقولا اسحق نقولا سعد
نقولا اسحق نقولا سعد

لماذا نعيد كتابة الماضي إذن تسألون، وتحديدا عن مجزرة رحبة؟ نحن أناس صنعنا تاريخنا بتفاصيلنا الكبيرة، لم يمر يوم على المقاومة اللبنانية ولم يكن كبيرا، حفرت المقاومة الأيام بدمائها، بأسنانها المغروزة في تراب الأرض، دفعنا الثمن لتبقى الأرض، وبقيت، ورحبة حكاية عن تلك الأرض، لم ننسَ فصولها ولن نفعل كي لا نتخلى عن الكثير من حالنا، شهداؤنا هم حالنا، هم نحن، هم بخور الكنائس والجوامع وعبق الكرامة، تعرف رحبة كل هذا وتدخل برحابة الحب الذي فيها الى مستقبل الأيام لتعيش التسامح، ولتتبادل كأس المحبة مع الشهداء والناس والآتي من الأيام.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل