
قبل أكثر من شهر بدأت معركة تحرير مدينة الموصل من “داعش”. المواقف الدولية والإقليمية مؤيدة وداعمة لإنقاذ المدينة ومواطنيها من الإرهابيين؛ و”الموصليون” خائفون من استبدال الإرهاب “البلدي” بإرهاب آخر مستورد أشدُّ فتكاً وظلماً. هل تحرير الموصل، يعيد المدينة التاريخية إلى العراق الذي تحلم به؟
الزحف مستمر باتجاه الموصل منذ أسابيع، وكأن المدينة بعيدة آلاف الكيلومترات عن مراكز الجيش العراقي؛ بينما هي لا تبعد عن مراكزه المتقدمة سوى عشرات الكيلومترات. عيون الإعلام الإقليمي والدولي، شاخصة إلى الموصل؛ ترصد المعركة التي بدأت ولم تبدأ. بدأت في المحافظة (محافظة نينوى وعاصمتها الموصل)، أي في جزئها الأسهل؛ ولم تبدأ بعد في مدينة الموصل (أي في جزئها الأصعب). مشهد الجيش العراقي (50 ألف عسكري) يجتاحون قرى المحافظة السهلية الزراعية، لا يعطي أية فكرة عن منسوب وحدّة القتال الذي تنتظره القوات العراقية في المدينة. فالقرى في محافظة نينوى وسهولها، ليست مُعدّة أصلاً، لا لإقامة الإرهابيين ولا لمقاومة الجيوش. لذا فكل ما شهدته وسائل الإعلام في سهول المحافظة، يُعتبر عسكرياً عملية تقدُّم من نقاط عديدة باتجاه المدينة، لتطويقها ومحاصرتها، قبل بدء المعركة الحقيقية في الإطباق على الموصل، من عدة اتجاهات، لإخضاعها وتنظيفها من الوجود الداعشي الإرهابي وإنقاذ مواطنيها الأبرياء.
إذن، المعركة الحقيقية في الموصل، لم تبدأ بعد؛ لأن قرى وبلدات المحافظة التي خرجت عن سلطة الدولة المركزية، منذ أكثر من عامين، هي غير قادرة أو مؤهلة للقتال لا إلى جانب “داعش”، ولا ضدّه. لكن المراقب العسكري يسأل: هل يتطلّب الإنتشار العسكري فوق هذه القرى واستعادتها للدولة كل هذا الوقت الذي يصرفه الجيش العراقي في الوصول إلى المدينة؟! وهل يتطلّب تحقيق التماس بين القوى المهاجمة والإرهابيين في الموصل، كل هذا الوقت أيضاً؟ أم أن هناك قطبة مخفية، أو ضعفاً ما في بنية القوى المهاجمة وعدم تجانسها يؤثران على بطء التقدم، ما يهدد العملية إما بالفشل أو بدفع الأثمان الغالية ؟! أسئلة عديدة، يطرحها المراقب؛ ولا يمكن الإجابة عنها، إلاّ من قبل الجيش العراقي، أو داعميه ومسانديه، إذا كانوا قادرين على الإجابة.
لن تكون معركة الموصل العسكرية سهلة على الجيش العراقي. فالمدينة، ذات المليون ونصف المليون من السكان، حصّنها الإرهابيون لمواجهة هكذا نوع من القتال. ويكفي أن نتذكّر تاريخياً معركة ستالينغراد، في الحرب العالمية الثانية، والتي كانت باكورة هزيمة الجيش الألماني، لنتوقع مدى شراسة المواجهة بين الجانبين. خصوصاً عندما يُضاف إلى معركة ستالينغراد في الموصل، بهارات الشرق الأوسط المذهبية في القتال والمواجهة. فالجيش العراقي يتقدّم، ويسانده “الحشد الشعبي” العراقي، الذي يعتبر منظمة شيعية بحتة، ويعتبره إرهابيو “داعش” ميليشيا شيعية مذهبية عراقية خارجة على القانون، ترعاها الدولة العراقية، ومن ورائها إيران. ما يدفع الداعشيين الى الإستماتة بشكل أشرس للدفاع عن مدينتهم؛ بينما الموصليون (أهل المدينة) الأبرياء، يزدادون خوفاً من تحرير مدينتهم من “داعش” “بلدي” سنّي، وتسليمها إلى الحشد الشعبي الذي يعتبرونه “داعش شيعي إيراني”؛ ما يدفعهم إلى صعوبة الإختيار بين “الداعشين”. وهذا ما يُصعّب جداً على الجيش العراقي، عملية التحرير التي يتوق إليها أهل الموصل؛ ولكن في ظلِّ دولة عراقية عادلة، تُفوّتُ على الإرهابيين التموضع في الموصل أو تكريت أو كركوك أو الفلوجة أو الرمادي… وغيرها من مدن العراق ذات الطابع السنّي؛ وليس لدولة عراقية، يعتبرون أن رئيسها حيدر العبادي لا يختلف عن سلفه نوري المالكي إلا من ناحية أنه إيرانيٌّ بـ”كرافات”.
هذه هي المشكلة الأساسية في العراق: هيمنة إيرانية بإسم المذهب الشيعي، يرفضها العراقيون جميعاً، سنّة وشيعة، وإن تظهّرت بشكل عسكري وإرهابي أحياناً لدى سنّة العراق؛ إلاّ أن الرأي العام الشيعي في العراق، بات يجاهر ويحتّج بالقول “نحن نرفض استبدال الإحتلال الأميركي للعراق باحتلال إيراني، يصادر قرارنا السياسي وثروات مقاماتنا الدينية، ويدخلنا في حروب مذهبية داخلية، ضد ذاتنا العربية التاريخية”. حتى بات كثيرين من العراقيين الشيعة، يتحسرون على أيام الرئيس الراحل صدام حسين عندما يقولون: “بيوتنا كانت مضاءة بالكهرباء، والمياه النظيفة تصل إلى حنفيات منازلنا”.
لم تلامس القوى التي “تزحف” باتجاه الموصل، لتطويق المدينة ومهاجمتها، حدود هذه الأخيرة. فالإرهابيون، كما يبدو، مصممون على الدفاع عنها حتى الرمق الأخير. لكن الأخطر من ذلك، هو تصميمهم على منع المدنيين من مغادرتها لإرباك القوى المهاجمة التي تخشى سقوط عدد كبير من هؤلاء المدنيين. الأصوات في الخارج منقسمة حول حلّين: الأول يدعو إلى فتح معبر للداعشيين، للخروج عبره باتجاه مدينة الرقة في سوريا، ما قد يخفف من حدة القتال، ويسهّل على المهاجمين عملية تحرير المدينة بخسائر أقل؛ والثاني يدعو إلى تطويق المدينة ومنع الإرهابيين من الخروج منها، وبالتالي القضاء عليهم جميعاً؛ وهذا الحل يؤدي إلى تسعير القتال وتدمير المدينة بأكملها، بعد تكبيد المهاجمين والمواطنين خسائر كبيرة تتجاوز بكثير حدود المتوقّع. لكن يبدو أن القوى المهاجمة، من الجيش العراقي والحشد الشعبي والقوى الحليفة الداعمة له، قررت اعتماد الحل الأول لتخفيف الخسائر، وأضافت إليها أمراً أخطر يُعتبر مزيجاً من الحلّين، عندما طلبت من الحشد الشعبي العراقي (ميليشيا النظام) التمركز في بلدة “تلعفر” الواقعة بين الموصل والرقة، لإلقاء القبض على الداعشيين الفارين من الموصل، أي قتلهم بترخيص من الدولة. فهل ينفذ الإرهابيون الحلّ، الذي اختارته لهم القوى المهاجمة بمغادرة المدينة، وهم يدركون أنهم ذاهبون إلى الموت المحتّم من جديد، إما على طرقات الموت الفاصلة بين الموصل والرقة، أو إلى حصار ثانٍ في مدن أخرى، قد لا تسمح لهم بالقتال كما هي مدينة الموصل؟
في هذه الحرب في العراق، يشترك الجيش الأميركي في القتال إلى جانب الجيش العراقي، بخبراء ومستشارين ومدربين ودعمين جوي وصاروخي، أي أن هذا الجيش (الأميركي طبعاّ) بعيد جداً عن ساحات القتال والمواجهة. وهكذا يحلو للرئيس أوباما القول قبل انتهاء ولايته أمام بعض مستشاريه “ها هم العراقيون يقتلون بعضهم، بدل أن يقتلوا الجيش الأميركي في شوارع وأزقّة مدنهم”. أوباما يعتبر نفسه منتصراً في العراق، بعد أن خذل العراقيون سلفه، الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش، الذي لبّى دعوتهم لتحريرهم من نظام ظالم، فأغرقوا أنفسهم في احتلال آخر أكثر قسوة وثمناً، هو احتلال إيران للعراق، وما يترتب عليه اليوم من مواجهة مع عالمهم التاريخي: العالم العربي. ويبقى السؤال: هل يُقضى على “داعش” في العراق بعد تحرير الموصل؟
الجواب طبعاً لا. فقوة “داعش” ليست بحدود جعرافية، وعندما يطوّق “داعش” نفسه بحدود جغرافية ويتشبّث فيها، يكون في الموقع الأضعف؛ تماماً كما هي حاله اليوم في الموصل. و”داعش” ليس قوى عسكرية كلاسيكية بعتاد ومعدات ظاهرة للعيان؛ وعندما تتوفر له هذه المعدات، يصبح أيضاً في الموقف الأضعف تجاه من يهاجمه. لكن “داعش” يستمد قوته من فكره الظلامي وخفة حركته ورشاقته في التنقُّل وسرعة تغيير انتظامه، وتبديل الأهداف وسهولة التخفي والتسلل والحركية… قوة “داعش” قد تكون مستمدة خصوصاً من هذه الحركية التي تسمح له بتأسيس خلايا نائمة على الخطوط الخلفية لمهاجميه. هذه هي خطورة “داعش”؛ فهل يمكن إيجاد حلٍّ لها؟
الجواب طبعاً بالتأكيد. فالإرهاب لا يمكنه تأسيس دول؛ إنما يسهل عليه تفكيك الدول. يكره تشكيل الجيوش الجرّارة، لئلا تكون نقطة ضعفه ومقتله. هواية “داعش” المفضّلة، توليد وتفريخ الخلايا الإرهابية بالآلاف؛ لذلك فمواجهته والقضاء عليه لا تحصل بالجيوش الخارجية، ولا حتى البلدية. الطريقة الأفضل لمواجهة “داعش” هي الدولة التي تؤمن للمواطنين الحرية والعدالة والمساواة. وإذا لم تؤمن هذه العدالة والمساواة ستظل مهمة القضاء على هذا التنظيم صعبة، بحيث يصح عندها القول: “لا تبحثوا عن “داعش” في ميادين القتال للقضاء عليه، بل فتشوا عنه في رؤوس الحكّام الظالمين الذين يستولدون هذه الدواعش بظلمهم للشعوب”.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]