#adsense

خاص “المسيرة” – واشنطن: بين الموصل والرقة: خارطة جديدة للمنطقة

حجم الخط

دولة “داعش” تسقط لتنشأ دول سنَّستان وشيعستان وكردستان

مع انجاز الانتخابات الأميركية، تدخل الملفات الدولية في مرحلة انتظار، وتبقى عوامل الصراع هي ذاتها في غير منطقة بدءاً من سوريا مروراً بالعراق، ووصولاً إلى اليمن، حيث أن جبهات القتال في هذه الدول ستبقى مفتوحة على مصراعيها ريثما تنضج عوامل الحسم السياسي أو العسكري على الأرض.

جبهة الصراع في سوريا لن تشهد في المدى المنظور أي بوادر معالجة ولو جزئية على صعيد التقدّم أقله على جبهة وقف الأعمال القتالية طالما أن الجبهات العسكرية والسياسية تبقى مفتوحة على تطورات متقلبة تبعا لتداخل عوامل المعركة في الأرض السورية.

وعلى وقع إستمرار المعارك في حلب وتركيز روسيا على تحقيق تقدّم ميداني في هذه المنطقة غير آبهة بسلسلة من التحذيرات الغربية من تداعيات المعركة في حلب، لم تنجح المحاولات الأخيرة التي جرت بين الدول المعنية بالأزمة السورية في تحقيق أيّ تقدم يذكر في تغيير الموقف الروسي المتشدد إزاء مضامين عملانية تقود إلى تحقيق هدنة معقولة والسماح بإدخال المساعدات الانسانية الى المدن المحاصرة.

ولعل المفارقة أن الولايات المتحدة وبدعم من عدد من الدول الغربية الأعضاء في التحالف الدولي ضدّ تنظيم “داعش” نسقت بشكل كبير مع كل من العراق وتركيا ومع حلفائها الأكراد تسريع عملية إقتلاع التنظيم من مدينتي الموصل في العراق والرقة في سوريا، فالموصل مهمة لاستعادة هيبة الدولة المركزية العراقية بعدما سقطت كلياً في عدد من المحافظات الغربية، ولا سيما في محافظة نينوى، في حين الرقة التي ينتظرها معارك كبيرة تستهدف بشكل رئيسي دولة الخلافة التي أعلنها هذا التنظيم بالضربة القاضية.

بعدما أسقط ضغط وزير الدفاع الأميركي أشتون كارتر مضمون الاتفاق الدبلوماسي مع روسيا حول وقف إطلاق النار في سوريا، وهو ربما كان يعلم مسبقاً بحقيقة نوايا موسكو وخططها في سوريا لجهة أنها غير آبهة بتحقيق تسوية للصراع إلا وفق أجندتها، ها هو كارتر نفسه يتنقل بين تركيا والعراق حيث إنطلقت معركة الموصل بإشراف أميركي مباشر، وفي هذا الأمر دلالات عدة:

إسقاط دولة الخلافة

أولاً: لقد كان واضحاً أن معركة الموصل التي بدأت من دون تحديد أفق زمني لها، والتركيز الأميركي على هذه المعركة كونها تشكل مرحلة مهمة في طريق القضاء على تنظيم “داعش”، إنما جاءت على خلفية لعبة موازين القوى في المنطقة، بين دول التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة من جهة وروسيا وإيران من جهة أخرى، ودخول الولايات المتحدة في  شراكة غير مباشرة في معارك العراق وسوريا من خلال عسكريين على الأرض لتقديم المشورة بالإضافة إلى استمرار التحرك الجوي فوق السماء الممتدة من حدود العراق إلى الحدود السورية واستهداف ما يجب إستهدافه، إنما يدل بداية على أن المعارك على الأرض ستطول، ولكن كل لاعب فيها يريد أن يحفظ دوره عندما تنضج ظروف الحلّ التي ستأتي وفق توزع القوى الجيوسياسي، وتبعاً لمعايير الربح والخسارة.

ثانياً: تبعاً للتنسيق المسبق بين العراق وبين التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش” بقيادة الولايات المتحدة، من أجل بدء معركة الموصل، هيّأت واشنطن الأرض لانطلاق معركة إستعادة الرقة، بشكل متوازن بين تركيا كدولة حليفة، وبين الوحدات المقاتلة التي تدعمها واشنطن وفي مقدمها “قوات سوريا الديمقراطية”، وقد أرادت الولايات المتحدة مراعاة التوازن بين الدورين التركي والكردي في الجانب السوري من الجبهة قبل حسم حصص أي مكون في خارطة المنطقة في المستقبل، فهي وضعت خطة تتجاوب مع التساؤلات في شأن مدى ملاءمة قوات سوريا الديمقراطية التي تضم في معظمها عناصر كردية كقوة تستعيد مدينة أغلب سكانها من العرب، والجميع يعرف مدى معاداة تركيا لأي تعاظم للدور الكردي على تخوم المعركة ضدّ “داعش”، ولذلك قارب التحالف الدولي الموقف التركي بأن أعلن أنه ينبغي أن يكون أغلب المشاركين في عملية الرقة من العرب. والرقة معقل التنظيم في سوريا الذي يدير منه معسكرات التدريب ويوجه العمليات. ويشرف التنظيم على المنشآت العامة في المدينة ومنها المخابز والمصارف والمدارس والمساجد وبحسب المصادر العسكرية فإن حملة إستعادة الرقة ستتقدم على مراحل محددة تبدأ بمرحلة عزل التنظيم، تليها مراحل لاحقة لضمان إخراجه. وبحسب الخطة الموضوعة فإن طليعة القوات التي ستدخل الرقة ستتألف من العرب وليس الأكراد الذين يشكلون العمود الفقري لـ”قوات سوريا الديمقراطية”، حيث أنهت واشنطن تدريب عدد كبير من العناصر العرب لكي يشكلوا القوة المحلية التي ستسيطر في ما بعد على الرقة.

وترى واشنطن فائدة في تزامن معركة الرقة مع الهجوم على الموصل خشية أن يمنح التأخير وقتا للمتشددين لاستخدام المدينة كقاعدة لشن هجمات على أهداف في الخارج. ومن شأن الهجومين المتزامنين على الموصل والرقة إنهاء وجود الخلافة التي أعلنها أبو بكر البغدادي زعيم التنظيم من أحد مساجد الموصل في عام 2014.

طبيعة الدور التركي

ثالثاً: بعد محاولة الإنقلاب الفاشلة في تركيا، وقبلها تهديد “الحليف العثماني” العضو في حلف شمالي الأطلسي، بإعادة تموضعه من خلال فتح خطوط مع أعداء الناتو ومنهم روسيا وإيران، عادت الولايات المتحدة لتعطي إشارات مطمئنة لتركيا، فكانت زيارة نائب الرئيس الأميركي إلى أنقرة وما نتج عنها من تعاون قضائي لملاحقة قادة الانقلاب، إضافة إلى إعادة تفعيل التعاون والتنسيق العسكري بين الجانبين بما يضمن دوراً مكرساً لتركيا في ساحة المعركة، فكان الدخول التركي إلى سوريا في إطار عملية “درع الفرات”، مع ما أدّاه ذلك من لجم لتحرك الأكراد وانتصاراتهم على الأرض وفي ما يبدو تطويقاً مسبقاً ووقف أي تحرك لهم لإعلان الكانتون الخاص على الحدود التركية، وفتح خطوط الاتصال مع الإقليم الكردي في العراق، بحيث ظهر أن أي خارطة مستقبلية للمنطقة مع ما تستتبعه من رسم حدود دول قديمة وجديدة سابق لأوانه اليوم قبل معرفة اتجاهات الصراع وحسمه في آن.

رابعاً: الدور الذي لعبه وزير الدفاع الأميركي بين تركيا والعراق، ورسمه خطوط التماس والأدوار بين أنقرة وبغداد في معركة الموصل كان بمثابة ترجمة عملية للدور الذي يلعبه العسكر الأميركي مع تراجع دور السياسة والسياسيين في المرحلة الانتقالية بعد الانتخابات، ومع عدم توقع أية نتائج سريعة في هذا الخصوص تبدي تركيا استعدادها الدائم لاتخاذ إجراءات في العراق إذا لم تقتنع بتعهدات واشنطن وبغداد بأن المسلحين الأكراد والفصائل الشيعية لن تشارك في القتال الدائر حاليا حيث أنها لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه الوضع في العراق في ظل وجود حدود لمسافة 350 كيلومترا مع هذا البلد، كما أن الموصل تشكل جزءا سوريالياً من حلم السلطنة في تركيا، لأنها كانت يوما جزءا من الإمبراطورية العثمانية ويبدو أن تركيا الحاضرة تعتبر أن المدينة لا تزال في نطاق نفوذها.

خامساً: عمد وزير الدفاع الأميركي إلى الضغط على بغداد لكي تضع إطاراً رسمياً للتعاون مع تركيا في معركة الموصل، وفي هذا الموقف إنحياز لدور أنقرة مع إدراك واشنطن لأهمية المعركة في الموصل وتحقيق الانتصار على تنظيم داعش، إلا أنها في الوقت ذاته حريصة هذه المرة على عدم تصوير المعركة في هذه المدينة الكبيرة التي يسيطر عليها التنظيم المتشدد وكأنها معركة تستهدف المكوّن السني في العراق خصوصاً مع رفضها الواضح للدور المتعاظم للميلشيات الشيعية في العراق ككل وليس في محافظة نينوى فقط حيث تظهر دلائل عدم إعتماد حكومة بغداد المدعومة من إيران كلياً على الجيش العراقي لئلا يتكرر ما يمكن إعتباره شبه تسليم للموصل إلى تنظيم “داعش”، وتبعاً لهذه العوامل شدّد الوزير كارتر ومسؤولون آخرون على أن تفاصيل الدور التركي ما زالت تخضع للتفاوض وأن العراق يجب أن يوافق على ذلك، وأقرّ مسؤول بارز في وزارة الدفاع الأميركية بأن الولايات المتحدة تعترف بأن تركيا لديها مخاوف أمنية مشروعة بشأن تداعيات الحملة في الموصل، حيث من المتوقع أن تصبح أكبر معركة في العراق منذ غزو العام 2003 بقيادة الولايات المتحدة مع الإشارة إلى أن الموصل هي أكبر بخمس مرات تقريبا من أي مدينة سيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية من قبل.

سادساً: في مؤشر على تعاظم الدور التركي على الأرض ولا سيما في سوريا، فإن المعلومات كشفت أن أنقرة تدعم بشكل كبير تشكيلاً من “الجيش السوري الحرّ” في منطقة جرابلس قد يصل عديده إلى خمسة وعشرين ألف عنصر، وهكذا يبدو الهدف واضحاً من وراء عملية “درع الفرات”، بحيث تأمل تركيا عبر المساعدة المباشرة من عناصر “الجيش السوري الحر” بإنشاء منطقة عازلة على مسافة خمسة الآف كيلومتر مربع، وتمتد في عمق الأراضي السورية، حيث تكون هذه المنطقة كفيلة بحماية اللاجئين السوريين الفارين من الحرب.

تقسيم مؤجل لخريطة المنطقة

سابعاً: إن المرحلة الحالية لن تؤدي عملياً إلى رسم حقيقي لأي تقسيم للمنطقة قبل معرفة موزاين القوى العالمية والإقليمية في هذا الصراع، ومدى ما يمكن أن تحققه من مكاسب في المدى البعيد، ولهذا فإن ما تحاول أنقرة فعله من خلال تحرير جرابلس، ودابق في سوريا، وربما الباب، وتأكيد دورها في معركة الموصل، هو أن تثبت أنها ستظل قوة إقليمية في المنطقة، تستطيع فرض إرادتها في ما يرسم من حلول وخرائط لها. ولذلك يعتبر كبار المحللين والباحثين في واشنطن،أن العراق هو خط الصدع بين الشيعة والسنة وأن كل ما يحدث في سوريا اليوم، بطبيعة الحال، ستكون له تداعيات على الأوضاع في المنطقة بدءا بالعراق مروراً بسوريا ووصولاً إلى اليمن، حيث يبدو أن الصراع الطائفي والمذهبي سيقود في النتيجة إلى رسم خارطة جديدة تعكس الوقائع على الأرض.

وهكذا مع مرور الوقت، ومع إستمرار أوجه النزاع العسكرية، تكون الظروف قد نضجت لتقسيم المنطقة، فنجد عندها الأقلية السنية العراقية  لا سيما في محافظة الانبار الغربية تترابط مع الأغلبية السنية في شرق سوريا، مما يؤدي إلى إنشاء الإطار الجغرافي وفق ما يُعرف ب سُنَّستان، وفي جنوب العراق أصبحت تزداد على نحو فعال قوة الشيعة فيخلقون الشيعيستان، فيما تقوم الأحزاب السياسية المهيمنة في المناطق الكردية من سوريا والعراق بتوحيد جهودها وتركيز كانتونها عبر إقامة دولة كردية تُقتطع لها مناطق شمال العراق وجنوب شرق تركيا وأجزاء من سوريا وإيران.

في ضوء كل ما تقدّم يبقى أن نشير إلى أن عملية ” بلقنة المنطقة” لن تكون سهلة. فهل ستصبح واقعاً على الأرض أم تتلاشى أقله في المدى المنظور حتى تبيان مصير الصراع للاستحواذ على مناطق النفوذ الاستراتيجية في الشرق الأوسط والتي تتمتع بمقومات الوجود اقتصاديا وعسكريا وسياسيا؟

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل