
ليست المرة الأولى، ولن تكون بطبيعة الحال الأخيرة، التي يرتفع فيها صليب الرب، شامخاً شاهقاً تماماً كارز لبنان الخالد.
نعم لقد اعتاد اللبنانيون من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب تكريم “صليبهم” الظافر حتى ارتفع عام 2010 أكبر صليب في العالم على أرض قناة – باكيش في بكستنا.
المعالم المسيحية المطبوعة في الوديان المهيبة أو المعلقة على رؤوس الجبال أو تلك المزروعة على الصخور، أو في غابات الارز والصنوبر، لطالما كانت علامة حيّة عن إيمانهم وعمق نضالهم في هذا الشرق، وإرث يروي قيم الأقدمين والنساك الذين حولوا الصخر الى مغاور وكهوف في نضال تشبثهم بهذه الأرض.
لم تعد قمم الجبال فقط المكان الأمثل لرفع الصليب، فقد قررت كاتدرائية “مار جرجس” المارونية في وسط بيروت وبعد أكثر من مئة وعشرين عاماً على بنائها، تنفيذ المخطط الذي لحظته خارطتها، بإنشاء الصليب الشاهق فوق قبتها.
فالكاتدرائية التي تَمّ تشييدها بين أعوام 1884 و1894 وفق تصميم المهندس الإيطالي جوزيبّي مادجيوريه، أتت لتكون نسخةً مطابقة لبازيليك “ماريا الكبرى” في روما، لاسيما في واجهتها وتنفيذها الهندسي بشكل صليب وسقفها المجوّف.
وإذا كانت هذه الكاتدرائية قد حضنت أهمّ أحداث الحياة اللبنانية قبل الحرب، إلا أنها شهدت أيضاً على “بيروت” الجديدة. وعلى الرغم من أنها تعرضت للقصف والدمار والسرقة والتشويه، إلا أن رئيس اساقفة بيروت للموارنة المطران بولس مطر، أعاد عام 1997 ترميمها مراعياً طراز النهضة، فاستعادت هندستها الأساسية بشكل صليب، وكرّسها البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير في 24 نيسان2000.

هذه الكاتدرائية المبنية في قلب بيروت، رفع على قبتها التي ترتفع 72 متراً عن الأرض وهي الأعلى في الشرق الأوسط ، واحد من اضخم الصلبان في لبنان.
طوله ثمانية أمتار وعرضه أربعة، أعد الدراسات الهندسية له شركة 4B architects، فيما نفذته شركة GF Steel من معدن الـ Stainless steel massif، وهو سيُضاء بـ655 لمبة LED أشرف على تركيبها شركة “دباس”، فيما تولت “شركة متى” متابعة العمل والإشراف على التنفيذ.
أما قبة الصليب فصنعت من الـ stainless steel super mirror ونفذتها شركة Modelo sarl بأحدث التقنيات، وهي تزن اكثر من 2 طن.


استغرق رفع الصليب يوماً كاملاً، لأنه يزن مع الإضاءة حوالى أربعة أطنان، وقد كان عمل الرافعات التي تعود لشركة “عودة – ترانسبورت”، بغاية الدقة.




من على ارتفاع اكثر من 70 متراً سيتمكن المؤمنون من مشاهدة بيروت، لأن المكان سيكون مفتوحاً أمام العموم، وقد عانق الصليب مجدداً سماء لبنان من وسط بيروت، في لوحة فنية رائعة، ليكون مدماكاً إضافياً في بناء العيش المشترك.


وعشية السبت 19 تشرين الأول الحالي، يبارك المطران مطر، قبة الكاتدرائيّة الجديدة ويضيء الصليب المقدّس الذي شمخ فوقها، بعد قدّاس إختتام سنة يوبيل الرحمة، عند الساعة السادسة مساء.
