#adsense

لا حيّ في “حي الشعار” في حلب.. فيلماً وحقيقة

حجم الخط

لا التصوير الجوي والمونتاج المتطور، ولا المواجهة المرهقة وغير المتكافئة اساسا لقوات المعارضة السورية وكل الفصائل المناهضة للحكم الاسدي، ولا ملايين المهجرين والمشردين والجائعين والجرحى والمعذبين والمعوقين والقتلى، نجحت في ردع جنوح النظام السوري وداعميه الروس عن قتل سوريا لإبقاء الاسد حياً. سوريا التي طوت الصفحة الاخيرة من التعاون الاجرامي التقليدي للنظام الاسدي مع تفكيرها وتطلعاتها وارادة شعبها في ممارسة حقوقه حتى النهاية.

اليوم، وبعدما قتل وهجر ما يزيد عن ثلث الشعب السوري، وبدء استعادة الاسد بعضا من قدرته على الاستمرار في منصبه بحكم التطورات الميدانية والدولية، يعود ما تبقى من سوريا الى مربعه الاول، والاهم يعيد داعمي الاسد الاساسيين، روسيا في طليعتهم، النظر في طريقة سريعة لاعادته الى الحياة، بعدما اعلنت وفاة نظامه فعليا وتنفيذيا مباشرة عقب بدء الثورة واستمرارها طيلة كل هذه السنوات.

تعود القصة في بداياتها الى خمس سنوات ونصف السنة، من بانياس تحديدا عندما اطلقت اول معارضة شعبية سلمية ضد حكم الأسد ، ثم جاء انخراط المعارضة المسلحة في النزاع كرد بديهي على القمع العنفي المتمادي الذي سيطر على البلاد بهدف قتل الثورة.

تبعه بسرعة التدخل الخارجي المباشر بشتى الوسائل العسكرية المتاحة دعما للأسد ، جنود وقادة ميدان ايرانيون وشيعة لبنانيون على الارض، تؤازرهم قوات شيعية من جنسيات مختلفة، طائرات وصواريخ وقنابل غازات سامة روسية من الجو ومنصات وحاملات طائرات روسية ايضا من البحر، واخيرا “فضلات” الجيش السوري الذي لم يعدم ولم ينشق ولم يستطع الهرب خارج البلاد منذ البداية، لتتجه اللعبة الدموية الى منحى اكثر احتلالا واستعمارا وتعديا خارجيا عسكريا وطائفيا صريحا وفجا على ارادة وحياة وحقوق الشعب السوري في عقر داره وممتلكاته.

ركزت السياسة العسكرية الروسية كاملة على القصف الجوي المدمر للبشر والحجر دون اي رادع او ادبيات ومحاذير انسانية احترمت حتى في اقصى الحروب واشرسها، وهو ما هلل له “حزب الله” لاراحته على الارض من ناحية المسح الشامل للاراضي السورية من قوات المعارضة والمدنيين العزل على السواء، وجاراها بقتاله الاجرامي وتضييق الخناق على الاحياء المعدودة التي ما زالت مسكونة وتسيطر عليها قوات المعارضة.

في هذا السياق، تذكر طبعا وبشكل اساسي محافظة حلب . في السنة الماضية ظهر فيلم تصويري من دقيقة ونصف الدقيقة تجول فيه الكاميرا الجوية على مدينة حلب لتظهرها مدمرة بالكامل وكأنها مستهدفة بقنبلة ذرية. عشرات آلاف المباني السكنية سوّيت بالارض، تغيّرت معالم الطرقات واتجاهاتها وحتى تقسيم المدينة الاساسي، فيما بقي لون الركام الرمادي هو المسيطر على المشهد الارضي برمّته، وكأن المدينة التي تتخطى مساحتها مئات الكيلومترات المربعة اضحت جبلا صغيرا من الرمل .

الجهة نفسها على الارجح قررت توسيع هامش الاستطلاع وبدقة اعلى، بنفس الكاميرا واسلوب الاخراج والتوثيق والمونتاج والخلفية الموسيقية، انتشر في اليومين الماضيين فيديو جديد عن “حي الشعار” شرقي حلب المحاصرة.

دخلت الطائرة الصغيرة المحملة بالكاميرا والتي تدار عن بعد الى الحي هذه المرة، تجولت بين الابنية الفارغة تماما، والشقق المدمرة كليا، والاوتوستراد الضخم الذي سوي بالارض واليباس القاتل الذي يسيطر على مساحات الحي الخضراء، الابنية الكبيرة التي تتميز عن تلك السكنية وربما تعود لمقارّ عسكرية او طبية سابقا، اخذت نصيبها الوافي من القصف الاعمى فظهرت الاكثر تضررا، فيما البراميل المتفحمة الناجمة عن تعبئتها بالمواد السامة المحظرة دوليا ورميها من الطائرات، تغطي المسافات الصغيرة الفاصلة بين الابنية، طبعا لا حاجة للتذكير بأن دمار الطائرات الروسية حضر ليغيب اهل الارض الاصليون اما قتلا تحت الركام او هربا منه.

في اكثر من منطقة واكثر من مجزرة، اعاد محور الاسد اللبناني – الايراني الروسي استخدام الاسلوب نفسه، في اجرام وقح وواضح تجاه السوريين، ما استتبع كما بدا تفريغ المدن من قاطنيها المدنيين تماما. وبين حملة التهجير وتحقير والقضاء على كل مقدرات الشعب السوري، وبين التمسك الروسي – الايراني بالاسد في السلطة ومجاراة الرياح الدولية لهذا الطرح مؤخرا، خرجت طروحات حاسمة تؤكد تحول سوريا الى بلد منكوب تتناتش القوى على حصصها الاستعمارية فيه.

طويت الصفحة اذا، سوريا باتت محتلة من الخارج ببقاء الاسد او عدمه، مع ارجحية شبه محتمة لجهة بقائه لفترة انتقالية. لا شك ان غرف المخابرات وطاولات المفاوضات السياسية المستديرة تزدحم بالاجتماعات لفاعلين اساسيين ومحللين سياسيين وظلال حكام سوريين: من سيحكم الاسد؟ ركام احياء ومدن ومحافظات بأكملها؟ سيسأل هؤلاء لأيام كثيرة مقبلة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل