.jpg)
تتسارع المعطيات يوماً بعد يوم منذ اتّفاق معراب الشّهير، يوم وقف المسيحيّون تلك الوقفة التّاريخيّة ليستعيدوا عن حقّ حقوقهم المغتصبة في الدّولة. ولعلّ خطوة “القوّات” يومذاك لم تكن كما قرأها البعض، خطوة آنيّةً، بل تجاوزت مدلولاتها ومفاعيلها الزّمان والمكان. وما حصل بموضوع رئاسة الجمهوريّة جاء نتيجة لهذا اللقاء الذي ضخّ الحياة من جديد في كلّ لبنان. أمّا المتابعة اليوم فتكمن في تولّي السلطة التّنفيذيّة من قبل مهندسي الرّئاسة الحقيقيّين، وليس من قبل الأزلام الذين باعوا أنفسهم في أسواق النّخاسة في بلاد الشام. فهل سيتابع العهد الجديد انطلاقته؟ وهل سيكون هذا العهد على قدر طموحات من أولاه الثّقة؟
إنّ “القوّات اللبنانيّة”، وبشهادة الخصوم والأعداء قبل الحلفاء، إن صادقت فهي تصادق بشرف، وإن عادت فهي تعادي بشرف أيضاً. وما عمليّة نكران الذّات الفرديّة إلا تحقيقًا لقناعاتها. نحن لا ننسى تاريخنا لأنّه معلِّمَنا، منه ننهل لنضع سياساتنا في الحاضر، بهدف بناء المستقبل الذي استشهد لأجله رفاقنا، كي نعيش وأولادنا بحريّة في هذا الوطن وليس في غيره.
من هذا المنطلق، أولت “القوّات” كامل ثقتها بهذا العهد، وما تصريحات فخامة الرّئيس بدءًا من خطاب القسم وحتّى اليوم، بالإضافة إلى ما صدر عن تكتّل “التغيير والإصلاح” من بيانات، إلا تثبيتاً للخطّ السيادي الذي انتهجه هذا العهد. ولن تنال منه لا التّسريبات المغرضة حول أنواع التّشكيلة الوزاريّة المرتقبة، ولا العراضات العسكريّة التي أجراها “حزب الله” في القصير، ولا غيرها من هذه الأساليب التي اعتدنا عليها وعلى عدم تأثيرها.
ثقتنا كبيرة بهذا العهد، ونعوّل عليه كثيراً لنطبّق مبادءنا التي سبق واختبرنا بها البعض، يوم تولّينا المناصب الوزاريّة، وليعلم القاصي والدّاني أنّ “القوّات اللبنانيّة” ستشارك في الحياة العامّة انطلاقًا من السلطة التّنفيذيّة. وهذه ليست بمنّة من أحد، بل حقّ مكتسب مدفوع ثمنه عرق ودم وتضحيات واعتقالات امتدّت إلى ما بعد بعد القصير وحلب، حتّى تدمر والمزّة والشّام.
لن تقبل “القوّات” بأقلّ من حجمها الفعلي والحقيقي بعد اليوم. صحيح أنّ الوزارات في الدّولة كلّها فاعلة بحسب قدرة الوزير وفريقه الوزاري، لكن ما ليس مقبولاً أن تكون “القوّات” دوماً أمًّا للصّبي، على الرغم من أنّ وجود “القوّات” في الحكومة سيكون فاعلاً بغض النظر عن الوزارات التي ستتولّاها.
لن يستطيع هذا العهد إلا أن يُتابع بنفس الإنطلاقة التي شكّلت مدماكاً أساسياً في بنائه. فهو محطّ أنظار كلّ اللبنانيّين، وخير دليل على ذلك إصرار فخامة الرّئيس على الخروج بحكومة فاعلة بأسرع وقت ممكن. العقدة اليوم ليست في التّمثيل القوّاتي بل في إرادة العهد بأن يملك القدرة على الحكم وتنفيذ مخطّطاته، وهو لن يستطيع تنفيذ أجندته بوضع كلّ ثقله بيد من عرقل وصوله لعامين ونصف، عندها سيتابع المعرقلون عرقلتهم إنّما انطلاقًا من الحكومة، وهذا ما لن يسمح به العهد الجديد.
وإنطلاقاً مما تقدم، لا بدّ من إلقاء نظرة إقليميّة على البراكين التي تغلي في المنطقة، من سوريا حتّى اليمن. وما القرار اللبناني بالنّهوض إلا انسجاماً مع قناعات معظم اللبنانيّين بضرورة تحييد وطنهم عن محيطه، لكن إصرار “حزب الله” على تورّطه وتوريطه لكلّ لبنان بمشاريعه الإقليميّة التي لن يستطيع أن يتحمّل تكاليفها لا معنوياً ولا طائفياً، إلا إمعاناً منه في القضم من هيكل الدّولة الذي يريد إيقاعه ليعيد بناءه كما يريد. وهذا ما لن يسمح به اللبنانيّون ومعهم العهد الجديد. فهل سيتابع سياسته المعهودة منذ ثلاثة عقود في قضم الدّولة؟ أم أنّ العهد الجديد سيقف بوجه كلّ من ستسوّله نفسه الإنقضاض على شرعيّة الدّولة التي لطالما استمدّ منها شرعيّة وجوده؟