
استقبل البطريرك الماروني الكردينال مار بشارة بطرس الراعي رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي وصل في زيارة بروتوكولية الى الصرح البطريركي في بكركي، بعد انتخابه رئيساً للجمهورية.
ورحّب الراعي بعون مهنئاً إياه بانتخابه رئيساً للجمهورية وقال: “ان تكون زيارتكم الرسمية الأولى الى بكركي، جرياً على تقليد عريق، فللتعبير عن أن رئاسة الجمهورية والبطريركية المارونية تعملان معاً بوحدة الكلمة والتعاون والسعي الدؤوب من اجل لبنان، كياناً ومؤسسات وشعباً. فنهج هذه البطريركية هو اياه الذي رسمه سلفنا البطريرك مار الياس بطرس الحويك ابو لبنان الكبير: “أنا بطريرك ماروني… أنا بطريرك لبنان… لقد نذرت حياتي من أجل القضية اللبنانية، التي اعتبرها قضية مقدسة… بما يخصني، ليس في لبنان طوائف، ولكن طائفة واحدة اسمها الطائفة اللبنانية”.
هذا النهج استكمله من بعده، خلفه البطريرك مار انطون بطرس عريضه، ابو الاستقلال الناجز في خطابه الشهير لجمهور اللبنانيين من كل الطوائف والمناطق والنزعات في 25 كانون الأول 1941، قال: “نصرح لكم بأن هذا الصرح البطريركي ليس وقفاً على الطائفة المارونية فحسب، بل هو بيت جميع اللبنانيين، ووقف للمصلحة اللبنانية، لا فرق فيها بين طائفة وأخرى”.
وأكد الراعي لعون “دعمنا الكامل لكم بوصفكم “رئيس الدولة، ورمز وحدة الوطن، ولكونكم تسهرون على احترام الدستور والمحافظة على استقلال لبنان ووحدته وسلامة أراضيه وفقاً لأحكام الدستور”.
ولفت الراعي الى أن انتخاب عون “وحّد ما بين كبريات الكتل السياسية والنيابية التي تجاوزت انقسامات الماضي، ووحّد ما بين فئات الشعب اللبناني، كمقدمة لمصالحة وطنية شاملة تحتاج الى استكمال في بداية عهدكم بتحقيق مشاركة جامعة ومتوازنة في الحكم والإدارة. إن نهوض لبنان وترقيه وازدهاره يحتاج الى الاتحاد بين جميع مكوناته والى توجيه طاقاتهم من اجله، فيما الخلاف يضعفه ويهدده”.
وأضاف: “هذا يعني ان انتخابكم اتى وفاء لنضالكم الطويل، لا كنقطة وصول وحسب، بل كنقطة انطلاق مسؤولة منكم، كربان لسفينة الوطن، نحو اقامة الدولة القادرة والعادلة والمنتجة، وسط رياح معاكسة، تعصف في منطقتنا المشرقية، ولبنان يتلقى الكثير من نتائجها السلبية. ما يقتضي التزام الدستور والميثاق الوطني نصاً وروحاً من قبل القيادات السياسية والمسؤولين في الدولة كافة. انها فرصتكم، فخامة الرئيس، لتطبيق وثيقة اتفاق الطائف تطبيقاً فعلياً، منعاً لشل قرارات الدولة في كل حين، وتجنباً لتفكيك أوصالها. وهذا يشكل الخطر الأكبر على الكيان. فلا بد، بادئ ذي بدء، وبالسرعة الممكنة، من إقرار قانون جديد للإنتخابات يكون حافزاً لمشاركة كل فئات الشعب في هذا الواجب الوطني، ويؤمّن المناصفة التي نص عليها اتفاق الطائف، ويساهم في تجديد النخب في القيادة الوطنية، ويضمن حق مساءلة الشعب لمسؤوليه ومحاسبتهم”.
وتابع: “من اولى الأولويات ان يوفق رئيس الحكومة المكلف بالتعاون مع فخامتكم في تأليف مجلس الوزراء الجامع، بروح المشاركة الشاملة لا المحاصصة. لا يجوز في أي حال استبدال “سلة الشروط” بصيغ التشبث بحقائب وباستخدام “الفيتو” من فريق ضد آخر. وهذا أمر مخالف للدستور ووثيقة الوفاق الوطني، ويدخل أعرافاً تشرع الباب أمام آخرين للمبادلة بالمثل، وتعرقل مسيرة قيام دولة الحق والقانون. نحن نأمل إزالة هذه الغيوم السوداء عن بداية عهدكم.”
ولفت الى أن “من مقتضيات قيامة الدولة التي ترغبون فيها، محاربة الفساد، ووضع حد لتدخل اهل السياسة في الإدارة العامة والقضاء والأجهزة الأمنية، واعتماد الكفاية في مؤسسات الدولة والمساءلة والمحاسبة والثواب والعقاب”.
وأشار الراعي الى أن “الشعب اللبناني يتطلع اليكم، وقد عانى طويلا من تردي الوضع الاقتصادي والمعيشي والاجتماعي والبيئي، حتى بات في معظمه فقيراً. انه شعبكم وانتم حماته: شبابنا وسائر قوانا الحية ينتظرون تحفيز طاقاتهم داخل الوطن؛ المناطق تطالب بتطبيق اللامركزية الادارية من اجل نموها ومساهمتها في إنماء الدولة؛ القطاع الخاص، الذي يشكل قوة لبنان، يحتاج تعاوناً مع القطاع العام ودعماً تشريعياً بنّاء”.
أضاف الراعي: “ان الكنيسة في لبنان، المتمثلة حولكم الآن ببطاركتها ومطارنة ابرشياتها ورهبانياتها، مصممة، امانة منها للسيد المسيح ولرسالتها الإنجيلية، على مضاعفة جهودها في هيكلياتها الراعوية ومؤسساتها التعليمية العامة والتقنية والجامعية، والاستشفائية والاجتماعية والانسانية، من اجل خدمة شعبنا واجيالنا الطالعة وكل ذوي الاحتياجات الخاصة، ومن أجل تأمين المزيد من فرص العمل. يمكنكم الاتكال عليها، وهي تطالب الدولة بدعمها والقيام بواجبها نحوها وانصافها بتشريعاتها.
عون
بدوره اكد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون إن جميع مؤسساتنا أصيبت بالوهن، بسبب التمديد المتمادي لمجلس النواب، والعجز الذي وقعت فيه السلطة، وان أكثر ما يؤلم وطننا في هذه المرحلة هو الفساد المستشري، وسببه الأساسي هو الانحطاط الذي ضرب المجتمع؛ فأصبحت كل مرتكزات الحكم خارج نطاق الكفاءة والأخلاق.
واعتبر ان الكنيسة هي الضامنة للقيم، “ونحن لا نستطيع منفردين أن نقوم بأي واجب علينا إلا بمعاضدة الجميع”.
ورأى الرئيس عون ان المشرق اليوم، بجميع مسيحييه، يمر بفترة قد تكون الأصعب، لأنها تحاول اجتثاث جذور المسيحية في هذا الشرق، مشيرا الى انه وإن لم تكن عذابتنا في لبنان جسدية فالعذابات المعنوية ترافقنا وتواكب أحلامنا لتحولها أحياناً الى كوابيس.
كلام رئيس الجمهورية جاء في خلال زيارة قام بها الى الصرح البطريركي في بكركي حيث كان في استقباله البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي وبطريرك الروم الكاثوليك غريغوريوس الثالث لحام وبطريرك السريان الكاثوليك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان وبطريرك الارمن الكاثوليك
وتوجه الرئيس عون، الذي رافقه وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل، مع البطاركة الى كنيسة الصرح حيث كان السفير البابوي المونسنيور غابريال كاتشا ومطارنة الطوائف الكاثوليك، والرؤساء العامون والرئيسات العامات للرهبانيات، الذين رفعوا صلاة الشكر على نية الرئيس عون.