قصة “القوات” مع الحكومة

ليست المرة الأولى التي تشارك فيها “القوات” في الحكومة. ولكنها ربما المرة الأولى التي يواجه فيها تمثيلها الحكومي بهذا الحجم من الجدل. من الطبيعي أن تكون “القوات” في هذه الحكومة وفي أي حكومة غيرها ولكن من غير الطبيعي أن يبادر البعض إلى الإعتراض على هذا التمثيل بحجمه وبنوعيته. هذا الإعتراض لا يقلل أبدًا من دور “القوات” وحضورها. على العكس فإنه يؤكد على هذا الدور وعلى هذا الحضور على قاعدة أن “القوات” عندما تحضر فإنها لا تبيع ولا تشتري بل تعمل من أجل أن تكون الحكومة حكومة والدولة دولة وعلى هذا الأساس تقرر هي أن تكون أو ألا تكون في الحكومة.

لم تبحث “القوات” سابقاً ولا هي تبحث اليوم عن حقيبة سيادية بل عن حكومة سيادية. لا تبدأ قصة “القوات اللبنانية” مع هذه الحكومة بالذات. بل مع كل الحكومات التي تعاقبت منذ العام 1990. عندما سمي الدكتور سمير جعجع بداية عهد الرئيس الياس الهراوي وزيراً في الحكومة سارع إلى الإعتذار. كان المطلوب أن يكون شاهد زور على تلك المرحلة التي بدأ فيها عهد الوصاية السورية مصادرة القرار اللبناني وتعطيل تنفيذ اتفاق الطائف الحقيقي الذي كان يجب أن يكون البداية للخروج من الحرب إلى السلم لا بداية لشن الحرب على “القوات اللبنانية” لأنها رفضت هذا الأمر.

دخول المهندس روجيه ديب ممثلاً “القوات اللبنانية” إلى الحكومة في تلك المرحلة لم يكن إلا على سبيل تقطيع بعض الملفات التي رافقت عمليات حل الميليشيات وتسليم السلاح والحفاظ على خيط من التواصل مع الحكم في ظل الحملة التي كانت تتعرض لها “القوات” على قاعدة أنها لا تريد المشاركة في السلطة لأنها تحضر للإنقلاب عليها. في الواقع لم تكن “القوات” في وارد الإنقلاب على السلطة ولكن تلك السلطة كانت تحضر للإنقلاب على “القوات” وإخراجها ليس من السلطة فحسب بل من الحياة السياسية.

كانت “القوات” تدرك منذ تلك اللحظة أن قوتها ليست أبداً من مشاركتها في السلطة وأن أي قوة لا تستطيع أن تدخلها إلى بيت الطاعة السياسية. ولذلك عرفت منذ العام 1992 أي طريق اختارت وأي تحديات تنتظرها. كانت تدرك أيضاً أن قوتها لم تكن أبداً من قوة السلاح الذي كانت تستخدمه للدفاع عن لبنان بل من قوة القضية التي تحملها وكان رهانها في محله. ولذلك فشلت محاولات عهد الوصاية في تحجيمها وتفتيتها على رغم اعتقال رئيسها وحملات الإعتقال والإضطهاد التي طالت الآلاف من شبابها وعجز ذلك العهد عن تنصيب ممثلين مزيفين للقوى المسيحية الحية على رغم توزيرهم وتخصيصهم بالمقاعد النيابية والخدمات. كان واضحاً أن “حقيبة النظارة” التي أوكلت إلى سمير جعجع أهم من كل حقائب الوزارات التي أوكلت إلى غيره.

في العام 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري أثمرت نضالات “القوات” نجاحاً في الإنتخابات النيابية في المواجهات التي أدارها الدكتور جعجع من السجن وعلى رغم كل الظروف التي رافقت تلك المرحلة تمثلت “القوات” بالوزير جو سركيس في الحكومة التي ترأسها الرئيس فؤاد السنيورة بعد الإنتخابات. لم يكن ذاك التمثيل يعكس حجم “القوات” ولكن “القوات” ارتضت أن تشارك بوزير واحد لأنها كانت تدرك أن تلك الحكومة قد تكون البداية نحو استعاد السيادة.

عندما حوصر الرئيس فؤاد السنيورة في السراي كان رئيس “القوات” إلى جانبه رفضاً لإسقاط الحكومة. اجتاز سمير جعجع خطوط الخطر والتماس التي أحاطت بالسراي ليدعم بقاء تلك الحكومة وعندما فشل “حزب الله” في عملية إسقاط الحكومة بهذه الطريقة نفذ عملية 7 أيار 2008.

بعد تفاهم الدوحة دخلت “القوات” إلى حكومة الرئيس السنيورة الثانية بوزيرين: ابراهيم نجار وزيرًا للعدل وطوني كرم وزيراً للبيئة. كانت تلك الحكومة حكومة تقطيع الوقت وصولاً إلى الإنتخابات النيابية في ربيع العام 2009. كانت المعركة في هذه الإنتخابات لا في تلك الحكومة. خاضت “القوات” المعركة الإنتخابية وحققت الأكثرية مع حلفائها في قوى 14 آذار ولكن تفاهم الدوحة فرض نفسه على حكومة الرئيس سعد الحريري التي شكلت بعد الإنتخابات وكان لـ”القوات” فيها وزيران هما ابراهيم نجار وسليم ورده وزيرًا للثقافة.

عندما أسقطت حكومة الرئيس سعد الحريري في بداية العام 2011 كانت “القوات” تدرك أن هذه الحكومة حكومة “حزب الله” وأن المطلوب الإستمرار في المواجهة. هذه التجربة التي أرادها الحزب انقلاباً سياسياً على نتائج انتخابات العام 2009 انتهت إلى فشل سياسي كبير باعتراف الحزب حيث أن الرئيس ميقاتي لم يجد مفرًا من الإستقالة.

تكليف الرئيس تمام سلام تشكيل حكومة عهد الرئيس ميشال سليمان الأخيرة كان بمثابة تسوية سياسية لا تشكل انتصاراً لقوى 14 آذار بعد انهيارحكومة الرئيس ميقاتي ولا هزيمة لـ”حزب الله” بل مجرد محاولة لملء الفراغ الذي سينجم عن عدم القدرة على انتخاب رئيس للجمهورية. أيضاً اختارت “القوات” أن تبقى خارج السلطة التي كانت توزيعًا للحصص لأنها كانت تدرك أن المعركة الأساسية هي معركة رئاسة الجمهورية.

على هذا الأساس خاض الدكتور سمير جعجع معركة ترشحه تحت عنوان الجمهورية القوية. وعندما ذهب إلى خيار دعم ترشيح العماد ميشال عون في 18 كانون الثاني الماضي كان مدركاً أن المعركة لا تتعلق فقط بالرئاسة بل أن الرئاسة ستكون المعبر لاستعادة الجمهورية بدءًا من الحكومة وصولاً إلى الإنتخابات النيابية المنتظرة، وأن هذه المواجهة الواسعة يجب أن تكون بداية لقلب قواعد اللعبة التي كانت تعتمد سابقاً بحيث يعود الطائف إلى حقيقته وتعود الحيوية السياسية إلى قصر بعبدا، وأن أي حكومة جديدة لن تتشكل لا في عنجر ولا في دمشق ولا في طهران بل ستكون بين رئيس الجمهورية الجديد والرئيس الذي سيكلف تشكيلها. ولذلك لم يذهب جعجع إلى ترشيح العماد عون وحيداً بل إلى تسمية الرئيس سعد الحريري رئيساً للحكومة الأولى التي ستتشكل وفق هذه القواعد الجديدة قبل استحقاق الإنتخابات وبعده لأنه اعتبر أن معركة رئاسة الجمهورية لا تنفصل عن معركة رئاسة الحكومة وتشكيلها. لم تكن كل تلك العملية مجرد مناورة تكتيكية بل خياراً استراتيجياً بدأ جعجع رسمه منذ اختار البدء بورقة إعلان النوايا مع “التيار الوطني الحر” ولكن كثيرين لم يدركوا حجم هذا الخيار.

مجرد انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية في 13 تشرين الأول الماضي في ظل الزخم الذي أمّنه له التحالف بين “القوات” و”التيار” فتح الباب أمام لعبة تشكيل الحكومة. ولذلك بدأت الحملة ضد “القوات”. لم تكن تلك الحملة تستهدف “القوات” وحدها بل كانت موجهة إلى العهد الجديد لأن “حزب الله” أعلن أنه غير ملزم بأي تفاهمات قائمة بين “التيار الوطني الحر” وبين “القوات اللبنانية أو “تيار المستقبل” ولذلك بدأ تسريب الأخبار أنه لا يقبل بأن تكلف “القوات” بأي وزارة سيادية. الفيتو على “القوات” كان بمثابة فيتو على العهد. عندما أعلن الدكتور سمير جعجع أن “القوات” تريد وزارة المال لم يكن يقصد هذه الوزارة بالتحديد بقدر ما كان يريد أن يحدد قواعد اللعبة في عملية التشكيل على قاعدة أن الوزارات التي ستكون لـ”التيار الوطني الحر” و”القوات” ولرئيس الجمهورية واحدة تقريباً ولا يهم من سيتولاها بقدر ما يهم أن ينجح العهد. ولذلك أعادت “القوات” المشكلة إلى الملعب الذي انطلقت منه. الدكتور جعجع لم يتوان عن الإعلان أنه إذا لم تحصل “القوات” على وزارة المال فهذا لا يعني أن حرباً أهلية ستقع و”التيار الوطني الحر” أكد على التحالف مع “القوات” وأنه ضد استهدافها وأن هذا التحالف لا يقتصر على الحكومة فقط بل يهدف إيضًا إلى تثبيت التوازن الوطني من خلال التأكيد على أحقية التمثيل المسيحي وعلى قاعد أن ما كان يطبق في السابق انتهى وأن القصر الجمهوري في بعبدا قد عاد إلى لعب الدور المطلوب منه رئاسيًا ووطنيًا وأن عهد عنجر وغير عنجر قد انتهى.

الحكومة السيادية التي يريدها العهد الجديد و”القوات” والرئيس سعد الحريري من المهم جداً أن تولد قبل ذكرى الإستقلال ليكون الإحتفال بهذه الذكرى بعد عامين من التعطيل بسبب الفراغ الرئاسي معبّراً عن المعنى الحقيقي المطلوب لهذا الإستقلال. بعد العراقيل التي حاول “حزب الله” وضعها في طريق تشكيل الحكومة جاء عرضه العسكري في القصير في سوريا بمثابة رسالة اعتراض على المعنى السيادي لهذه الحكومة. كان من المفترض أن يسرق العرض العسكري الذي سيقيمه الجيش اللبناني الأضواء فحاول الحزب سرقة هذه الأضواء من الجيش. طبعًا هذه الرسالة لا تعني أبداً أن مهمة الحكومة الجديدة ستكون سهلة وأن الإعتراض على حصة “القوات” في الحكومة لم يكن عابراً بل مرتبطا بمدى القدرة التي تمارس فيها “القوات” دورها. وهي ليست المرة الأولى التي يخشى فيها الحزب من أدوار “القوات”. فلقد كان ضد ترشيح الدكتور جعجع لرئاسة الجمهورية وعلى هذه الخلفية أطلق كثيرون تهديدات بمنع وصوله إلى قصر بعبدا وبمنعه من الحكم حتى لو تم انتخابه. ومن هذه الخلفية أيضًا خشي  قرار “القوات” ترشيح العماد عون، مع أن “القوات” ليست ضد الحزب بالمطلق بقدر ما هي مع استعادة دور الدولة بالمطلق ومع عودة الحزب إلى هذه الدولة بدل الغرق في وحول الحروب الدائرة في المنطقة.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل