#adsense

العهد في مواجهة التحديات الاقتصادية: 7 مليارات دولار في العام 2017

حجم الخط

لا شك أن العهد المنطلق حديثاً يحمل إرثاً إقتصادياً ثقيلاً من عهد الفراغ أكثر مما هو من العهد السابق. ومع أن عهد الرئيس ميشال سليمان انطلق هو الآخر بعد فراغ، إلا أن الإرث المُنتقل إليه لم يكن بهذه الوطأة، نظراً إلى أن الأوضاع في المنطقة عموماً لم تكن بما هي عليه اليوم من أزمات، كما أن الأوضاع في الداخل لم تكن على هذا المستوى من التردي والتحلّل والفساد. من هنا تبدو التحديات عديدة وكبيرة أمام العهد الجديد، والإنتظارات هي الأخرى عديدة وكبيرة. وبالتالي فإن العمل المطلوب كبير. والأسئلة المزدادة حضوراً هي عن ماهية التحديات المرتقبة، والأولويات المفترضة، وكيف يحدد الإقتصاديون الحلول؟

صحيح أن هناك العديد من المشكلات السياسية والأمنية التي تُلح على العهد الجديد لإيجاد حلول لها، لكن الصحيح أيضاً أن السبب الذي ردده جميع من سعوا إلى إنهاء الفراغ الرئاسي هو أن البلد بلغ حافة الإنهيار الإقتصادي وما عاد الوضع يحتمل الإنتظار أو التأخير. مرات عديدة بلغ البلد أزمة عدم القدرة على الحصول على قروض دولية أو حرمانه من مساعدات بسبب الخلل الدستوري الناجم عن الفراغ الرئاسي. ومرات عديدة حذر وزير المال من احتمال عدم أمكانية دفع رواتب القطاع العام لعلة عدم التئام المجلس النيابي. لا موازنات تقر ولا قوانين ولا قرارات، فيما ليس ما يشجع على الإستثمار أو السياحة أو تأسيس الأعمال.

إنطلاقاً من هنا، لا بد من أن يولي العهد الجديد مسألة تحسين وتحصين الإقتصاد الأولوية، وهي المنتظمة أصلاً في أعلى سلم الأولويات، الأمر الذي شدد عليه فخامة الرئيس في خطاب القسم ثم في الخطاب التالي أمام المناصرين الذين احتشدوا في بعبدا. فما هي هذه الأولويات بحسب الإقتصاديين؟ وما هي الحلول المقترحة لإخراج البلد من النفق الذي دخله بسبب الفراغ الرئاسي والشلل الحكومي والتشريعي، مضافاً إليها ما لا يحصى من العوامل الضاغطة جميعها باتجاه كبح النمو وطرد الإستثمارات وزيادة الدين العام؟

تحديات في انتظار الحل

سجل لبنان خلال السنوات العجاف الماضية أرقاماً سلبية قياسية في كل المجالات التي تؤكد أنه بلغ فعلا شفير الهاوية. فهو احتل المرتبة الثالثة عالمياً والأولى عربياً على صعيد نسبة الدين العام الى مجمل الناتج المحلّي بين 19 دولة، وفق تقرير نشرته صحيفة “الإندبندنت” البريطانيّة. ويقدّر للعجز المتنامي في المالية العامة أن يتجاوز نسبة 9.5 في المئة من الناتج المحلي في العام2017  إضافة الى تنامي الدين المتوقّع أن يصل الى 79.5 مليار دولار في العام المقبل وبنسبة 145 في المئة من الناتج المحلي.

هناك أيضاً إستحقاقات بقيمة 7 مليارات دولار سيواجهها لبنان في العام 2017، وسوف تناهز الـ 8 مليارات دولار في العام 2018. وهذا ما يُعتبر تحدّيا كبيرا للعهد الحديد، إذ ليس من السهل إقتراض 20 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي على عامين مُتتاليين من دون تداعيات على أسعار الفائدة أو على قيمة الليرة.

وفي السياق وضع مؤشر البنك الدولي لأداء الأعمال لـ2017، لبنان في المرتبة 126 بين 190 بلداً، أي أن 66 في المئة من بلدان العالم لديها بيئة أعمال أفضل من لبنان، بما يفسّر تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة من 14 في المئة من الناتج المحلّي الإجمالي في الـ2008، إلى الـ4.6 في المئة في الـ2015. فبعد فراغ استمر أكثر من عامين ونصف العام تراكمت الاستحقاقات الاقتصادية والمالية، فاندفع هذا البند بقوة إلى واجهة استحقاقات العهد فارضاً وجوب اعتماد نمط مختلف في مقاربة هذه المواضيع ومعالجتها. حتى أنه هيمن على عملية تشكيل الحكومة واختيار الوزراء أخذاً في الإعتبار قدرتهم ككفاءات وقدرة الحكومة مجتمعة ومنسجمة، على حل هذه المشاكل.

الخبير الإقتصادي الدكتور إيلي يشوعي وصّف لـ”المسيرة” حجم المخاطر والأولويات الملحة للمعالجة، والحلول المفترضة لذلك. وأشار إلى خطاب القسم الذي ذكر 4 نقاط اعتبرها أنها في حد ذاتها تحل مسائل كثيرة، مشدداً على “ضرورة تطبيق اللامركزية الإدارية مع الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مجالس الأقضية، كمدخل لحل العديد من المسائل الأخرى. وأن تُعطى لهذه المجالس صلاحية جباية الضرائب ومن ثم إنفاقها على التنمية في نطاقاتها اللامركزية. مثلا بناء معمل توليد كهرباء بتوتر متوسط في كل قضاء، والإستغاء عن التوتر العالي ومخاطره الصحية وتأثيره السلبي على قيمة العقارات. كذلك بالنسبة لأزمة النفايات التي يمكن أن توكل أيضا إلى مجالس الأقضية. ومثلها إنشاء نقل مشترك ومحطات تكرير وغيرها من القضايا التي يتخطى البت بها صلاحيات البلديات المحدودة على هذا الصعيد”.

ويشدد الدكتور يشوعي كما سواه من خبراء الإقتصاد على أهمية وأولوية معالجة الفساد كمدخل طبيعي لاستقامة الأمور. “الفساد في الخدمات العامة يجب أن نسيطر عليه. وأن نُعِد موازنات ليس فيها ارتفاع في الدين العام”. لكن اللافت تشديده على أهمية تشكيل حكومة منتجة مشددا على أن “حكومات الوفاق الوطني لا تنجح، هي حكومات تعطيل، والحكومة يجب أن تكون متجانسة لتكون منتجة”. وأوصى بأن يتم “العزوف عن الضرائب غير المباشرة، فإذا أردنا تحقيق حد أدنى من العدالة الإجتماعية في العهد الجديد علينا أن نلجأ إلى ضرائب مباشرة وتصاعدية فهي الأفضل”.

واعتبر أن الحلول تبدأ بالعمل على هذه النقاط، “لكن تحقيق ذلك يتطلّب وجود أشخاص أكفياء نظيفي الكف. وإلا فهل نحارب الفساد بالأشخاص أنفسهم والبقاء في دوامة ما يسمّونه أن السلطة هي دائرة: دوري دورك دورو، حصّتي حصّتك حصّتو… كما يجب ألّا نكتفي برفع الشعارات الجميلة من دون تطبيق، لأن الناس عندها سيحبطون”.

فرصة الحكومة الإلكترونية

الخبير الإقتصادي ورئيس معهد “سيدر أنستيتيوت” غسان حاصباني استعرض الوضع بكلّيته لـ”المسيرة” محدداً المسائل الملحّة بثلاثة مستويات: الإقتصادي والمالي والنقدي. ويقول إن التحدي الأكبر من الناحية الإقتصادية هو إعادة النمو كون الناتج المحلي لم ينمُ منذ عامين أكثر من واحد أو واحد ونصف في المئة، وهذا ليس بالأمر الجيد بالنسبة إلى بلد مثل لبنان يفترض أن يحقق نموا يصل إلى 6 أو 7 في المئة. كذلك إعادة ثقة المستثمرين بالإقتصاد، مستفيدين من الإستقرار النسبي على مستوى الأمن لتحقيق ذلك. فغياب الإستقرار السياسي سابقا أدى إلى غياب السياسات الإقتصادية ما لم يساعد على وفادة المستثمرين، يضاف إلى ذلك مشاكل التصدير وتراجع السياحة وغير ذلك ما انعكس سلبا على الإقتصاد”.

من الناحية المالية يرى حاصباني “أن مشاريع الموازنات تعاني دائما من عجز لأن خدمة الدين عالية جداً، والدين بالنسبة إلى الناتج المحلي مرتفع جدا، كذلك فإن كلفة القطاع العام عالية إذ إن هناك أكثر من 35 في المئة من موازنة الدولة تذهب لخدمة الدين ومثلها يذهب إلى المعاشات، والـ30 في المئة الأخرى يذهب معظمها إلى مؤسسة كهرباء لبنان وأمور أخرى، بحيث لا يبقى أكثر من 4 في المئة لإنفاقها على أمور إستثمارية. وهذا يعني أن هناك حجما كبيرا من الهدر وسوء الإدارة يلزمه تصحيح وهو ما يجب أن تعمل حكومة العهد الأولى عليه في المرحلة المقبلة. يضاف إلى ذلك ضرورة اجتثاث الفساد ورسم سياسة مالية واضحة للدولة، ليس فقط لتحسين وضع الخزينة مع الوقت بل لخفض نسبة الدين. أما لناحية السياسة النقدية فهي جيدة في المجمل، إلا أنه يُخشى أن نكون نحافظ على الليرة على حساب تحفيز الإقتصاد.

لكن ماذا عن الحلول المقترحة لمعالجة هذه التحديات؟

يقول حاصباني: “بغض النظر عن الخلافات السياسية بين الأطراف هناك أجندة واضحة يجب أن تضعها الحكومة الجديدة التي عليها أن تؤمّن نوعا من الإستقرار الإقتصادي وجوّا عامّا يشجع على استقطاب الإستثمارات بعد تحسين ثقة المستثمر بنا، ما يدفعه إلى توجيه الرساميل إلى لبنان، والتي علينا أن نخلق الفرص الإستثمارية المؤاتية لها لنستفيد منها، وليس الإكتفاء بوضعها في المصارف كودائع. وهذا يتم بتوسيع نطاق الإستثمار المتاح للقطاع الخاص، ومن ذلك الشراكة مع القطاع العام، ما يخلق فرص عمل ويزيد الدخل. ومن الفرص الإستثمارية التي يجب الإفادة منها، تحريك قطاع النفط والغاز القادر على تحقيق مستوى عال من فرص العمل والنمو الإقتصادي. يضاف إلى ذلك تعزيز الجبايات بدل زيادة الضرائب”.

ويركز حاصباني على “تقليص كلفة الهدر والفساد باعتماد الحكومة الإلكترونية إلى جانب إجراءات أخرى. وتفعيل هئات الرقابة داخل الدولة وتفعيل دور القضاء وتعزيز الشفافية للتخلص من حوالى مليار إلى ملياري دولار تتكبدها الخزينة بسبب الهدر والفساد. فتركيزنا الدائم على الحكومة الإلكترونية ينطلق من أهميتها في نقل الدولة مما هي عليه اليوم من شلل إلى مرحلة الفعالية والنمو. كما لا بد من ربط المؤشرات المالية للدولة بمؤشرات الإقتصاد، فإذا خففنا من الهدر الذي يولّد عجزا بقيمة 3 مليارات دولار سنويا، تتراجع الحاجة إلى الإستدانة بالحجم الذي هي عليه اليوم، فتتراجع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي لتصبح مقبولة. وإذا أضيف إلى ذلك تحقيق نمو إقتصادي مقبول نكون قد أصبحنا على الطريق الصحيح”.

بانتظار صافرة القطار

وعليه يُجمع الإقتصاديون على ضرورة وضع رؤية اقتصادية في العهد الجديد تُخرج البلاد من الجمود الذي فرضته الأوضاع السياسية وتُرجِم بتراجع حاد في كل القطاعات الاقتصادية. فثمة أولوية تقضي بمعالجة مُشكلة العمالة الأجنبية ومنافستها لليد العاملة اللبنانية، ومشكلة العجز في الميزان التجاري التي تفرض ايجاد صناعات محليّة لسد حاجات لبنان من السلع العشر الأكثر إستهلاكًا. ويشددون على أن إقرار الموازنة أمرّ أساسي لوقف بدعة الإعتمادات من خارج الموازنة والتي أدّت إلى رفع الدين العام من 38.5 مليار دولار في 2005 إلى أكثر من 73 مليار دولار حالياً.

ويعيد هؤلاء التشديد على أن المُشكلة الرئيسية التي ستعترض العهد الجديد تتمثل بآفة الفساد التي تسبب خسائر للإقتصاد تناهز الـ 10 مليارات دولار سنوياً، خصوصاً أن المحسوبيات السياسية لن تختفي بمجرد إنتخاب رئيس للجمهورية أو بتشكيل حكومة. من هنا أهمية أن يباشر العهد في أقرب وقت إطلاق عجلة تطبيق الحكومة الإلكترونية وهي من الأولويات التي يُنتظر المباشرة بها، ومن الشؤون الأكثر إلحاحاً، والتي تتمثل برأي كبير الإقتصاديين ومدير قسم البحوث والتحاليل الإقتصادية في مجموعة بنك “بيبلوس” نسيب غبريل بـ”التحدي الاداري – الإصلاحي والذي يترجم بخفض الأعباء التّشغيليّة المرتفعة التي تُرهق كاهل الاقتصاد والشركات”.

ويستند غبريل الى مسح لمدراء الشركات في لبنان الذي يظهر ان المعوّقات الأساسية امام الشركات هي الفساد في الادارات العامة، وعدم الاستقرار الحكومي، وسوء نوعية البنى التحتية وعدم فعالية الادارات العامّة، ليشير الى “أن تطوير المناخ الاستثماري وبيئة الأعمال من شأنه أن يخفّض الاعباء التشغيليّة عن الشّركات والمؤسّسات. من هنا ثمّة ضرورة لأن يضع العهد الجديد رؤية طويلة الأمد وإستراتيجية عمليّة لاستقطاب الاستثمارات الأجنبيّة إلى لبنان، علماً ان المغتربين اللبنانيين ينتظرون أن يلمسوا الخطوات التي تطوّر بيئة الأعمال لاستعادة ثقتهم”.

ومن الاولويات ايضاً، يشير غبريل الى “إقرار موازنة عامة للعام 2017. فإقرار الموازنة برأيه سيكون مؤشرا إيجابيا للقطاع الخاص، كما للمؤسسات والصناديق المالية العالمية ولوكالات التصنيف. لكن ليس المطلوب إقرار أي موازنة لمجرد الضرورة. فهدف الموازنة يجب أن يكون دعم النمو الاقتصادي وخفض حاجات الدولة للاستدانة”.

وفي المحصّلة يرى الإقتصاديون أن حل المشكلات الاجتماعية والمعيشية ومنها: البطالة، وانحسار فرص العمل وعمليات الصرف من الخدمة، يحل تلقائيا إذا تم اعتماد خطة جدية ومدروسة لمعالجة المسائل الإقتصادية. وما يساعد في ذلك أنه من المتوقع أن يكون اقتصاد 2017 أفضل من اقتصاد 2016 وأن يسجل نموا بنسبة تفوق الـ 4 في المئة نتيجة انتخاب رئيس، وهذا المؤشر الايجابي سينعكس تحسنا في الحركة التجارية والسياحية والاستثمارية والاستهلاكية. وقد بدأت المؤشرات الايجابية بالظهور مع بداية الانفراج الرئاسي حيث تضاعف التداول اليومي في بورصة بيروت أكثر من 5 مرات، وتحسّن سعر سهم “سوليدير” حوالى 25 في المئة، وتراجع الضغط في سوق القطع على الليرة اللبنانية، وانتفت الأسباب الموجبة لعدم التئام المجلس النيابي وإنتاجية مجلس الوزراء إذا كانت هناك حقا نية لإنقاذ الوضع. وهناك من يضيف إلى كل هذه العوامل المساعدة إمكانية عقد مؤتمر باريس4. ويشدد هؤلاء أن أحدا لن يذهب في التفاؤل إلى حد انتظار تحقيق كل هذه الأمور، لكن مجرد وضع القطار على السكة وتصفية النوايا كفيل بالتغيير الكلي للمشهد القاتم الذي خيّم على اللبنانيين على مدى عقد تقريباً.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل