انكشاف “الجهاد الأكبر”

                                                                                

لم ينتظر التفاؤل بالعهد الجديد طويلاً كي يحصد خيبته الأُولى، فظهر في سرعة قياسيّة ما كانت تخبّئه أيدي “الجهاد الأكبر” تحت القفّازات الناعمة.

على مدى أسبوعين، كادت “الشيعيّة السياسيّة” أن تُنسي الجميع ما لوّح به الرئيس نبيه برّي عشيّة انتخاب رئيس الجمهوريّة، فبدت كأنّها تبحث عن حصص في الحكومة الجديدة لا أكثر، جرياً على عادة تشكيل الحكومات في لبنان منذ ربع قرن.

لكنّ زيارة تقليديّة من الرئاسة اللبنانيّة إلى صرح بكركي كانت كافية لإخراج ما في الصدور و”القلوب الملآنة”، فتمّ رصد أيّ عبارة أو كلمة في كلام الضيف ومضيفه، كي تُشعل هذه “الشيعيّة السياسيّة” حرباً بالسلاحين، السياسي والطائفي، مدعومةً بالسلاح الثالث حامي “الجهاد الأكبر” في لبنان وسوريّا وسائر الميادين الموحّدة.

ليس خافياً أنّ رفع عقيرة برّي والمجلس الشيعي الأعلى إلى مستوى النكء الطائفي، ناتج عن أسباب أعمق من الموقف السياسي لرئيس الجمهوريّة عن شلل الدولة بسبب التمديد لمجلس النوّاب، وموقف البطريرك الماروني عن “سلّة الشروط” و”الفيتو” وأحاديّة الحقّ بحقيبة هنا أو هناك وخطورتها على الدستور والميثاق والتوازن بين المكوّنات.

الأسباب الحقيقيّة تعود إلى بداية صعود هذه الحالة السياسيّة والعسكريّة وتحكّمها بمسار الدولة منذ 11 سنة، على الأقلّ،  ونجاحها في وضع شرائح واسعة من الطوائف الأُخرى كمتاريس أماميّة لفرض منطق القوّة والغلبة، والتلاعب بأسس الطائف وتوازناته.

هذا ما حدث في محاولة إسقاط حكومة الرئيس السنيورة الأُولى باستقالة الوزراء الشيعة مع واجهة مسيحيّة، والمسارعة إلى نعتها ب”البتراء” وغير الشرعيّة، مع استخدام واجهة مسيحيّة أُخرى في ذلك الاعتصام الدهري وتطويق السراي وشلّ العاصمة والدولة، إلى الإيغال في استخدام المسيحيّين لتغطية “غزوة أيّار” و”حرب تمّوز” وإسقاط حكومة الحريري وفرض حكومة اللون الواحد، وصولاً إلى تفريغ سدّة الرئاسة.

لقد ساء “حزب الله”، عبر برّي، أن تنحسر هذه الواجهة المسيحيّة من خلال انتخاب العماد عون رئيساً للجمهوريّة. فما كان يحصل عليه سياسيّاً لم يعُد ممكناً دستوريّاً مع اكتمال شرعيّة الدولة بدءاً من رأسها. والعماد عون في قصر بعبدا لا يمكن أن يكون كما في الرابيه. فأصول الحكم لها ضوابطها ومفاهيمها، وموجباتها العربيّة والدوليّة، وهذا ما برز في خطاب القسم  وخطاب بعبدا وكلمة بكركي.

لقد خسرت ثنائيّة (أو أحاديّة) “حزب الله” – برّي متراساً مهمّاً، فحاولت استبداله بمتراس أقلّ ارتفاعاً لا يتسنّى لها أفضل منه الآن. وهذا ما يفسّر إصرار بريّ، ووراءه “حزب الله”، على حقيبة درجة أُولى لتيّار “المردة”، تعويضاً ببنشعي عن الرابيه، على قاعدة المثل الفرنسي المعروف: في غياب السُمّن نأكل شحارير!

وبقراءة بسيطة، يُمكن تصنيف أحد أهداف العرض العسكري الذي أقامه “حزب الله” في خانة الرسائل إلى الداخل السياسي اللبناني عشيّة عرض الاستقلال الذي سيترأسه رئيس الجمهوريّة بما يعنيه من موقف سيادي وأولويّة الجيش اللبناني، وكتعويض بعضلات القوّة عن الخسارة السياسيّة لبعض المتاريس.

لا شكّ في أنّ ما حصل منذ الانتخاب الرئاسي خربط حسابات كثيرة لدى الثنائي (الأحادي) المذكور، من “السلّة” إلى “المؤتمر التأسيسي”، ومن “سرايا” المتاريس السياسيّة إلى انتعاش اتفاق الطائف وفرص بناء الدولة، وتحييدها عن الصراعات وعدم ارتهانها لأيّ خارج.

وخلافاً لترويج مقولة انتصار “محور الممانعة والمقاومة” في سوريّا امتداداً إلى لبنان، يسهل تسجيل تقهقره على غير مستوى، ما اقتضى رفع معنويّات بيئته بالعرض العسكري الطارىء.

وكلّ الأصابع تدلّ الآن إلى موقع التشنّج والتبرّم والتعطيل، بعدما كانت الحكومة وشيكة الولادة.

وليس أمراً بسيطاً أن يقترن الرفض السياسي بالتحريك الطائفي عبر التحدّث المباشر والسافر عن الشيعة (بيان المفتي قبلان والذي استغربه البطريرك الراعي من بعبدا)، فيستفظع برّي والمجلس الشيعي و”حزب الله” حفاوة بكركي بالرئيس الجديد ووضعها الأصبع على جرح الأزمة التي تتّخذ تسميات شتّى، تارةً “السلّة” وتارة أُخرى “الفيتو”، وبينهما الاستئثار بحقيبة المال بحجج افتراضيّة في الطائف، وتكريس أعراف جديدة منافية لنصوص الدستور وروحه.

كما يستفظعون نجاح “القوّات اللبنانيّة” في تصحيح الميزان الوطني الكبير، فيسعون إلى التضييق عليها ومعاقبتها بسبب استنهاضها الحالة المسيحيّة في الإطار اللبناني السليم، ووضعها حدّاً للشغور الرئاسي المتمادي الذي تسبّبوا به.

قلتم “جهاد أكبر”؟

بل، هو أشبه بمتاهة البديل بعد تعثّر “المشروع الأكبر”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل